اكتشاف مجرة قزمة تكشف أسرار المادة المظلمة
اكتشاف مجرّة قزمة باهتة تدور حول درب التبّانة يكشف عن نافذة جديدة لدراسة المادة المظلمة وأصل المجرّات الأولى. رصد فائق الحساسية من مرصد روبين يفتح آفاقاً لفهم أعمق لأسرار الكون مع وورلد برس عربي.

رصد فريقٌ من الفلكيين مجرّةً قزمةً باهتةً للغاية تدور في محيط مجرّة درب التبّانة، باستخدام بياناتٍ تجريبية مبكرة من مرصد فيرا سي. روبين (Vera C. Rubin Observatory) في تشيلي. الاكتشاف، الذي أُطلق عليه اسم Aquarius IV نسبةً إلى اتجاه رصده نحو كوكبة الدلو (Aquarius)، لا يبدو للوهلة الأولى حدثاً مثيراً؛ فالجسم صغيرٌ وخافتٌ إلى درجةٍ يصعب معها تخيّل أهميته العلمية. لكنّ هذه الخفوتَ نفسه هو ما يجعل المجرّة الجديدة نافذةً محتملة على أحد أعقد ألغاز الكون: طبيعة المادة المظلمة، وملامح المجرّات الأولى التي تشكّلت بُعيد الانفجار العظيم مباشرة.
كيف عُثر على مجرّةٍ لا تكاد تُرى؟
المجرّات القزمة فائقة الخفوت (UFDGs) تُعدّ من بين أصغر الأجرام وأكثرها عتمةً في الكون المرصود؛ فهي لا تحتوي على أكثر من بضع مئات الآلاف من النجوم، مقارنةً بنحو 100 مليار نجم في درب التبّانة وحدها. اكتشاف مثل هذه الأجسام يتطلّب أدواتٍ رصدٍ فائقة الحساسية، وهنا يأتي دور مرصد روبين، الذي تعمل كاميرته - بحجم سيارة وبدقّة 3,200 بكسل - على رصد أجسامٍ أخفت بمقدار 100 مليون مرة من أيّ شيء يمكن رؤيته بالعين المجرّدة، مع تكرار مسح السماء الليلية كلّ بضع ليالٍ لالتقاط أدقّ التغيّرات.
البيانات التي استُخدمت في هذا الاكتشاف لم تكن جزءاً من المسح الرسمي الكبير للمرصد المعروف باسم LSST، بل من مجموعة بياناتٍ تجريبية سابقة تُعرف بـ«المعاينة المبكرة الثانية للبيانات» (EDP2)، جُمعت بين أبريل 2025 ويناير 2026، وغطّت نحو 7% فقط من السماء الليلية. اعتمد الباحثون على نمذجة سطوع النجوم وألوانها لتحديد مجموعاتٍ تطوّرت معاً زمنياً، مفترضين أنّ نجوم هذه المجرّات القزمة تبلغ من العمر نحو 13 مليار سنة أي أنها تعود تقريباً إلى فجر الكون. هذا الافتراض هو ما مكّنهم من تمييز المجرّة المرشّحة عن أجسامٍ أخرى في المقدّمة أو الخلفية.
أرقامٌ تكشف حجم الندرة
ما يميّز Aquarius IV هو موقعها على أطراف مجرّة درب التبّانة القصوى، إذ تبعد نحو 359,000 سنة ضوئية عن مركز مجرّتنا، في حين لا يتجاوز طول درب التبّانة نفسها 100,000 سنة ضوئية. أمّا كتلتها فتُقدَّر بنحو 1,500 كتلة شمسية فقط، مقارنةً بكتلة درب التبّانة البالغة 1.5 تريليون كتلة شمسية وفق تقديرات وكالة ناسا. قدرها المطلق يبلغ -1.9، وهو ما يعني أنها أخفت من درب التبّانة بمقدار 14 مليون مرة.
هذه الأرقام تضع Aquarius IV ضمن أخفّ وأخفت وأبعد المجرّات التابعة المعروفة لدرب التبّانة. ويصفها آشاي باي (Aashay Pai)، طالب الدراسات العليا في الفيزياء بجامعة شيكاغو والمشارك في الدراسة، بأنها «واحدة من أكثر المجرّات القزمة فائقة الخفوت اكتنازاً وخفوتاً على مسافةٍ بعيدة».
اختبار الإحصاء قبل الاحتفاء بالاكتشاف
كما هو الحال في أيّ اكتشافٍ علمي يعتمد على نمذجة إحصائية، كانت هناك حاجةٌ لاختبار احتمال أن يكون ما رُصد مجرّد تجمّعٍ عشوائي لنجومٍ غير مرتبطة. بلغت دلالة الرصد الأولي ثماني انحرافات معيارية (eight sigma)، وهو ما يعني أنّ احتمال كون هذا التجمّع نتيجة صدفةٍ عشوائية لا يتجاوز واحداً من كل 1.6 كوادريليون. ولتعزيز الثقة في النتيجة، عاد الباحثون إلى صورٍ أقدم التُقطت بكاميرا الطاقة المظلمة (Dark Energy Camera) ذات الدقّة البالغة 570 ميجابكسل، والتي كانت قد التقطت نجوماً خافتة أُغفلت سابقاً في تلك الصور. أظهرت عملية التحقّق دلالةً إحصائية بلغت ست انحرافات معيارية، أي احتمال خطأ يقارب واحداً من كل 100 مليار.
مع ذلك، يبقى التحفّظ العلمي ضرورياً هنا: النتائج نُشرت في أغسطس في دورية Research Notes of the AAS (المرجع: Cerny et al., 2026, Research Notes of the AAS, 10(8), 239)، وهي دورية تنشر أعمالاً قيد الإنجاز دون خضوعها لمراجعة الأقران (peer review). هذا لا يقلّل من قيمة الرصد، لكنه يعني أنّ الأمر لا يزال في طور «الاكتشاف المرشّح» لا «التأكيد النهائي»، وأنّ رصداتٍ متابعة ستكون ضرورية لتثبيت هوية Aquarius IV.
لماذا يهتمّ الفلكيون بجسمٍ بهذا الحجم الضئيل؟
القيمة العلمية لهذه المجرّات القزمة لا تكمن في حجمها، بل في تركيبها. يقول جوشوا سايمون (Joshua Simon)، عالم الفلك في مراصد معهد كارنيغي للعلوم: «هذه المجرّات تتكوّن بالكامل تقريباً من المادة المظلمة: 99 إلى 99.9% من كتلتها مظلمة، ولا يتكوّن سوى 0.1 إلى 1% منها من النجوم». وبما أنّ المادة المظلمة تُشكّل نحو 85% من إجمالي المادة في الكون، فإنّ دراسة أجسامٍ تكاد تخلو من أيّ شيءٍ آخر تمنح الباحثين فرصةً نادرة لعزل خصائص هذه المادة الغامضة بعيداً عن تشويش النجوم والغاز.
يضيف سايمون بُعداً آخر لأهمية هذا النوع من المجرّات: «نجوم المجرّات القزمة فائقة الخفوت قديمةٌ جداً أيضاً، تعود إلى ما بعد الانفجار العظيم مباشرة، ما يمنحنا نافذةً فريدة على خصائص المجرّات الأولى التي تشكّلت». بعبارةٍ أخرى، دراسة Aquarius IV ليست مجرّد إضافةٍ إلى فهرس مجرّات درب التبّانة التابعة، بل محاولة لقراءة سجلٍّ أحفوريّ للكون في عمره الأول.
فجوةٌ بين المرصود والمتوقّع
تشير دراسةٌ نُشرت عام 2020 إلى أنّ عدد المجرّات القزمة فائقة الخفوت التابعة لدرب التبّانة قد يصل إلى مئات، في حين أنّ المعروف منها حالياً لا يتجاوز نحو 60 مجرّة فقط. هذه الفجوة بين التقدير النظري والرصد الفعلي هي بالضبط ما يجعل انطلاق مسح LSST الرسمي في يونيو محطّةً مرتقبة؛ فالمسح، المتوقّع أن يسجّل ملايين التغيّرات في السماء الليلية كلّ ليلة، يُرتقب أن يكشف عن عددٍ إضافي من هذه المجرّات القزمة قد يصل إلى 100 مجرّة جديدة.
Aquarius IV، رغم أنها اكتُشفت في بياناتٍ تجريبية سابقة على انطلاق LSST رسمياً، تُعدّ مؤشراً مبكراً على ما يمكن أن يقدّمه هذا المسح الضخم حين يبدأ عمله الكامل. فإذا كانت بياناتٌ تغطّي 7% فقط من السماء كافية لاكتشاف جسمٍ بهذا القدر من الندرة والخفوت، فإنّ السؤال المطروح الآن هو: كم من هذه العوالم الصغيرة، الحاملة لأسرار المادة المظلمة وتاريخ الكون المبكر، لا يزال ينتظر رصدَ روبين ليكشف عن وجوده؟
أخبار ذات صلة

كهوف عملاقة تحت حفرة الانهيار تكشف أصل الخنادق الغامضة في سهل نولاربور الأسترالي

رائد فضاء يرصد أضواء المدن والشفق القطبي ومسارات النجوم من محطة الفضاء الدولية

اكتشاف تاريخي على القمر: حفرة عملاقة تحدث مرة كل 130 سنة
