وورلد برس عربي logo

نينيو الفائق يعيد تشكيل خريطة المناخ العالمي

نينيو الفائق يعيد رسم خريطة الشتاء الأمريكي مع أمطار وثلوج في الجنوب وشتاء معتدل في الشمال لكن الأثر الأكبر قد يكون جفاف وفيضانات مدمرة في شرق أفريقيا وآسيا وسط تحذيرات من مخاطر متزايدة بسبب التغير المناخي وورلد برس عربي.

غروب شمس برتقالي وسط سماء ملبدة بالغيوم يعكس ارتفاع درجات حرارة المحيط الهادئ المرتبط بظاهرة النينيو الفائقة.
يتوقع الباحثون ارتفاع درجات الحرارة فوق المعدل الطبيعي في معظم المناطق البرية مع اقتراب فصل الشتاء، إلى جانب تأثيرات أخرى لظاهرة النينيو. (حقوق الصورة: trekandshoot عبر Getty Images)
التصنيف:المناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الثامن عشر من سبتمبر الماضي، سجّلت مياه سطح المحيط الهادئ الشرقي درجة حرارة تفوق المعدّل التاريخي بمقدار 3.8 درجة فهرنهايت (2.1 درجة مئوية) رقمٌ يتجاوز عتبة الـ3.6 درجة فهرنهايت (2 درجة مئوية) التي تُصنَّف عندها ظاهرة النينيو (El Niño) بأنّها «فائقة». المصطلح نفسه، كما توضّح الوكالة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوّي الأمريكية (NOAA)، ليس تصنيفاً علمياً بقدر ما هو لقبٌ غير رسمي يُطلَق على الأحداث «القوية جدّاً» حين تتخطّى هذا الحد. لكنّ ما وراء اللقب هو الأهمّ: مركز التنبّؤ المناخي التابع لـNOAA يقدّر احتمال أن تكون هذه الظاهرة الأقوى منذ بدء السجلّات المقارنة عام 1950 بنسبة 75%.

الظاهرة بدأت رسمياً في 11 يونيو، وتُصنَّف NOAA قوّتها اعتماداً على متوسّطات ثلاثية الأشهر لا على قراءاتٍ أسبوعية إذ تبقى القياسات الأسبوعية عرضةً لانحرافاتٍ مؤقتة قد تضلّل القراءة الآنية. ومع ذلك، فإنّ التوقّعات فصلياً واضحة: احتمالٌ يتجاوز 90% لحدوث ظاهرة نينيو «قوية جداً» خلال فصلي الخريف والشتاء المقبلين. وقد رصدت منصّة Climate Brink قراءةً يومية بلغت 5.5 درجة فهرنهايت (3.06 درجة مئوية) في 20 سبتمبر، بينما تُسقط نماذج المركز الأوروبي للتنبّؤات الجوية متوسّطة المدى (ECMWF) احتمال تجاوز درجات الحرارة عتبة 6.3 درجة فهرنهايت (3.5 درجة مئوية) بحلول نهاية 2026.

كيف تُعاد رسم خريطة الشتاء الأمريكي؟

من الناحية الفنية، يبدأ النينيو بارتفاعٍ غير معتاد في حرارة مياه شرق المحيط الهادئ الاستوائي، لكنّ اعتراف NOAA بالظاهرة رسمياً يتطلّب أكثر من ذلك: عتبة دنيا قدرها 0.9 درجة فهرنهايت (0.5 درجة مئوية) فوق المعدّل، إلى جانب توافق أنماط الرياح والضغط الجوّي وهطول الأمطار في المنطقة الاستوائية مع الظاهرة. الفئات تتدرّج من «ضعيفة» إلى «قوية جداً»، وهذه الأخيرة تتجاوز عتبة الـ3.6 درجة فهرنهايت.

الأثر المباشر لهذا الاحترار هو انزياح التيار النفّاث (jet stream) جنوباً مع تمدّد المياه الدافئة شرقاً عبر المحيط الهادئ الاستوائي. النتيجة المتوقّعة في الولايات المتحدة: فرصٌ أعلى لهطول أمطار وثلوج شتوية في كاليفورنيا والولايات الجنوبية، مقابل شتاءٍ أكثر اعتدالاً وعواصف أقلّ في الولايات الشمالية. كما يرفع النينيو مخاطر الفيضانات الناجمة عن المدّ العالي، خصوصاً على الساحل الغربي. غير أنّ NOAA نفسها تُحذّر من أنّ هذه الآثار تتفاوت إقليمياً وغير مضمونة الحدوث بالكامل.

