وورلد برس عربي logo

تغيرات أمنية في الخليج بعد الحرب على إيران

تتجه دول الخليج نحو ترتيبات أمنية موازية مع تنامي التنسيق بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان، بينما تعيد إسرائيل بناء شراكات استراتيجية. اكتشف كيف تؤثر هذه الديناميات على الأمن الإقليمي ومستقبل العلاقات في المنطقة.

اجتماع وزراء خارجية مصر وتركيا وباكستان والسعودية في منتدى أنطاليا، مع الأعلام الوطنية لكل دولة، يعكس التنسيق الإقليمي المتزايد.
وزراء خارجية مصر وباكستان وتركيا والسعودية يتجمعون لالتقاط صورة خلال منتدى دبلوماسي في أنطاليا، تركيا، في 17 أبريل 2026 (وزارة الخارجية التركية/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

كثيراً ما تتجاوز الحروب نتائجها العسكرية المباشرة لتُعيد رسم خرائط المنطقة بأكملها. فقد أعادت الحرب العراقية على الكويت عام 1990 تشكيل النظام الإقليمي العربي حول المظلة الأمنية الأمريكية، فيما أطلق الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 موجةً من الصراعات الطائفية أحكمت قبضتها على الشرق الأوسط قرابة عقدَين من الزمن.

والحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران قد تؤدّي دوراً مشابهاً. فقد كشفت عن حدود قدرة واشنطن على ضمان الأمن لشركائها الخليجيين، ودفعت عدداً من القوى الإقليمية إلى استكشاف أشكال جديدة من التنسيق في بيئة تزداد تقلّباً يوماً بعد يوم.

وقد بدأت تلوح في الأفق مؤشّرات على توافق متنامٍ بين السعودية وتركيا ومصر وباكستان، تجلّى في مواقفها المتقاربة من الأزمات الإقليمية، في مقابل شبكة العلاقات التي تجمع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والهند واليونان وقبرص وإثيوبيا.

ومن أبرز ما كشفته الحرب على إيران: انكشاف المعادلة الأمنية التي حكمت الخليج عقوداً متتالية.

فعلى مدار السنوات الماضية، ضخّت الولايات المتحدة استثمارات ضخمة في شبكة من القواعد العسكرية وأنظمة الإنذار المبكّر ومنظومات الدفاع الصاروخي عبر المنطقة، وقدّمت نفسها ضامناً للأمن الخليجي.

غير أن الحرب أثبتت أن الوجود العسكري الأمريكي لا يُحصّن الدول المضيفة بالضرورة من تداعيات الصراعات الإقليمية، بل قد يُعرّضها لتكاليفها الاقتصادية والأمنية. فقد أسفرت الضربات الإيرانية على قطر مثلاً عن خسارة مؤقّتة لما يقارب خُمس طاقة البلاد التصديرية من الغاز الطبيعي المسال.

لا يعني ذلك أن دول الخليج تتجه نحو الانفصال عن واشنطن؛ فهذا خيارٌ غير واقعي في المدى المنظور. لكنّ الحكومات الخليجية باتت تسعى بصورة متزايدة إلى ترتيبات أمنية موازية تُخفّف من اعتمادها الحصري على الولايات المتحدة.

التنسيق السياسي والأمني

يأتي التنسيق بين الرياض وأنقرة والقاهرة وإسلام آباد في مقدّمة هذه التطوّرات اللافتة. فالسعودية تُوفّر الموارد المالية، وتركيا قاعدةً صناعية دفاعية متقدّمة، ومصر ثقلاً عسكرياً وجغرافياً، وباكستان إمكانات سياسية وعسكرية ونووية. وتُشكّل هذه الأصول مجتمعةً أرضيةً صلبة لتعاونٍ سياسي وأمني أوثق.

بيد أن وصف هذا التوافق الناشئ بأنّه تحالفٌ متماسك يبقى سابقاً لأوانه. فالعلاقات بين هذه الدول تحمل إرثاً من التنافس وانعدام الثقة، وأولوياتها الاستراتيجية لا تتقاطع دائماً.

وقد شهدت السنوات الأخيرة توتّرات بين السعودية وتركيا على خلفية حصار قطر عام 2017؛ وبين مصر وتركيا في أعقاب الإطاحة العسكرية بالرئيس المصري الأسبق محمد مرسي عام 2013؛ فضلاً عن التباينات التي أفرزتها الأزمة الليبية.

في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنّها تُعيد بناء شبكة شراكات مستوحاةً من «مبدأ المحيط» الذي انتهجته في منتصف القرن العشرين، حين سعت إلى إحكام الطوق على العالم العربي عبر تحالفات مع قوى تقع على أطرافه.

والنسخة المعاصرة من هذا المبدأ أوسع نطاقاً وأكثر تعقيداً في أدواتها؛ إذ تمتدّ من القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط والمحيط الهندي، وتجمع في آنٍ واحد بين المصالح الأمنية والتكنولوجية والاقتصادية.

وقد غدت الإمارات العربية المتحدة أحد الأعمدة المحورية في هذه الشبكة. فمنذ توقيع اتفاقيات Abraham Accords عام 2020، توسّعت العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب لتشمل الأمن البحري والتكنولوجيا والبنية التحتية.

وبرزت الهند بدورها ركيزةً أساسية في هذا الإطار من خلال تكتّل I2U2، الذي يُرسّخ تحالفاً رباعياً يضمّ الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة. ويتوافق مشروع ممرّ الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي المزمع إنشاؤه مع طموح إسرائيل في تحويل موانئها إلى محطّة عبور تربط آسيا بأوروبا.

وتُعدّ الهند أصلاً من أكبر مستوردي الأسلحة الإسرائيلية؛ إذ استحوذت بين عامَي 2020 و2024 على ما يقارب 34 بالمئة من صادرات إسرائيل العسكرية، لتكون أكبر مستوردٍ منفرد خلال تلك الفترة وفق ما رصده معهد Stockholm International Peace Research Institute.

شبكة الشراكات

تُشكّل اليونان وقبرص الجناح الغربي لهذه الشبكة. فمنذ تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية في أعقاب الهجوم الإسرائيلي الدامي عام 2010 على سفينة Mavi Marmara المشاركة في أسطول المساعدات إلى غزة، عمدت إسرائيل إلى تعميق شراكاتها الاستراتيجية مع البلدين في مجالَي الطاقة والأمن البحري. وتطوّرت هذه العلاقات تدريجياً لتُشكّل آليةً لموازنة النفوذ التركي في شرق المتوسط، مع ربط المنطقة بمبادرات اقتصادية تمتدّ نحو الإمارات والهند.

وإلى الجنوب، تؤدّي كلٌّ من إثيوبيا وأرض الصومال دوراً في هذا المشهد الجيوسياسي المتحوّل. فإثيوبيا لا تزال تسعى إلى منفذٍ بحري، فيما تسعى أرض الصومال إلى انتزاع اعتراف دولي بمشروعها الانفصالي. وقد دفعت هجمات الحوثيين إبّان حرب غزة إسرائيل إلى تصعيد اهتمامها بهذه المنطقة بهدف تأمين مسارات الشحن والتصدّي للتهديدات المنبثقة من جنوب البحر الأحمر.

وقد أفرز ذلك تقاطعاً في المصالح الإثيوبية والإماراتية والإسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يستهدف إعادة رسم موازين القوى في هذه المنطقة وهو مسارٌ تنظر إليه القاهرة والرياض وأنقرة باعتباره تحدّياً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية.

تحالفات مرنة لا كتل صلبة

على الرغم من كل هذه التطوّرات، يبقى وصف المنطقة بأنّها تتجه نحو معسكرَين متصادمَين وصفاً مُضلِّلاً. فالتجارب التاريخية في الشرق الأوسط تُثبت أن بناء تحالفات مستقرّة كان دائماً مهمّةً عسيرة. تعاني المنطقة من مستويات مرتفعة من انعدام الثقة المتبادل، وكثيراً ما تُحرّك السياساتِ حساباتُ إدارة الأزمات وتحقيق المكاسب الآنية، لا الشراكات بعيدة المدى.

فمصر مثلاً لا تستطيع إغفال أهمية الاستثمارات الإماراتية والدعم الاقتصادي الذي تُقدّمه أبوظبي، حتى وهي تُعمّق تنسيقها مع الرياض. كما تواصل القاهرة النظر إلى السلام مع إسرائيل باعتباره خياراً استراتيجياً راسخاً.

وتركيا من جهتها أعادت بناء علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الإمارات على أسسٍ متينة، ولا مصلحة لها في المجازفة بهذه العلاقات.

ما يتشكّل في الشرق الأوسط إذن ليس منظومة تحالفات صلبة بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة من الشراكات المرنة والمتداخلة. فالدول قد تتعاون في ميدانٍ وتتنافس في آخر، وقد تتوافق على الملفّات الأمنية بينما تتعارض مصالحها الاقتصادية أو السياسية في مكانٍ آخر.

ربّما لا تُفضي الحرب على إيران إلى تحالفات جديدة بالمعنى التقليدي. لكنّها تُسرّع مساراً قائماً من إعادة التموضع الإقليمي، وتدفع القوى الشرق أوسطية إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة، في لحظةٍ تتآكل فيها اليقينيات القديمة، ويشتدّ فيها التنافس على الأمن والموارد والممرّات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد.

أخبار ذات صلة

Loading...
طفل يقف على شاطئ بندر عباس مع دراجته، يراقب السفن البعيدة في بحر هرمز وسط أجواء الركود الاقتصادي والحصار الأمريكي.

ميناء إيراني يعاني من تشديد العقوبات الأمريكية

في بندر عباس، الحصار الأمريكي قلب حياة السكان رأساً على عقب، فانهار النشاط التجاري وتقلصت فرص العمل وسط مخاوف من أمن البحر. اكتشف كيف يؤثر هذا الواقع على الاقتصاد المحلي وسبل الصمود في مواجهة الأزمة. اقرأ المزيد الآن!
الحرب على إيران
Loading...
وزراء مالية مجموعة العشرين يجتمعون في Asheville لمناقشة النمو الاقتصادي والعقوبات على إيران وسط توترات تجارية عالمية.

تحركات Bessent الدبلوماسية: G20 تجتمع لتوحيد الموقف من إيران وسط توترات التعريفات

في ظل أجواء مشحونة، يجتمع وزراء مالية مجموعة العشرين في Asheville لمناقشة النمو الاقتصادي والعقوبات على إيران وسط تحديات ديون ضخمة وتوترات مع الصين. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي.
الحرب على إيران
Loading...
محمد باقر قاليباف يتحدث في مؤتمر صحفي خلال مراسم الأربعين في كربلاء، مؤكدًا تعزيز العلاقات الإيرانية العراقية رغم الضغوط الأمريكية والعقوبات الاقتصادية.

إيران تتوعّد بمواجهة تدخّل الأعداء الأجانب مع تهديدات ترامب بعقوباتٍ جديدة

تصريحات رئيس البرلمان الإيراني في كربلاء تؤكد أن محاولات تفتيت العلاقة مع العراق تزيد الترابط، وسط تصاعد العقوبات الأمريكية وتأثيرها على أسواق الطاقة. اكتشف كيف يواجه الطرفان التحديات معًا. اقرأ المزيد الآن.
Loading...
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يتحدث في مؤتمر صحفي حول فرض أشد العقوبات الاقتصادية على إيران وسط تصاعد التوترات في مضيق هرمز.

الولايات المتحدة تتوعّد إيران بعقوباتٍ جديدة والأسعار تقفز

تصاعد العقوبات الأمريكية على إيران يهدد الاقتصاد العالمي وسط توتر في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط. اكتشف كيف تؤثر هذه التوترات على السوق العالمي واطلع على السيناريوهات المقبلة الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية