وورلد برس عربي logo

الثقوب السوداء تغذي وتقتل النجوم في المجرات

الثقوب السوداء في مراكز المجرات ليست فقط مدمرة لتشكّل النجوم بل تغذيه أيضاً عبر نفثات وصدمة تعيد تشكيل محيط المجرّة. اكتشف كيف توازن هذه القوة الكونية بين الابتلاع والإخراج في دورة واحدة معقدة وورلد برس عربي.

مجرة حلزونية تحتوي على نواة مجرية نشطة تحيط بثقب أسود هائل يؤثر على تشكّل النجوم وتطور المجرة.
المجرة NGC 1386 التي درسها الفريق الباحث في الثقوب السوداء النشطة وتأثيرها على المجرات المحيطة بها. (حقوق الصورة: بيكسين تشو)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تُطرح منذ عقود إحدى أكثر الأسئلة إثارةً للجدل في علم الفلك: هل الثقوب السوداء الهائلة في مراكز المجرّات عاملٌ يُميت تشكّل النجوم أم عاملٌ يُغذّيه؟ دراسةٌ جديدة نُشرت يوم الاثنين 14 سبتمبر في مجلة The Astrophysical Journal تقدّم إجابةً أكثر تعقيداً ممّا كان متوقّعاً: الثقب الأسود يفعل الأمرين معاً، في آنٍ واحد وفي المجرّة ذاتها.

الفريق البحثي، بمشاركة باحثين من مركز الفيزياء الفلكية في جامعة هارفارد ومؤسسة سميثسونيان (Center for Astrophysics | Harvard & Smithsonian)، رصد تسع مجرّات قريبة نسبياً تحتوي كلٌّ منها على نواةٍ مجرّية نشطة (AGN)، وهي المناطق شديدة السطوع والاضطراب المحيطة بثقبٍ أسود هائل يلتهم كمياتٍ كبيرة من الغاز والغبار. تتراوح كتل هذه الثقوب بين ملايين ومليارات كتلة الشمس، وهو مدىً هائل يعكس التنوّع الكبير في حجم هذه الأجرام حتى داخل الفئة الواحدة.

كيف تُعاد صياغة محيط الثقب الأسود؟

اعتمد الباحثون على التلسكوب الكبير جداً (Very Large Telescope) ومطياف الوحدة المتعددة (Multi Unit Spectroscopic Explorer)، وهما أداتان أوروبيتان متخصّصتان في الرصد الطيفي عالي الدقة، لدراسة الإشعاع والصدمات الناتجة عن الثقب الأسود وعمليات تشكّل النجوم في المجرّات التسع، وذلك بأبعادٍ ثلاثية سمحت برسم خريطةٍ مكانية دقيقة لهذه الظواهر بدلاً من الاكتفاء برصدها كنقاطٍ منفصلة.

ثقب أسود هائل في مركز مجرة مع قرص تراكم مضيء ونفاثات بلازمية تبين تأثيره على تشكل النجوم وتغذية المجرات.
Loading image...
رسم توضيحي لثقب أسود فائق الضخامة في مركز نواة مجرة نشطة. (حقوق الصورة: روبرت ليا، تم الإنشاء باستخدام كانفا)

كشفت هذه الخرائط عن نمطٍ ثابتٍ ومتكرّر: أقواسٌ وحلقاتٌ من تشكّل النجوم تمتدّ على مسافاتٍ تتراوح بين 2,600 و20,000 سنة ضوئية من مركز المجرّة، بينما تمتدّ مخاريط إشعاعية من قرص التراكم المحيط بالثقب الأسود نحو الخارج. أمّا الصدمات وهي موجاتٌ سريعة وقوية تنتج عن اصطدام طاقة الثقب الأسود بسحب الغاز بين النجوم فتتحرّك عبر المناطق المركزية وبشكلٍ عمودي على مخاريط الإشعاع، وربما تولّد نفاثاتٌ أقل قوةً صدماتٍ إضافية عبر رياحٍ صادرة عن الثقب الأسود نفسه.

يقول بيكسين تشو (Peixin Zhu)، الباحث في مركز الفيزياء الفلكية: "الظاهرة الأكثر إثارةً للاهتمام في الصدمات هي أنّها تتّجه دائماً بشكلٍ عمودي على المسار الذي تسلكه المواد المقذوفة من الثقب الأسود". ويضيف: "الأمر شائعٌ جداً، ونراه يتكرّر باستمرار عبر المجرّات التسع كلّها"، في إشارةٍ إلى أنّ هذا النمط ليس صدفةً إحصائية بل خاصيةً فيزيائية عامة لهذا النوع من الأنظمة.

الابتلاع والقذف: وجهان لعملةٍ واحدة

ما يُميّز هذه الدراسة ليس فقط رصد الأنماط الهندسية، بل ربطها بميكانيكية فيزيائية متكاملة. فأقراص التراكم وهي سُحبٌ مسطّحة ودوّامة من الغاز والغبار تحيط بالثقب الأسود تُنتج احتكاكاً هائلاً يُفسّر السطوع الشديد للنواة المجرّية النشطة. لكن ليست كل المادة تُبتلع؛ فالمادة غير المستهلكة تُوجَّه نحو قطبَي الثقب الأسود لتتشكّل منها نفاثاتٌ توأم من البلازما قد تمتدّ لآلاف السنين الضوئية، وتتفاعل مع الوسط بين النجمي المحيط بالمجرّة المضيفة.

يقول تشو: "بعد أن حلّلنا هذه الظواهر، تمكّنّا من رؤية أنّ الثقوب السوداء لا تكتفي بابتلاع المواد، بل تقذف موادّ أخرى أيضاً"، مضيفاً أنّ "عمليتَي الحقن والتراكم مرتبطتان ببعضهما البعض". هذا الترابط هو جوهر ما تُظهره الدراسة: تغذية الثقب الأسود وإخراجه للمادة ليسا حدثين منفصلين، بل دورةٌ واحدة متكاملة تُعيد تشكيل محيط المجرّة بأكملها.

مجرة حلزونية مع تكبير يظهر توزيع الغاز والنجوم النشطة حول ثقب أسود هائل في مركزها، مع مناطق إشعاع وصدمات تؤثر على تشكل النجوم.
Loading image...
المجرة NGC1386، تظهر باللونين الرمادي على اليسار وتكبير للمنطقة المركزية على اليمين. تمثل الألوان تكوين النجوم بالأحمر، وإشعاع الثقب الأسود بالأزرق، والصدمات بالأصفر. (حقوق الصورة: بيكسين تشو)

من جهتها، تُلخّص ليزا كويلي (Lisa Kewley)، عضو الفريق البحثي في مركز الفيزياء الفلكية، الدلالة الأوسع للنتائج بقولها: "نحن نرى أنّ الثقوب السوداء لا تكتفي باستهلاك المواد في مراكز المجرّات، بل تُعيد تشكيل محيطها بفعالية". وتضيف: "هذا العمل يساعدنا على فهم دورة تغذيةٍ راجعة معقّدة تلعب دوراً مهماً في تطوّر المجرّات".

ماذا عن ثقبنا الأسود نحن؟

يضع الباحثون هذه النتائج في سياقٍ أوسع يشمل مجرّتنا درب التبانة. يُعتقد أنّ جميع المجرّات الكبيرة تحتضن ثقوباً سوداء هائلة في مراكزها، لكنّ هذه الثقوب لا تكون جميعها في حالة نشاطٍ مماثل. فالثقب الأسود في مركز مجرّتنا، المعروف باسم Sagittarius A*، يُعدّ خامداً نسبياً مقارنةً بالأنوية المجرّية النشطة التي درستها الدراسة؛ إذ يُقدَّر معدّل تغذيته بما يعادل على المقياس البشري حبّة أرزٍ واحدة كل مليون سنة، وهو تشبيهٌ يُبرز الفارق الهائل بين ثقبٍ نشط يُعيد تشكيل محيطه وآخر يكاد يكون ساكناً.

هذا التباين يفسّر جزئياً سبب الحاجة إلى دراسة مجرّاتٍ أخرى أكثر نشاطاً لفهم آليات التغذية الراجعة (feedback) التي طالما ارتبطت في الأدبيات العلمية بإنهاء عمليات تشكّل النجوم في المجرّات المضيفة. لكنّ العلماء اشتبهوا أيضاً، منذ فترة، في أنّ هذه التغذية الراجعة قد تحفّز تشكّل النجوم بدلاً من أن تُوقفه فحسب وهو الافتراض الذي تدعمه هذه الدراسة بأدلةٍ رصدية مباشرة عبر تسع مجرّات مختلفة، لا عبر حالةٍ واحدة يمكن اعتبارها استثناءً.

ما الذي يتغيّر في فهمنا لتطوّر المجرّات؟

القيمة العلمية لهذا العمل لا تكمن في اكتشاف ظاهرةٍ جديدة كلياً، بل في توثيق نمطٍ ثابتٍ ومتكرّر عبر عيّنةٍ من تسع مجرّات محلية باستخدام أدواتٍ رصدية دقيقة ثلاثية الأبعاد، وهو ما يمنح الفرضية القائلة بازدواجية دور الثقوب السوداء كمُدمّرٍ وكمُحفّزٍ للنجوم في آنٍ معاً أساساً تجريبياً أمتن ممّا كان متاحاً سابقاً. ويبقى السؤال المفتوح أمام الفريق البحثي هو كيفية تعميم هذا النمط الهندسي التعامد الثابت بين الصدمات ومسارات القذف على عيّناتٍ أكبر من المجرّات، وما إذا كان هذا التوازن الدقيق بين الابتلاع والقذف هو ما يحدّد، في نهاية المطاف، مصير المجرّات التي تحيط بثقوبٍ سوداء نشطة مقارنةً بأخرى خامدة كالتي تؤوي مجرّتنا.

أخبار ذات صلة

Loading...
تصوير دماغي ملون يوضح القشرة الدماغية والمادة الرمادية مع التركيز على التغيرات المرتبطة بمرحلة انقطاع الطمث وتأثيرها على الشيخوخة الدماغية.

تغيّرات الدماغ في سن اليأس: دراسة بالتصوير تكشف تأثيراً مؤقتاً على الشيخوخة

تُظهر دراسة حديثة أن بداية انقطاع الطمث قد تبطئ خسارة المادة الرمادية في الدماغ، مما يكشف عن مرونة دماغية غير متوقعة. اكتشف المزيد عن تأثيرات الهرمونات على صحة الدماغ واستمر في القراءة لتفهم التفاصيل.
علوم
Loading...
تركيبة مواد ثنائية البُعد تضم طبقة تيلورايد التنتالوم الإيريديوم والمادة المغناطيسية CGT مع خطوط تماثل بلوري توضح هندسة التأثير الهولي الشاذ في نظام مغناطيسي دقيق.

تأثيرٌ فيزيائيٌّ عمره قرن لا يعمل كما اعتقدنا، تكشف دراسة جديدة

اكتشف فريق بحثي تأثير هول جديد في مادة ثنائية البُعد يفتح آفاقاً لصناعة حساسات مغناطيسية فائقة الدقة متعددة المحاور. تعرف على كيف يغيّر هذا الاكتشاف قواعد الاستشعار المغناطيسي وادخل عالم الابتكار الكمومي الآن.
علوم
Loading...
قضبان حديدية أثرية صدئة من العصر الحديدي المتأخر مكتشفة قرب نهر الدانوب في النمسا، تمثل أكبر مجموعة حديدية ما قبل التاريخ في أوروبا.

اكتشاف أثري في الدانوب: كنزٌ صدئ يحمل آلاف قضبان الحديد عمرها ألفا سنة

في قاع نهر الدانوب اكتُشف كنز حديدي يعود للعصر الحديدي المتأخر يكفي لتسليح جيش كامل. اكتشف أسرار هذا الاكتشاف الأثري الهام وتأمل في قصة الحديد الغارق التي قد تغير تاريخ أوروبا. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
إطلاق أربعة صواريخ صينية من مواقع مختلفة خلال 45 ساعة، تعكس تسارع برنامج الفضاء وتطوير شبكات الاتصالات الفضائية العريضة.

الصين تطلق 4 صواريخ إلى المدار في 45 ساعة

شهدت الصين خلال 45 ساعة إطلاق أربعة صواريخ من شركات خاصة وحكومية لتعزيز شبكات الاتصالات الفضائية وتطوير تقنيات إعادة الاستخدام. اكتشف مستقبل الفضاء الصيني الآن وتابع التفاصيل!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية