تفاقم الصراع بين إسرائيل وحزب الله في لبنان
توصّل الجانبان الإسرائيلي وحزب الله إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعد تصعيد حاد في المواجهات. الاتفاق جاء ثمرة اتصالات مكثّفة، لكن التوترات لا تزال قائمة، وإسرائيل تستمر في قصف مناطق استراتيجية في لبنان. تفاصيل مثيرة!

توصّل الجانبان الإسرائيلي وحزب الله اللبناني إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يوم الجمعة، وذلك في أعقاب تصعيدٍ حادّ في المواجهات كاد يُطيح باتفاق إقليمي هشّ، بعد يومٍ واحدٍ فحسب من توقيع الولايات المتحدة وإيران على اتفاقٍ لإنهاء الحرب.
وأكّد مصدرٌ مطّلع على شؤون حزب الله أنّ وقف إطلاق النار، الذي دخل حيّز التنفيذ عند الساعة الرابعة بعد الظهر بالتوقيت المحلّي، جاء ثمرةً لاتصالاتٍ مكثّفة ومداولاتٍ قادتها الولايات المتحدة وإيران. وأشار المصدر إلى أنّ الاتفاق تحقّق بعد أن هدّدت طهران بالانسحاب من المحادثات المرتقبة مع واشنطن في Geneva إثر الهجمات الإسرائيلية على لبنان.
وقال المصدر: «وقف إطلاق النار مشروطٌ بالتزام إسرائيل به».
في المقابل، أفاد مسؤولٌ إسرائيلي رفيع لوكالة Reuters بأنّ إسرائيل وحزب الله في حالة وقف إطلاق نار طالما أنّ الحزب لا يُهاجم إسرائيل، مضيفاً أنّ القوات الإسرائيلية ستبقى في المناطق التي تحتلّها في جنوب لبنان.
اشتعال المواجهات ليلة الخميس
تصاعدت حدّة القتال في لبنان ليلة الخميس، حين شنّ حزب الله هجوماً على قوات إسرائيلية كانت تحاول التقدّم نحو موقع علي الطاهر، وهو موقعٌ استراتيجي بالغ الأهمية بالقرب من مدينة النبطية جنوباً.
وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة جنود من بينهم قائد كتيبة، وإصابة عددٍ آخر. في المقابل، أعلن حزب الله أنّ مقاتليه نفّذوا كميناً وهجمات بالمسيّرات ضدّ القوات الإسرائيلية المتقدّمة في المنطقة.
ردّت إسرائيل بموجةٍ واسعة من الغارات الجوية طالت جنوب لبنان وشرقه، وأعلنت استهداف أكثر من 80 موقعاً. وأفادت وزارة الصحة اللبنانية باستشهاد 47 شخصاً على الأقلّ وإصابة 39 آخرين في ضربات استهدفت 11 بلدةً منذ منتصف الليل، محذّرةً من أنّ القصف المتواصل يُعيق عمليات الإنقاذ ومن ارتفاعٍ متوقّع في أعداد الضحايا.
وأشارت مصادر في وزارة الصحة إلى استشهاد سبعة أشخاص في بلدة حاروف جنوبي لبنان، فيما يُرجَّح أنّ آخرين لا يزالون محاصرين تحت الأنقاض. ونقلت وكالة الأنباء الوطنية اللبنانية موجاتٍ واسعة من النزوح من قضاءَي صور وبنت جبيل، مع توجّه السكان شمالاً هرباً من القصف وكثيرٌ منهم كانوا قد عادوا للتوّ إلى قراهم في أعقاب الاتفاق الأمريكي الإيراني المؤقّت الذي أُبرم يوم الاثنين.
وقد جاءت هذه الضربات الإسرائيلية من بين الأكثر دموية منذ إعلان واشنطن وطهران عن الاتفاق الرامي إلى وقف القتال في المنطقة، بما فيها لبنان.
المعركة على موقع علي الطاهر
قال مصدرٌ ثانٍ مطّلع على شؤون حزب الله إنّ حجم الهجمات الإسرائيلية الأخيرة وامتدادها الجغرافي يدلّان على أنّها لم تكن مجرّد ردٍّ انتقامي على مقتل الجنود الإسرائيليين كما ادّعت إسرائيل.
وأضاف المصدر: «إسرائيل تريد تخريب الاتفاق الذي تمّ بين الولايات المتحدة وإيران».
وقد أثار مذكرة التفاهم المُبرمة بين واشنطن وطهران موجةً من الغضب في إسرائيل، إذ يرى كثيرون فيها منحاً فعلياً للنصر لطهران.
وتساءل المصدر: «ما الذي يجري لا علاقة له بالكمين الذي تعرّضت له قواته بعد محاولتها الاقتراب من موقع علي الطاهر الاستراتيجي قرب النبطية. لو كان الأمر مجرّد ردٍّ على الكمين، فلماذا ضربت إسرائيل أيضاً بعلبك والبقاع في شرق لبنان؟»
وأوضح المصدر أنّ تحرّكات القوات الإسرائيلية وتقدّمها وقصفها تُشير إلى أنّ الجيش يسعى للسيطرة على موقع علي الطاهر، الذي يُطلّ على أجزاء واسعة من قضاء النبطية وإقليم التفّاح، ممّا يمنح من يسيطر عليه رؤيةً بانورامية على امتداد واسع من جنوب لبنان.
وقال المصدر: «إسرائيل تعتبره ذا أهمية استراتيجية بسبب موقعه ضمن المنطقة التي تسعى للسيطرة عليها، والتي وصفتها بـ'الخطّ الأصفر'».
وأضاف: «السيطرة على هذا الموقع ستُتيح لإسرائيل الإشراف على قضاء النبطية بأكمله وإقليم التفّاح، في إطار مساعٍ لترسيخ وجودها في الأراضي ذاتها التي احتلّتها قبل التحرير عام 2000».
وجاء هذا التصعيد بعد يومٍ واحد من نشر إسرائيل خريطةً تُظهر توسيع نطاق انتشارها العسكري في جنوب لبنان، يمتدّ نحو أطراف النبطية شمال نهر الليطاني.
وشدّد وزير الدفاع الإسرائيلي Israel Katz في مقابلةٍ مع تلفزيون إسرائيلي على الطابع الإقليمي للعملية، مؤكّداً أنّ الهدف العسكري الأهمّ هو الإمساك بالأرض. وقال Katz إنّ الجيش الإسرائيلي يُدمّر القرى في المناطق التي يحتلّها ولن يسمح للسكان بالعودة إليها، مُضيفاً: «200,000 مقيم كانوا يعيشون في المنطقة الأمنية لن يعودوا. لن يعود أيٌّ منهم».
أمّا رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu فقد أعلن أنّه أصدر أوامر بضرب عشرات المواقع التابعة لحزب الله في أعقاب مقتل الجنود الأربعة، مؤكّداً أنّ القوات الإسرائيلية ستبقى داخل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان «طالما كان ذلك ضرورياً».
وفي السياق ذاته، اتّخذ وزير الأمن القومي Itamar Ben Gvir نبرةً تحريضية صريحة، معلناً أنّ «لبنان كلّه يجب أن يحترق».
الخلاف الأمريكي الإسرائيلي
حين سُئل المصدر الثاني عمّا إذا كان حزب الله يرى أنّ إسرائيل تُصعّد بموافقة أمريكية، أشار إلى أنّ الحزب بات يُقرأ الخلاف بين حكومة Netanyahu والإدارة الأمريكية باعتباره خلافاً حقيقياً، وهو تقييمٌ يتناقض مع قناعةٍ راسخة لدى مناصري الحزب بأنّ الخلافات العلنية بين إسرائيل والولايات المتحدة كثيراً ما تُخفي توافقاً استراتيجياً في العمق.
وكان الرئيس Donald Trump قد أعلن أنّ واشنطن تتوقّع وقفاً شاملاً لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، فيما طالبت فرنسا بدورها الولايات المتحدة بالتدخّل لمنع تصاعد القتال.
وقد أربكت موجة العنف المتجدّدة يوم الجمعة المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، إذ أُلغيت المحادثات المقرّرة في Geneva.
وأكّد مصدرٌ ثالثٌ مطّلع على شؤون حزب الله أنّ طهران أبلغت الحزب بأنّها لن تُبرم أيّ اتفاقٍ نهائي مع واشنطن دون بنودٍ تتعلّق بلبنان، وأنّها لن توقّع على أيّ صفقةٍ ما لم يكن ثمّة «وقفٌ كاملٌ وشاملٌ للأعمال العدائية ضدّ لبنان على كامل أراضيه»، إلى جانب التزامٍ بانسحابٍ إسرائيلي كامل.
وحين سُئل المصدر عمّا إذا كان التواصل غير المباشر بين حزب الله والولايات المتحدة لا يزال قائماً، قال إنّه «لا يؤكّد ولا ينفي» وجود مثل هذه الاتصالات، مضيفاً أنّه حين يُريد المسؤولون الأمريكيون التواصل مع حزب الله، «فهم يعرفون تماماً القنوات التي يستخدمونها».
حزب الله يرفض التفاوض
اتّهم حزب الله إسرائيل بالانتهاك المتكرّر لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، فضلاً عن الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد، في ظلّ استمرار القتل وتدمير القرى والمضيّ في العملية البرية.
و أوضح المصدر الثالث أنّ حزب الله لا يزال يرفض جولاتٍ إضافية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، ولا يعتبر نفسه مُلزَماً بهذا المسار. وأشار إلى أنّ الحزب تلقّى مؤشّراتٍ ورسائل عدّة تُفيد بأنّ الولايات المتحدة ذاتها لم تعد مهتمّةً بهذه المفاوضات المقترحة أو ملتزمةً بها.
وقد كشفت المواجهات الأخيرة عن الهوّة الجوهرية التي تُعيق أيّ مساعٍ لإنهاء النزاع: إسرائيل تُصرّح بنيّتها الإبقاء على الأراضي التي تحتلّها ومنع عودة النازحين اللبنانيين إلى المنطقة الحدودية، في حين يؤكّد حزب الله أنّه لن يقبل بأيّ اتفاقٍ إقليمي نهائي دون وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحابٍ كاملٍ من لبنان.
ومع فرار آلاف السكّان مجدّداً من بلدات الجنوب، باتت المواجهة حول موقع علي الطاهر معركةً على أرضٍ استراتيجية في آنٍ واحد، واختباراً فعلياً لصمود مفاوضات الاتفاق الأمريكي الإيراني.
أخبار ذات صلة

إيران تفرض رسوم تأمين على السفن بمضيق هرمز بعد انتهاء الاتفاق الأمريكي

اثنان يُحكم عليهما بالسجن لإحراق ممتلكات مرتبطة برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر

ترامب «حليفك الوحيد المتبقي».. فانس يطمئن إسرائيل وإيران تؤجّل المفاوضات