الإشارة الأضعف هذا الموسم جاءت من حوض الأطلسي، لا الهادئ: تزامن احترار المحيط الهادئ مع هدوءٍ استثنائي في الأطلسي، حيث تجاوز الموسم ذروته التقليدية دون تسجيل عاصفةٍ استوائية واحدة أو إعصار. في المقابل، نُسبت عواصف استوائية ضربت هاواي هذا العام إلى تأثير النينيو المباشر.

لماذا الأثر الأثقل قد يقع خارج أمريكا الشمالية؟

المقارنة بالأحداث «الفائقة» السابقة تكشف نمطاً: النينيو الفائق لعامي 2015-2016 جلب موسم أعاصير تاريخياً في وسط شمال المحيط الهادئ، وجفافاً قياسياً في منطقة البحر الكاريبي. أمّا نينيو 1997-1998 سابقه المباشر فقد ترك فيضاناتٍ في جنوب شرق الولايات المتحدة، وعاصفةً جليدية في الشمال الشرقي، وأعاصير قمعية في فلوريدا.

مخطط يوضح خطوات تحديد ظاهرة النينيو بناءً على حرارة سطح البحر وتغيرات دوران ووكر الجوية مع مؤشرات هطول الأمطار في المحيط الهادئ.
Loading image...
تمتلك الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) مخططًا تشخيصيًا لتحديد ظاهرة النينيو.

لكنّ التقديرات الحالية تشير إلى أنّ الأثر الأشدّ خطورة لهذه الدورة قد لا يقع في أمريكا الشمالية أصلاً. بيانات الأقمار الصناعية سجّلت ظروف جفافٍ قياسية في شرق أفريقيا، وأمريكا الوسطى، وجنوب شرق آسيا، بينما جاء هطول أمطار الرياح الموسمية الهندية دون المعدّل الطبيعي، بحسب ليز ستيفنس، أستاذة المخاطر المناخية والقدرة على الصمود في جامعة ريدينغ. وهذا التوزيع الجغرافي جفافٌ حاد في مناطق تعتمد زراعتها على مواسم أمطارٍ محدّدة هو بالضبط ما قد لا يظهر في العناوين التي تركّز على الشتاء الأمريكي.

التاريخ هنا ليس تجريدياً. تستدعي ستيفنس سابقةً مباشرة: «خلال حدث النينيو الكبير في 1997/1998، تسبّبت الفيضانات المرتبطة به في الصومال بمقتل أكثر من 2000 شخص». والقلق الذي تطرحه اليوم ليس تكرار الرقم بحدّ ذاته، بل الظروف المضاعِفة له: «مع اقتراب حدث نينيو أكبر، ودرجات حرارة عالمية أعلى الآن بمقدار 0.7 درجة مئوية 1.26 فهرنهايت وقادرة على حمل مزيدٍ من الرطوبة نتيجة التغيّر المناخي، يشعر العلماء بالقلق من احتمال فيضاناتٍ أشدّ وطأة».

هذا هو جوهر الترابط النظمي في القصة: النينيو ظاهرةٌ طبيعية متكرّرة عبر دورةٍ متعدّدة السنوات، لكنّ التغيّر المناخي الناتج عن النشاط البشري يضخّم مفاعيلها إذ يسمح غلافٌ جوّي أكثر دفئاً باحتباس كمياتٍ أكبر من بخار الماء، وهو ما يرفع سقف الهطول المطري المحتمل حين تتوفّر الظروف المُطلِقة له.

ماذا تقول المؤسّسات الدولية عن الأشهر المقبلة؟

في 3 سبتمبر، أصدرت المنظّمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) تحذيراتٍ جديدة بشأن النينيو إلى جانب تحديثها المناخي الفصلي. وجاء في بيان ممثّليها: «بالنسبة لفترة سبتمبر-نوفمبر 2026، تشير النماذج المتعدّدة للمنظّمة إلى احتمالٍ متزايد لدرجات حرارة أعلى من المعدّل الطبيعي عبر معظم مساحات اليابسة تقريباً، إلى جانب أنماط هطولٍ تُظهر استجابةً جوّية كلاسيكية وواضحة لنينيو الهادئ القوي». بعبارةٍ أخرى، المنظّمة لا تتحدّث عن احتمالٍ هامشي، بل عن نمطٍ متوقّع بثقةٍ نسبية عالية لهذا الفصل تحديداً.

وهذا يتّسق مع قاعدةٍ عامّة في علم المناخ التطبيقي: كلّما اشتدّت قوّة حدث النينيو، ازدادت درجة اليقين بشأن آثاره المتوقّعة إقليمياً. غير أنّ هذا لا يعني زوال الشكوك؛ فالحدث الحالي، رغم شدّته غير المعتادة، ما زال يحمل هامش عدم يقينٍ حقيقياً بشأن حجم النتائج الفعلية على الأرض.

ثلاثة سيناريوهات تستحقّ المتابعة خلال الأشهر المقبلة: الأرجح، أن يتحقّق النمط الذي رسمته WMO وNOAA شتاءٌ أمطاري في جنوب الولايات المتحدة وكاليفورنيا، ومواسم جفافٍ متفاقمة في شرق أفريقيا وأمريكا الوسطى وجنوب شرق آسيا، ضمن الحدود التاريخية المعروفة من نينيوَي 1997-1998 و2015-2016.

المحتمل: أن تتجاوز درجات الحرارة العالمية والهطول المطري السقوف التاريخية المرجعية، بفعل الإضافة المناخية التي تحدّثت عنها ستيفنس، ما يرفع مخاطر فيضاناتٍ إنسانية تفوق حصيلة 1997/1998 في مناطق هشّة كالقرن الأفريقي.

الأقلّ احتمالاً، أن يتراجع الحدث عن تصنيف «القوي جداً» فعلياً رغم القراءات الحالية، إذا لم تتوافق أنماط الرياح والضغط الجوّي بالكامل مع الاحترار السطحي المسجَّل وهو احتمالٌ تُبقيه NOAA مفتوحاً بحكم اعتمادها على متوسّطاتٍ ثلاثية الأشهر لا قراءاتٍ آنية. الحسم الفعلي لن يأتي من رقمٍ واحد، بل من تراكم بيانات الخريف والشتاء معاً.

أخبار ذات صلة

Loading...
رسم بياني يوضح كيف يمكن لتجنب الأثر الجليدي للطيران تأخير مساهمة قطاع الطيران في الاحترار العالمي بعقد حتى عام 2050.

تجنب مسارات الطائرات يؤخر الاحتباس الحراري لقطاع الطيران عقداً كاملاً

هل تعلم أن 3% فقط من الرحلات الجوية تسبب 80% من الاحترار الناتج عن الأثر الجليدي؟ إعادة جدولة هذه الرحلات قد تؤجل الاحترار بعقد كامل. اكتشف كيف يمكن للطيران أن يساهم في حماية المناخ الآن!
المناخ
Loading...
مخطط يوضح انخفاض طلب الوقود السائل للأسطول البحري من 425 مليون طن عام 2030 إلى 70 مليون طن بحلول 2100 مع زيادة استخدام الطاقة الكهربائية والوقود منخفض الكربون.

تقرير DNV للوقود 2050 يتجاهل الكهربة

بحلول 2050، يتوقع أن يحتاج الأسطول البحري الدولي إلى 185 مليون طن من الوقود منخفض الانبعاثات، مع تحديات الكهربة المباشرة وتأثيراتها على سوق الشحن البديل. اكتشف كيف سيشكل هذا المستقبل البحري وكن جزءاً من الحل.
المناخ
Loading...
وزير الطاقة الأمريكي يتحدث في مؤتمر مجموعة العشرين في هيوستن 2026 حول وفرة الطاقة وسط نقاشات سياسة الطاقة والتغير المناخي.

قواعد المناخ للمحطّات الكهربائية: ماذا بعد قرار ترامب؟

الولايات المتحدة حققت خفض انبعاثات الكهرباء 32% قبل موعده رغم إلغاء معايير التلوث، فهل الاقتصاد وحده يقود التحول للطاقة النظيفة؟ اكتشف التفاصيل وتأثير السياسات الفيدرالية والولائية الآن.
المناخ
Loading...
برج دعم أصفر لتوربينات الرياح البحرية ضمن مشروع Revolution Wind في المحيط، يعكس تقدم مشاريع طاقة الرياح البحرية الأميركية رغم العقبات السياسية.

آخر توربينة في مزرعة أمريكية بحرية كبرى تُنصّب

شهد قطاع طاقة الرياح البحرية في أميركا تحديات سياسية وقانونية تعرقل نموه رغم أهميته في توفير طاقة نظيفة. اكتشف كيف تتغلب المشاريع الكبرى على العقبات وتحقق إنجازات غير مسبوقة. اقرأ المزيد الآن!
المناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية