وورلد برس عربي logo

تركيا في مواجهة التحديات الإيرانية الجديدة

تواجه تركيا تحديات جديدة بعد تصاعد التوترات الأمريكية-الإيرانية. رغم المخاوف من تأثير الأكراد، نجحت أنقرة في الحفاظ على استقرار حدودها. اكتشف كيف أثرت هذه التطورات على مكانة تركيا في المنطقة وعلى علاقاتها مع حلفائها.

إطلالة على مدينة إسطنبول في المساء، تُظهر المسجد الكبير مع مآذنه المضيئة، بينما تبحر قوارب في مضيق البوسفور.
قال دبلوماسي أوروبي (فرانس برس): "الأتراك أصبحوا الآن خبراء في تحويل الأزمات الإقليمية إلى فرص لصالحهم."
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين أصدر الرئيس الأمريكي Donald Trump أوامره بشنّ ضربات على إيران في أواخر فبراير، وجد المسؤولون الأتراك أنفسهم على هامش المشهد.

باءت محاولاتهم المتكرّرة لمنع الحرب بالفشل، وسادَ في أنقرة شعورٌ بأنّ Trump آثر الاستماع إلى نصائح رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu على حساب قادة تركيا.

غير أنّ ثلاثة أشهر لاحقاً، عاد Trump ليُدرج تركيا إلى جانب باكستان وقطر في قائمة الدول التي أسهمت إسهاماً بارزاً في التوصّل إلى مذكّرة تفاهم مع إيران، فيما اتّخذ نبرةً أكثر حدّةً تجاه إسرائيل.

وفي الأحد، توصّل طهران و واشنطن إلى اتفاقٍ يُمدّد الهدنة الهشّة بين الطرفين لستّين يوماً، ويُعيد فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران حين أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل شرارة الحرب.

و حذّر مسؤولون أتراك من أنّ مذكّرة التفاهم لا تعدو كونها خطوةً أولى نحو تسوية الخلاف الأمريكي-الإيراني، ولن تُفضي في أحسن الأحوال إلى أكثر من تخفيف الضغط على مضيق هرمز.

وقال أحد المسؤولين الأتراك: "إنّ نافذة الستّين يوماً للتفاوض على اتفاقٍ نهائي بشأن الملفّ النووي والقضايا الجانبية ستكون أكثر تعقيداً وأشدّ صعوبةً من أيّ شيءٍ آخر".

وأضاف: "هذا سيكون الاختبار الحقيقي لما إذا كان هذا الهدوء قادراً على الصمود".

يُبدي كثيرٌ من الخبراء في أنقرة قلقاً من أن تتّخذ إسرائيل خطواتٍ في الأشهر المقبلة تُجهض الاتفاق. بيد أنّ ثمّة أمراً واحداً يبدو جليّاً: خرجت تركيا من حرب إيران بأقلّ الأضرار.

التهديد الكردي

حين اندلعت الحرب على إيران، ساورت أنقرة مخاوف جدّية حول مستقبل الحكومة الإيرانية واستقرارها، وإن ظلّت أسوأ سيناريوهاتها بعيدةً عن التحقّق.

على الصعيد الأول، سارعت السلطات التركية إلى تفعيل خططٍ طارئة على امتداد الحدود الشرقية مع إيران، تحسّباً لموجةٍ محتملة من اللاجئين. وعلى الصعيد الثاني، كان المسؤولون الإسرائيليون يروّجون لمخطّطاتٍ تقوم على توظيف الأكراد الإيرانيين في قيادة تمرّدٍ مسلّح في غرب إيران.

وكانت أنقرة تخشى أن يُلقي توظيف الجماعات الكردية بظلاله على مسار محادثاتها للسلام مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، وأن يدفع تركيا نحو سيناريو مشابهٍ لما جرى في سوريا، حيث سيطرت فصائل كردية متمركزة قرب الحدود على مناطق واسعة وباتت تُشكّل تهديداً أمنياً.

ومع تصاعد الضربات الإسرائيلية والأمريكية على الأهداف الإيرانية، ارتفعت حدّة الخطاب الصادر من داخل حكومة Netanyahu الذي يُلوّح بأنّ "تركيا هي التالية بعد إيران"، ممّا زاد من حجم المخاوف الأنقرية إزاء التداعيات المحتملة لانهيار سلطة الدولة الإيرانية.

على الرغم من هذه المخاوف، نجحت أنقرة في إبقاء حدودها هادئة، وامتلكت من الرصيد السياسي والنفوذ ما يكفي لإقناع Trump بأنّ إشعال تمرّدٍ كردي ليس فكرةً رشيدة.

وقد أسهمت عوامل عدّة في تعزيز الموقف التركي، أبرزها: الانقسامات الداخلية في إقليم كردستان العراق حول كيفية التعامل مع الأكراد الإيرانيين، بما فيها الخلافات بين عائلتَي Barzani وTalabani الحاكمتَين، فضلاً عن محدودية العدد الذي يمكن تسليحه وتجهيزه بالكفاءة اللازمة لقيادة عمليةٍ من هذا الحجم.

كما أبدى مدير CIA John Ratcliffe و وزير الخارجية Marco Rubio شكوكاً عميقة في جدوى هذا المخطّط.

عقود التسليح

من المستجدّات التي لم تكن في الحسبان أنّ إيران أطلقت أربعة صواريخ باليستية باتّجاه تركيا. جاء الهجوم موازياً للضربات الإيرانية على دول الخليج والدول الإقليمية الأخرى التي تستضيف قوّاتٍ أمريكية، وربّما استهدف قاعدة إنجيرليك الجوية التي تستخدمها القوّات الأمريكية، إلى جانب قاعدة كوريجيك الرادارية، وهي منشأةٌ محورية تُستخدم لرصد إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية.

أثارت هذه الصواريخ غضب وزير الخارجية التركي Hakan Fidan، الذي أوضح في محادثاتٍ حادّة مع طهران أنّ أنقرة لن تتسامح مع مثل هذه الهجمات، لا سيّما إن طالت منطقةً آهلة بالسكّان.

وكان كثيرٌ من المطّلعين على الشأن الأنقري يرون في تلك الفترة أنّ إصابةَ الصواريخ الإيرانية منطقةً مدنيةً وإلحاقَها خسائر بشرية كان سيُلزم تركيا بالردّ، وهو ما كان قد يُفضي إلى دوّامةٍ خطيرة من التصعيد.

بيد أنّ إيران، بإبقائها الهجمات متقطّعةً ومُركَّزةً على المنشآت التي تستضيف الأصول الأمريكية، نجحت في الحفاظ على الهدوء مع تركيا.

والمفارقة أنّ هذه الهجمات عزّزت مكانة أنقرة داخل حلف NATO؛ إذ سارعت الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا إلى نشر منظومات متعدّدة لاعتراض الصواريخ الباليستية فوق الأراضي التركية، في خطوةٍ أبدت فيها هذه الدول تضامنها مع حليفٍ في محنة، ومهّدت الطريق لمزيدٍ من الدفء في العلاقات الثنائية.

علاوةً على ذلك، برزت أنقرة بوصفها موردَ أسلحةٍ لدول الخليج الساعية إلى صفقاتٍ ضخمة لمنظومات الدفاع الجوّي في مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية بعيدة المدى.

وأبرمت أنقرة عقوداً بمئات الملايين من الدولارات مع دولٍ كقطر والكويت والمملكة العربية السعودية، لتُرسّخ مكانتها موردَ أسلحةٍ موثوقاً.

وعلى الرغم من أنّ أنقرة لا تزال تفتقر إلى قدراتٍ اعتراضية باليستية بعيدة المدى، فإنّها تمتلك برنامجاً نشطاً لبناء هذه البنية التحتية، وقد طرحت إمكانية الاستثمار المشترك الذي يُبدي دول الخليج اهتماماً متزايداً به.

وفي الوقت الذي كانت فيه تركيا تُبرم هذه الصفقات مع الخليج، نجحت في الوقت ذاته في صون علاقتها مع إيران، وهو ما أثبت قيمته البالغة خلال مفاوضات وقف إطلاق النار.

الانتهازية الاستراتيجية

كشفت الضربات الإيرانية أنّ ملوكيّة الخليج ومراكزها المالية البرّاقة ليست بمنأى عن الاستهداف، ممّا شجّع أنقرة على تقديم نفسها وجهةً استثماريةً بديلة.

وهو رهانٌ محفوفٌ بالتحدّيات، يستلزم إصلاحاتٍ قانونية واسعة واستثماراتٍ بنية تحتية طويلة الأمد. غير أنّ الحرب أسهمت في تعزيز مكانة تركيا ملاذاً آمناً بعيداً عن مرمى الضربات الإيرانية.

في المقابل، زادت الحرب من تعقيدات المعركة التركية ضدّ التضخّم. وتُقدّر إحدى مراكز أبحاث الطاقة أنّ ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز سيُضيف ما يقارب 14 مليار دولار إلى فاتورة تركيا الطاقوية.

وقد بدأت التداعيات التضخّمية تتجلّى بوضوحٍ في بيانات أبريل ومايو، وإن تمكّنت الحكومة من إدارة تبعاتها.

لكنّ أنقرة لم تكتفِ بذلك، بل سعت إلى استثمار أزمة الطاقة بطرح مسارات متعدّدة للطاقة والربط تستثمر موقعها الجغرافي الفريد، من إحياء خطّ سكّة حديد الحجاز، إلى مدّ خطّ أنابيب النفط العراقي-التركي حتّى البصرة، وإنشاء خطّ أنابيب غاز يربط قطر بتركيا.

وأخيراً، تُشير استطلاعاتٌ مستقلّة حديثة إلى أنّ الحرب أفرزت في تركيا ظاهرة "الالتفاف حول العلم" (rally-around-the-flag)، ودفعت بشعبية الرئيس Recep Tayyip Erdogan إلى الارتفاع، على الرغم من حملته الأخيرة على حزب المعارضة الرئيسي.

وختم دبلوماسيٌّ أوروبي بالقول: "أصبح الأتراك خبراء في تحويل الأزمات الإقليمية إلى فرصٍ تصبّ في مصلحتهم".

أخبار ذات صلة

Loading...
امرأتان تسيران أمام علم إيران، تعبران عن مشاعر مختلطة من الارتياح والقلق بعد إعلان اتفاق لوقف الحرب.

الإيرانيون يستقبلون اتفاق إنهاء الحرب بارتياح وريبة وعدم يقين

بعد إعلان ترامب عن اتفاق وقف الحرب، تتباين مشاعر الإيرانيين بين الأمل والقلق. هل ستؤدي هذه الخطوة إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية؟ انضم إلينا لاستكشاف ردود الفعل المتنوعة وآمال الناس في العودة إلى الحياة الطبيعية.
Loading...
امرأة تسير في شارع مزدحم تحت لافتة ضخمة تحمل صورة سيف وأعلام، تعكس التوترات السياسية في إيران.

ترامب يهدد بغزو جزيرة خارك الإيرانية ثم يعترف بتردد أميركي

في خضم التوترات المتصاعدة، يلوح الرئيس ترامب بتهديدات مثيرة حول جزيرة خارك، محور الصادرات النفطية الإيرانية. لكن هل تمتلك أمريكا القدرة على تنفيذ ذلك؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول هذا الصراع المحتدم.
Loading...
ضربة أمريكية تستهدف ناقلة نفط في خليج عُمان، مشهد يظهر انفجاراً في غرفة المحرك، مما أدى لمقتل ثلاثة بحّارة هنود.

غارة أمريكية تودي بحياة ثلاثة بحّارة هنود في خليج عمّان

في خضم التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وإيران، شهدت مياه خليج عُمان مقتل ثلاثة بحّارة هنود في هجوم أمريكي على ناقلة نفط. هل ستتخذ الهند خطوات لحماية مواطنيها في مثل هذه الأزمات؟ تابعوا التفاصيل.
Loading...
تريتا بارسي يتحدث خلال جلسة، مع وجود أعلام أمريكية خلفه، في سياق تحقيق إدارة ترامب بشأنه بسبب معارضته للحرب على إيران.

إدارة واشنطن تحقّق مع ناقد الحرب الإيراني تريتا بارسي

تتجه الأنظار نحو تريتا بارسي، الناشط الإيراني-السويدي، في ظل تحقيقات إدارة ترامب حول معارضته للحرب على إيران. هل ينجح في مواجهة الضغوط؟ تابعوا التفاصيل حول هذا الملف الشائك.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية