اكتشاف أميبا النار التي تتحمل حرارة غير مسبوقة
اكتشاف نوع جديد من الأميبا يتكاثر عند حرارة 63 درجة مئوية ليعيد رسم حدود الحياة المعقدة ويكشف أسرار التكيف الحراري في بيئات قاسية. تعرف على أميبا النار وكيف تحدّت القيود البيولوجية في وورلد برس عربي.

تُثبت الطبيعة مرّة أخرى أنّ حدود الحياة المعقّدة أبعد ممّا كان يُعتقَد. فقد كشف فريقٌ بحثي في الولايات المتحدة عن نوعٍ جديد من الأميبا يتكاثر عند درجات حرارة تصل إلى 63 درجة مئوية (145 فهرنهايت)، وهو أعلى مستوى حرارة مسجَّل حتى الآن لخليةٍ معقّدة على الإطلاق. الاكتشاف، الذي نُشر الثلاثاء 22 سبتمبر في مجلة Cell، لا يقتصر أثره على تصنيفٍ بيولوجي جديد، بل يعيد رسم الخط الفاصل بين ما تستطيعه الخلايا المعقّدة وما تعجز عنه، وهو سؤالٌ له امتدادات تتجاوز كوكب الأرض.
كيف اكتُشفت "أميبا النار"؟
جُمعت العيّنات التي أفضت إلى هذا الاكتشاف من جدولٍ فرعي تابع لـHot Springs Creek داخل متنزّه Lassen Volcanic الوطني في كاليفورنيا، وهي منطقةٌ بركانية نشطة تُعرف بينابيعها الحرارية. قادت عالمة الأحياء الدقيقة Beryl Rappaport من جامعة Syracuse في نيويورك التحقيق المخبري بمساعدة زملائها، بعدما كانت أبحاثٌ سابقة قد اقترحت أنّ بعض أنواع الأميبا قد تكون قادرة على الازدهار في الينابيع الجيوحرارية الدافئة. أُطلق على النوع الجديد اسم Incendiamoeba cascadensis، وهو اسمٌ يعني حرفياً "أميبا النار من جبال Cascade"، في إشارةٍ إلى الموطن البركاني الذي عُثر عليها فيه.
باستخدام مجهرٍ مزوَّد بنظام تسخين، تمكّن الفريق من مراقبة انقسام الأميبا حيّاً عند 63 درجة مئوية، وهي لحظةٌ وصفتها Rappaport في تصريحها بالقول: "لقد فوجئتُ حقاً". وأضافت أنّ الفريق شكّك في البداية بدقّة أدواته الخاصة: "كان علينا فعلاً أن نعود ونتأكد من أنّ أجهزة التحضين معايَرة بشكل صحيح... لقد كان الأمر مذهلاً بالفعل".
حدود التحمّل: من الازدهار إلى السبات القسري
أظهرت التجارب أنّ Incendiamoeba cascadensis تزدهر فعلياً بين 55 و57 درجة مئوية (131 و135 فهرنهايت)، وتتوقف عن النمو تماماً تحت 42 درجة مئوية (108 فهرنهايت). أمّا عند 70 درجة مئوية (158 فهرنهايت)، فإنّ الخلايا لا تموت فوراً، بل تُشكّل غلافاً واقياً وتدخل في حالة سباتٍ خمس دقائق، قبل أن تستعيد نشاطها عند خفض الحرارة إلى 60 درجة مئوية (140 فهرنهايت). غير أنّ هذه المرونة لها سقف واضح: عند رفع الحرارة إلى 80 درجة مئوية (176 فهرنهايت)، لم تنجُ الأميبات إطلاقاً.
هذه الأرقام تكتسب دلالتها من المقارنة: فلم يكن معروفاً حتى الآن أنّ أيّ خليةٍ معقّدة قادرة على التكاثر فوق 60 درجة مئوية (140 فهرنهايت). بمعنى آخر، لا يتعلّق الأمر بمجرّد بقاءٍ عابر تحت الضغط الحراري، بل بقدرةٍ فعلية على النمو والانقسام عند حدٍّ كان يُعتقَد أنّه يتجاوز طاقة الخلايا ذات النواة.
لماذا تصمد البكتيريا حيث تعجز الخلايا المعقّدة؟
يبقى الفارق بين هذا الرقم القياسي وقدرة الكائنات وحيدة الخلية غير النووية أي بدائيات النوى (Prokaryotes) من بكتيريا وعتائق كبيراً. فقد سجّلت هذه الكائنات، وفق أبحاثٍ سابقة، بقاءً عند درجات حرارة تصل إلى 122 درجة مئوية (250 فهرنهايت)، أي ضعف ما تحمّلته الأميبا الجديدة تقريباً. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الفطريات الصحراوية معروفة بتحمّلها حرارة تصل إلى 60 درجة مئوية (140 فهرنهايت)، ما يضع Incendiamoeba cascadensis في مرتبةٍ متقدّمة حتى بين الكائنات حقيقية النواة (Eukaryotes) الأشدّ تحمّلاً للحرارة.
الفرق الجوهري، بحسب Debashish Bhattacharya، عالم الأحياء التطوّرية في جامعة Rutgers، والذي لم يشارك في الدراسة، يعود إلى بنية الجينوم نفسها. فبدائيات النوى، كما يوضح، تملك مرونةً جينية استثنائية: "عندما تكون بكتيريا... يمكنك أن تعيد ترتيب جينومك بالكامل". أمّا حقيقيات النوى، التي تُخزّن الحمض النووي داخل نواةٍ محاطة بغشاء، فتفتقر إلى هذه المرونة السريعة: "لا تستطيع حقيقيات النوى ببساطة أن تلتقط حزمة من الجينات وتُغيّر نمط حياتها"، مضيفاً أنّه "يتطلّب الأمر تغيّراً تطوّرياً أكبر بكثير لتحويل خليةٍ حقيقية النواة إلى كائنٍ محبٍّ للبيئات القاسية".
من الناحية الجزيئية، رصد الباحثون أنّ بروتينات الأميبا الجديدة تحمل أحماضاً أمينية سطحية موجبة الشحنة، وهي سمةٌ تُشبه ما يُلاحَظ في بدائيات النوى المحبّة للحرارة، ويُرجَّح أنّها تُسهم في استقرار البروتينات عند الحرارة المرتفعة. هذا التقارب البنيوي بين كائنٍ حقيقي النواة وبدائيات النوى قد يفتح خطاً بحثياً جديداً حول آليات التكيّف الحراري عبر شجرة الحياة.
يُذكر أنّ الأميبا كائنٌ وحيد الخلية يتحرّك باستخدام امتداداتٍ سائلة من محتواه الخلوي، ولا يُصنَّف ضمن النباتات ولا الحيوانات ولا الفطريات، فيما تفتقر بدائيات النوى من بكتيريا وعتائق إلى النواة أصلاً، وهو ما يجعل هذه المقارنة بين المجموعتين ذات دلالة تطوّرية مباشرة.
ما الذي يعنيه هذا الاكتشاف لحدود الحياة المعقّدة؟
الدراسة، التي حملت عنوان "أميبا جيوحرارية تضع حدّاً حرارياً أعلى جديداً لحقيقيات النوى" ونُسِبت إلى H. B. Rappaport وزملائه (2026)، لا تُغلق الملف بل تفتحه. فالباحثون أنفسهم يقرّون بأنّ الحدّ الأقصى الفعلي لتحمّل حقيقيات النوى للحرارة ما يزال غير واضح. وتُخطّط Rappaport لمواصلة البحث في أقرب الأنواع قرابةً لـIncendiamoeba cascadensis، في محاولةٍ لفهم أوسع لحدود الحياة المعقّدة على الأرض وربما في بيئاتٍ متطرّفة أخرى خارج كوكبنا، حيث تظلّ أسئلة قابلية استمرار الحياة عند الحرارة القصوى مفتوحة على إجاباتٍ لم تُكتشف بعد.
أخبار ذات صلة

الكوكب الغريب الذي يدور حول نجمه بالاتجاه المعاكس

رصد مرصد فيرا روبن مجرّة قزمة بين الأضعف والأصغر المرصودة قبل بدء مهمّته الرسمية

كهوف عملاقة تحت حفرة الانهيار تكشف أصل الخنادق الغامضة في سهل نولاربور الأسترالي
