سر نوم حركة العين السريعة وتأثيره على صحتك المستقبلية
دراسة تكشف أن جودة نوم حركة العين السريعة REM ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأكثر من 80 مرضاً منها القلب والزهايمر. النوم المنتظم بين 6 و8 ساعات يعزز صحتك ويقلل مخاطر الأمراض في وورلد برس عربي.

عندما يستغرق جسدك سبع ساعات من النوم الليلي، فإن ما يحدث داخل دماغك خلال تلك الساعات قد يكون أكثر أهمية لصحتك المستقبلية من عدد الساعات نفسه. هذا ما تشير إليه دراسة رصدية واسعة نُشرت في مجلة PLOS Medicine، ربطت بين "بنية النوم" وتحديداً مرحلة حركة العين السريعة المعروفة بـREM وبين معدّلات الإصابة بأكثر من ألف حالة صحية، من قصور القلب إلى الزهايمر.
الدراسة أجراها باحثون من جامعة العاصمة الطبية (Capital Medical University) في الصين، واستندوا فيها إلى بيانات 95,559 مشاركاً من "المشروع الصحي البريطاني" (UK Biobank)، مستخدمين أجهزة تُلبَس على المعصم لرصد أنماط النوم الفعلية على مدى أسبوع واحد فقط وهي نقطة تستحقّ التوقّف عندها، لأنها تعني أن الباحثين تعاملوا مع بيانات نوم حقيقية مُسجَّلة آلياً، بدلاً من الاعتماد على تقديرات المشاركين الذاتية التي تُشوَّه غالباً بذاكرة غير دقيقة. بعد ذلك، تابع الفريق الحالة الصحية للمشاركين لفترة توسّط تسع سنوات تقريباً، وقارن أنماط نومهم بأكثر من 1,000 حالة صحية مختلفة.
ماذا يعني REM، ولماذا يهمّ الباحثين؟
مرحلة REM هي المرحلة التي يحدث فيها معظم الحُلم، وتتميّز بنشاط دماغي يُشبه إلى حدّ كبير النشاط الدماغي وقت اليقظة. يُعتقد أنها تدعم التعلّم ونمو الدماغ، وتتراجع طبيعياً مع التقدّم في السن. أثناء كل ليلة نوم، يمرّ الجسم بدورات متكرّرة من مراحل مختلفة، وتتأثّر كمية REM التي يحصل عليها الشخص بمدة النوم الكلّية واستمراريته دون انقطاع، فضلاً عن عوامل مثل اضطراب الساعة البيولوجية، والتوتّر، وتناول الكحول وكلّها عوامل تُقلّص حصّة الدماغ من هذه المرحلة الحيوية.
اللافت في هذه الدراسة أن الارتباط بين REM والأمراض لم يكن مجرّد انعكاس لمدة النوم الإجمالية؛ فقد وجد الباحثون أن بنية النوم ومدته يرتبطان كلاهما، وبشكل مستقلّ نسبياً، بمخاطر الإصابة بالأمراض ما يفتح الباب لفرضية أن REM قد يؤثّر عبر مسارات بيولوجية مختلفة عن تأثير النوم بشكل عام.
الأرقام التي يجب أن يعرفها القارئ
وجد الباحثون أن التفاوتات في أنماط النوم ارتبطت بـ156 حالة إصابة مرضية. وبتفصيل أدقّ، ارتبطت الكمية الأكبر من نوم REM بانخفاض مخاطر 83 مرضاً، من بينها قصور القلب والزهايمر وانخفاض ضغط الدم والرجفان الأذيني. أما النوم العميق، فارتبط بانخفاض مخاطر 7 أمراض فقط، من بينها السكري من النوع الثاني ومرض باركنسون. في المقابل، ارتبطت زيادة عدم انتظام النوم بارتفاع مخاطر 3 أمراض، بينما ارتبط ازدياد "اليقظة بعد بدء النوم" (Wake After Sleep Onset) أي فترات الاستيقاظ المتقطّعة خلال النوم بارتفاع مخاطر 6 أمراض.
أما مدة النوم نفسها، فوجدت الدراسة أن النوم بين ست وثماني ساعات ليلاً ارتبط بانخفاض المخاطر عبر مجموعة واسعة من الأمراض، في حين ارتبط النوم لأقلّ من خمس ساعات بارتفاع مخاطر 37 مرضاً رقم يستحقّ التوقّف عنده لأي شخص يعتبر قلّة النوم أمراً هامشياً في حياته اليومية.
يلخّص الباحثون هذه النتائج بقولهم: "وجدنا أن التفاوتات في أنماط النوم ارتبطت بـ156 حالة إصابة مرضية"، ويضيفون بتحديد أكبر: "على وجه التحديد، ارتبطت الكمية الأكبر من نوم REM والنوم العميق بانخفاض مخاطر 83 و7 أمراض على التوالي، في حين ارتبط ازدياد عدم انتظام النوم وازدياد اليقظة بعد بدء النوم بارتفاع مخاطر 3 و6 أمراض على التوالي". ويؤكّدون: "تُبيّن هذه النتائج أن بنية النوم ومدته مرتبطتان كلتاهما بمخاطر الإصابة بالأمراض"، مضيفين أن هذا الإطار "يُتيح تحديد أنماط متمايزة من الارتباط عبر مجالات صحية متعدّدة، وبالتالي يقدّم فهماً أكثر تكاملاً لكيفية ارتباط النوم في الواقع الفعلي بمخاطر الإصابة بالأمراض".
ارتباط لا سببية والفرق بينهما جوهري
لا بدّ من التوقّف عند طبيعة هذا البحث: إنه دراسة رصدية (observational) تكشف عن ارتباطات إحصائية، ولا تُثبت علاقة سببية مباشرة. حجم العيّنة الكبير قرابة 95,559 مشاركاً يمنح النتائج وزناً معتبراً لدى الباحثين المتخصّصين في صحة النوم، لكنه لا يجيب عن سؤال "هل قلّة REM تُسبّب المرض، أم أن المرض نفسه، في مراحله المبكّرة، يُقلّص من نوم REM؟". الباحثون أنفسهم يقولون إن النتائج تُبرز أن "الحفاظ على 6 إلى 8 ساعات من النوم يرتبط ببنية نوم أكثر ملاءمة ومخاطر أقلّ للإصابة بالأمراض، وهو ما يقدّم رؤى مفيدة للوقاية وتعزيز الصحة" وهي صياغة حذرة ومتّسقة مع طبيعة الدراسة، أي أنها "رؤى" لا "توصيات علاجية جازمة".
من المفيد أيضاً التذكير بأن الحيوانات ذات درجات الحرارة الجسدية الأعلى تميل إلى الحصول على كمية أقلّ من نوم REM تفصيل بيولوجي يعكس مدى تعقيد هذه المرحلة من النوم، وأن ما نعرفه عنها ما زال أقلّ بكثير مما لا نعرفه. النوم بشكل عام يسمح للجسم بالراحة وللدماغ بإعادة الشحن وإعادة التنظيم، لكنّ الباحثين يشيرون بوضوح إلى أن مزيداً من العمل ضروري لتحديد التأثيرات البيولوجية الدقيقة لـREM.
ماذا يعني هذا لصحة النوم كسياسة عامة؟
الرسالة العملية التي تخرج بها هذه الدراسة ليست معقّدة: ست إلى ثماني ساعات من النوم ليست ترفاً، بل عامل وقائي مرتبط إحصائياً بعشرات الأمراض المزمنة والعصبية. وفي وقتٍ تتزايد فيه الأدلة على تراجع جودة النوم في المجتمعات الحضرية المزدحمة، تُضيف هذه الدراسة بحجم عيّنتها الكبير وبياناتها المُسجَّلة آلياً بدلاً من التقارير الذاتية طبقة جديدة من الأدلة تدعو صانعي السياسات الصحية والباحثين إلى التعامل مع النوم كمؤشّر صحي عام يستحقّ المتابعة، لا كتفصيل شخصي هامشي. يبقى السؤال المفتوح الذي يتركه الباحثون أنفسهم بلا جواب حاسم: أي المسارات البيولوجية الدقيقة تُفسّر هذا الارتباط بين REM والمرض؟ الإجابة، كما يقول الفريق البحثي، تحتاج إلى مزيد من الدراسات.
أخبار ذات صلة

تغيير غذائي بسيط يعكس مؤشرات العمر البيولوجي في أربعة أسابيع

تمرينات تقوّي العظام: ترتيب علمي للأفضل

تغيّر المناخ يهدّد صحتنا: الحلول التي قد تحمينا
