رحلة الموت في ظل مراقبة الحدود الصارمة
رحلة غراسييلا عبر جبال كاليفورنيا تحكي مأساة المهاجرين تحت مراقبة أبراج ذكية رغم قربهم منها مات أكثر من 138 مهاجراً في نطاق هذه الأبراج بسبب تضاريس صعبة وضغط الرقابة في قصة تكشف ثمن الحلم الأمريكي على وورلد برس عربي.

في الساعة الثانية أو الثالثة بعد ظهر 14 سبتمبر 2025، بعثت غراسييلا غوميز هرنانديز، البالغة من العمر 30 عاماً، رسالة صوتية أخيرة عبر واتساب وهي تتقدّم سيراً على الأقدام في عمق ولاية كاليفورنيا الجنوبية: "لم أستطع الاستمرار بعد ذلك". كانت وقتها على مسافة لا تتجاوز ميلاً واحداً من برج مراقبة تابع لشركة General Dynamics يعمل منذ عام 2019، وقادر على تتبّع أهدافه من مسافة تتراوح بين 5 و7 أميال. بعد نحو أسبوعين، لم يبقَ من غراسييلا سوى رفات، وُجد على مسافة نحو 100 ياردة شمال الحدود الدولية، وسط تلال حادة وشجيرات يابسة. هذه المفارقة امرأة تختفي وتموت في مرمى عين تقنية صُممت خصيصاً لرصد كل من يعبر تلك الجبال هي ما دفع تحقيقاً مشتركاً بين MIT Technology Review وTimes of San Diego، استمر عاماً كاملاً، إلى فحص العلاقة بين توسّع أنظمة المراقبة الحدودية وارتفاع حصيلة الوفيات بين المهاجرين قرب أبراجها.
خلص التحقيق إلى أن ما لا يقل عن 138 حالة وفاة لمهاجرين وقعت بين عامَي 2022 و2025 داخل نطاق أبراج مراقبة قريبة على الحدود الكاليفورنية، وأن 81 حالة على الأقل منها كانت على الأرجح مرئية بشكل مباشر لعدسات هذه الأبراج. الأعمار في هذه الحالات تراوحت بين 5 و70 عاماً. الأرقام، مع ذلك، أقل من الحقيقة على الأرجح، إذ يعتمد التحليل على سجلات الأطباء الشرعيين والمقاطعات والصور الفضائية ومواقع الأبراج، بينما تبقى رفات مهاجرين آخرين لم تُعثر عليها بعد خارج أي حساب.
من هي غراسييلا؟
عبرت غراسييلا الحدود عبر سلّم أو قسم منحدر غير مسوَّر شرق تيخوانا، متجهة صوب برّية جبل أوتاي (Otay Mountain Wilderness)، التي تقع على مسافة نحو ميل واحد من الحدود الشرقية لسان دييغو. كانت قد دفعت للمهرّبين 20 ألف بيسو مكسيكي، أي ما يعادل نحو 1,150 دولاراً مقابل تعريفة يُقال إن متوسطها اليوم يبلغ 12 ألف دولار واختارت أن تعبر بلا مرشد بعد أن اشترت معلومات عن الطريق فقط. كان هاتفها يبثّ إشارات موقعها إلى مهرّبين في تيخوانا، وآخر إشارة تلقّوها منه كانت عند الساعة الرابعة عصراً من ذلك اليوم.
أرادت غراسييلا العمل في الولايات المتحدة لإعالة ثلاثة أطفال ووالديها في جنوب المكسيك؛ ابنها الأكبر، وعمره 11 عاماً، كان يتمنّى أن تشتري له دراجة هوائية. تصف أختها إيرما ظروف الأسرة قبل الرحلة بقولها: "كانت هناك لحظات لم يكن لديهم فيها مال حتى لعلبة منظّف، أو ليأكلوا"، وتضيف: "كانت تتصل بي وهي تبكي". وتصفها بأنها "كانت إنسانة متواضعة جداً"، و"طيبة مع الناس، ومحبّة لأطفالها".
في أثناء سيرها، أبلغت غراسييلا عن رؤية طائرات هليكوبتر وشاحنات بيضاء تابعة لدورية الحدود، وأشارت في إحدى رسائلها إلى وجود من وصفتهم بـ"الشرطة" قريباً منها. وتروي إيرما اللحظات الأخيرة من التواصل معها: "قالت لي إنها تشعر بتعب شديد ولا تستطيع الاستمرار"، فردّت عليها: "قلت لها أن تبذل كل ما تملك، أن تفكّر في أطفالها، تستحضرهم في ذهنها لتخرج من هناك". وفي رسالة لاحقة طلبت فيها غراسييلا من أختها أن تدعو لها، تذكر إيرما: "تحدّث رجل وقال 'لا وقت'".
طريق يبتلع المسافرين
يمشي المهاجرون عادة بين 10 و20 ميلاً شمالاً عبر الجبال لتجنّب نقاط تفتيش دورية الحدود، في تضاريس يصفها سيزار أورتيغوزا، رئيس مجموعة البحث "Armadillos" التي تبحث عن رفات المهاجرين منذ عام 2010، بقوله: "معظم الناس لا يدركون حجم هذه الأرض، وكل ما سيكلّفهم الوصول إلى وجهتهم من عمل. يصلون إلى قمة هذا الجبل ويكتشفون أن أمامهم أميالاً وأميالاً أخرى للمشي". ويضيف عن سرعة المهاجرين في ظل الرقابة: "يسيرون بسرعة كبيرة، وهناك ضغط كبير".
هذا الضغط يتفاقم مع الحرارة، بحسب رفائيل هرنانديز لاراينزا، رئيس مجموعة الإنقاذ "Desert Angels": "بسبب الحرارة، هناك أماكن لا يمكنك فيها التقدّم نصف ميل في الساعة". ويصف بريس بيترسون، الباحث في منظمة "No More Deaths"، سلوكيات المهاجرين تحت الترصّد بقوله: "رأينا أشخاصاً يفعلون أموراً تبدو لي مرعبة أو جنونية، مثل عبور منطقة يعرفون أن فيها حساسات ثم محاولة الوصول سريعاً إلى أقرب مكان آمن نسبياً قبل أن تظهر دورية الحدود، لأن ظهورها يستغرق 15 دقيقة". ويضيف: "يبدو أن الناس لا يتوقفون لشرب الماء. يمضون بسرعة كبيرة، وأحياناً يركضون، متحركين بسرعة أكبر، دون أن يتمكنوا من رعاية أنفسهم".
عين لا تنام على الجبل
على مدى أكثر من عقد، تحوّلت هذه البرّية إلى ساحة تجريب لتقنيات مراقبة متلاحقة: أبراج تعمل منذ عام 2011، تليها أبراج موجَّهة بالذكاء الاصطناعي بدأت تظهر عام 2018، ثم موجة أوسع من هذه الأبراج نُصبت في عام 2021 عبر الحدود الكاليفورنية، وحصلت على مدى أطول في تحديثات عام 2026. أكثر من 120 برجاً تنتشر على طول حدود كاليفورنيا وحدها، إلى جانب كاميرات مسارات، وكاشفات حركة، ورادارات، وحساسات، وطائرات مسيّرة، وبالونات مرتفعة (blimps). وفي مارس 2025، وجّهت إدارة ترامب وكالات التجسّس الفضائي الأمريكية إلى الإسهام في مراقبة الحدود، في خطوة أضافت طبقة أخرى إلى هذا النظام الذي كلّف بالفعل أكثر من مليار دولار من الترقيات.
شركة General Dynamics صنعت أقرب برج إلى مكان عثور على رفات غراسييلا، بينما تصنّع Anduril نحو نصف أبراج المراقبة على طول الحدود الأمريكية-المكسيكية، وقد أعلنت الشركة نشر برجها الذاتي رقم 300 ضمن هذا التوسّع. وبحلول يونيو 2026، أفادت الشركة بأن أبراجها "حدّدت ذاتياً مئات آلاف من حالات عبور الحدود"، وأنها "ساهمت مباشرة في إنقاذ حياة الناس ومنع دخول مخدرات غير مشروعة إلى الولايات المتحدة". أبراج Anduril الأحدث تصل ارتفاعاتها إلى 33 قدماً، وتقرّر ذاتياً ما إذا كان الجسم المتحرك ذا صلة أم لا، بينما ترتفع الأبراج الأقدم مثل تلك القريبة من مكان وفاة غراسييلا أكثر من 100 قدم بين سياجَي الحدود، وتتطلّب مراجعة عناصر في غرف تحكّم للقطات الكاميرا بدلاً من التحليل الآلي.
من موقعه في ولاية أريزونا، يصف جون موريس، رئيس قطاع في دورية الحدود، طموح هذا النظام بقوله: "نحن قريبون جداً من معرفة كل ما يعبر تقريباً"، وهو ما رآه توم هومان، "قيصر الحدود" الأمريكي، في تصريحات في سان دييغو في ديسمبر 2025 بوصفه بنية "ذكية": "ما نبنيه على طول الحدود الجنوبية الغربية هو نظام ذكي. هناك تقنية مدمجة فيه، بالإضافة إلى البنية التحتية المادية"، مضيفاً أن هذا النظام "يجعل كل عنصر وضابط أكثر فعالية".
غراسييلا لم تكن الحالة الوحيدة
قصة غراسييلا تتكرّر بأنماط متقاربة. في يوليو 2023، عُثر على رفات مارسيا دوترا، البرازيلية البالغة من العمر 36 عاماً، قرب سياج الحدود، ويُرجَّح أن وفاتها كانت بسبب التعرّض للحرارة؛ وكان برج مزوّد بالذكاء الاصطناعي يقف على مسافة 2,000 قدم شمال شرق موقع رفاتها. في فبراير 2024، عُثر على رفات إلفي فاسكيز بورتولون، المكسيكية البالغة 28 عاماً، قرب الجدار الحدودي بعد أكثر من خمسة أيام من فقدها، ورجّح التقرير الطبي أن سبب الوفاة كان انخفاض حرارة الجسم؛ وقد وجدها عنصر في دورية الحدود من متن طائرة هليكوبتر، بينما كان يقف برج مراقبة بالفيديو عن بُعد على مسافة نحو 1,400 قدم فقط. وفي أغسطس 2024، عُثر على رفات رامون مونتينيغرو، المكسيكي البالغ 51 عاماً، قرب بلدة دولزورا، ويُحتمل أن سبب وفاته ضربة شمس؛ وكان يقف برج بالذكاء الاصطناعي على مسافة 1,300 قدم من رفاته.
هذه الحالات الثلاث، إلى جانب حالة غراسييلا، تندرج تحت الرقم الأوسع: 138 وفاة على الأقل ضمن نطاق أبراج قريبة بين 2022 و2025، أكثر من نصفها كانت رفاتها على الأرجح ضمن مجال رؤية مفتوح لعدسات الكاميرا. القرب من البرج، بحسب التحقيق، لا يعني بالضرورة أن الشخص كان مرئياً فعلاً؛ فالتضاريس والنباتات والتلال قد تحجب مجال الرؤية، وهو ما دفع فريق التحقيق إلى تدقيق كل حالة يدوياً على الخرائط بالتعاون مع منظمة Electronic Frontier Foundation، التي وثّقت مواقع الأبراج عبر زيارات ميدانية وصور فضائية.
نظام "ذكي" أم "خوّافات بمليارات الدولارات"؟
بين التصريحات الرسمية المتفائلة والتقييمات المستقلة، تتّسع الهوة. ديف ماس، مدير التحقيقات في Electronic Frontier Foundation، يرى أن "لا شيء من هذه الأنظمة كان فعالاً. لا يوجد تقييم مستقل لعدد الحالات التي ترصدها فعلاً". وفي دراسة أصدرتها مؤسسة RAND عام 2020 لتقييم أداء أبراج المراقبة، خلص الباحثون إلى أن "النتائج والمخرجات ... غير قابلة للرصد المباشر"، وحذّروا من أن "الأثر الرادع المحتمل على عبور المهاجرين عبر المناطق الخاضعة للمراقبة يتجاوز أي تحسّن في الوعي الظرفي" الذي توفّره هذه الأنظمة أي أن الأبراج، بحسب هذا التحليل، قد تدفع المهاجرين نحو طرق أطول وأكثر خطورة أكثر مما تساعد في العثور عليهم أو إنقاذهم.
هذا التناقض بين الوظيفة المعلَنة والوظيفة الفعلية يظهر أيضاً في تقارير عسكرية داخلية. مذكرة داخلية من أكتوبر 2024، كشفت عنها NBC News، أفادت بأن 30% من الأبراج الأقدم كانت معطلة، أي ما يقارب 150 برجاً معطلاً على طول الحدود، ووصف تحقيق NBC News هذه الأبراج المعطلة بأنها تعمل كـ"خوّافات بمليارات الدولارات". بحلول سبتمبر 2025، أفاد تقرير بأن وكالة الجمارك وحماية الحدود بدأت إصلاح هذه الأبراج وتحديثها. أما على الأرض، فقد كشف تقرير للجيش الأمريكي عن نظام G-BOSS(E) عن سلسلة أعطال في سبعة أبراج من هذا الطراز نُصبت في برّية جبل أوتاي قبل وفاة غراسييلا، شملت انقلاب بعضها، وأضراراً بسبب القوارض، وأعطالاً في العادم، ونفاد البطاريات، بل إن كاميرا أحد الأبراج "علِقت في وضع تقريب كامل" بعد أن ارتجّت الشاحنة على طريق ترابي. وتزعم الشركات المصنّعة لهذه الأبراج أنها مصمَّمة لتحمّل "التضاريس الوعرة"، وهو ما تكشف هذه الأعطال المتكررة أنه ليس مضموناً دائماً.
وسط هذا كله، يشير أوزفالدو رويز، منسّق المتطوعين في منظمة Border Angels، إلى منظومة مراقبة تتجاوز الأبراج المرئية: "في نقاط الدخول التي قد يعبر منها المهاجرون أو المسافرون، هناك أيضاً كاميرات مخفية داخل صخور أو شجيرات مموَّهة بحيث لا تراها. وهناك أيضاً الكاميرات التي تراها على الطريق، ولديها قارئات لوحات مركبات مثبَّتة خلف مخروط سلامة، بحيث ترصدك وأنت تبتعد عنها"، ويصف الأبراج بأنها "منارات منتشرة في الجبال" "يمكنها أن ترى فوق الكثير من الجبال المواجهة للحدود". ومع ذلك يقرّ رويز بحدود هذه الشبكة: "مع كل هذه المراقبة المنتشرة في الجبال، لا تزال هناك مساحات كثيفة الشجيرات ومرتفعة مغطّاة تسهّل البقاء متوارياً"، ويضيف: "من الصعب علي أن أفهم فعلاً كيف يعبر الناس، لكنني أعلم أنهم يعبرون".
من يبحث عن المفقودين حين لا تكفي الأبراج؟
الأبراج، حتى إن رصدت شخصاً، لا تعني بالضرورة أن أحداً سيأتي لإنقاذه. يوضح بريس بيترسون أن "أولوية" الأجهزة الأمنية تختلف تبعاً لعدد من يعبرون: "حتى شخص واحد غير مريض، شخص يمشي بمفرده فقط، غالباً ما تتجاهله دورية الحدود لأن الأمر لا يستحق وقتهم للإمساك بشخص واحد فقط"، ويضيف: "يريدون أن يتمكنوا من الإمساك بمجموعة كاملة من الناس". ويصف حالات "لا تُعتبر أولوية" على الإطلاق، بينما يرى رفائيل هرنانديز لاراينزا أن فرق الإنقاذ التطوعية تواجه عقبات مؤسسية متكررة: "يقولون إنهم لا يملكون فرصة لإجراء عمليات بحث، وإنهم لا يملكون وقتاً كافياً"، ويصف بعض الأبراج بأنها "مجرد زينة" لا أكثر. ومع ذلك يستدرك: "لكن هناك أيضاً حالات يفعل فيها العناصر المستحيل للعثور على شخص".
في سبتمبر 2024، أنقذ لاراينزا نفسه عائلة من خمسة أفراد، وفي أثناء عملية بحث أخرى صادف شخصاً يرتدي سترة مكتوب عليها "SHERIFF"، لكن عندما سُئل نائب شريف عن دورية الحدود، جاء الردّ: "أوه، لا يأتون إلى هنا". هذا النوع من التشتّت المؤسسي انعكس مباشرة في قضية غراسييلا: أرسلت مجموعة Armadillos بقيادة سيزار أورتيغوزا آخر إحداثيات GPS معروفة لها إلى دورية الحدود في 3 أكتوبر 2025، وهو ما يصفه أورتيغوزا بصراحة: "لو لم نرسل لدورية الحدود الإحداثيات، لم يكن ليكلّفوا أنفسهم عناء العثور على جثة غراسييلا". أما إيرما، أخت المتوفاة، فتلخّص شعورها بغضب هادئ: "لم يحرّكوا ساكناً".
كان أورتيغوزا قد لاحظ، في يوليو 2025، عنصراً يستبدل كاميرات قرب موقع النصب التذكاري لغراسييلا، وهي مفارقة أخرى تلخّص المشكلة: تحديث مستمر للأجهزة، وبحث متأخر عن البشر. أورتيغوزا نفسه يستقبل يومياً ما يصل إلى خمس مكالمات عن أشخاص مفقودين، وقد وصف عثوره على موقع غراسييلا بقوله إنه "بدا غريباً"، لأنه "قريب جداً من الحدود"، مضيفاً: "الشيء الوحيد الذي نتأكد منه هو أنها عانت في لحظاتها الأخيرة"، ويصف وحشة تلك اللحظة بعبارة مقتضبة: "فقط أن تعرف أنك وحدك". ويعكس لاراينزا تأملاً مشابهاً حين يصف مواقع العثور على الجثث: "عندما تصل إلى أحد هذه المواقع، وترى الوضع، والعزلة، والبيئة المحيطة، تبدأ تتساءل، بماذا كان يفكّر هذا الشخص في لحظاته الأخيرة؟".
يشير بريس بيترسون إلى بُعد آخر لهذه المفارقة، وهو أن القرب من الحدود لا يعني الأمان: "هناك مليون طريقة يمكن أن يكون بها شخص على وشك الموت وهو قريب جداً من الجدار. مثلاً إذا كان يتجه شمالاً ثم قرّر التوجّه جنوباً مجدداً لأنه ضلّ الطريق أو ما شابه".
ما وثّقه التقرير الطبي الشرعي
وصلت الطبيبة الشرعية جينيفر رايت إلى الموقع في 4 أكتوبر 2025 عند الساعة 11:16، وكتبت في تقريرها: "وصلتُ إلى مسار ترابي على مسافة نحو 100 ياردة شمال الحدود الدولية بين الولايات المتحدة والمكسيك. تألّفت المنطقة من شجيرات وفرشٍ جاف مع تلال ومنحدرات حادة". وأضافت: "بعد فحصٍ أدق، رأيتُ رفاتاً هيكلية عظمية لما يبدو أنه أنثى، مستلقية على ظهرها في التراب". لم تُعثر أي مياه أو طعام قرب الرفات. أما الملابس، فوصفتها رايت: "في كومة قرب المتوفاة كانت حمّالة صدر بنفسجية، وسروال أسود، وقميص أسود بنقشة زهور، وقميص طويل الأكمام غامق اللون. كانت حمّالة الصدر مربوطة ومغلقة وسليمة"، وفي جيوب السروال الخلفية: "عملات ورقية مكسيكية، وعملات معدنية مكسيكية، ودبابيس شعر، وملقط". عُثر أيضاً على حقيبة ظهر قريبة تحتوي مزيل عرق نسائياً وعلبة عطر صغيرة. لم يتمكن التقرير من تحديد ما إذا كانت إزالة الملابس بفعل خارجي أو نتيجة هذيان الجفاف، بسبب حالة التحلّل المتقدمة للرفات. أكّد فحص الحمض النووي في النهاية أن الرفات تعود لغراسييلا غوميز هرنانديز.
جنازة تأخّرت تسعة أشهر
دفعت إيرما أكثر من 4,000 دولار لنقل عظام أختها إلى المكسيك، وأقامت الأسرة جنازتها في يوليو، بعد تسعة أشهر كاملة من وفاتها. بموافقة دورية الحدود، وُضع صليب قرب موقع العثور على رفاتها، وهو موقع تقول التحقيقات إنه ظل بصمة مرئية على الأرض بعد نحو عام من إزالة الرفات منه. تصف إيرما أثر الفقد على العائلة: "أحياناً يجلس ابنها الأكبر يفكّر، وعندما نسأله ما الخطب يقول إنه يشتاق إلى والدته"، وتضيف عن حزنها الخاص: "لا أدع والديّ يريانني أبكي". وفي كلماتها الأخيرة الموجَّهة لأختها، يتضح مزيج من الإيمان والحسرة: "أعرف أنه في المكان الذي أنتِ فيه، لا يوجد الألم الذي عانيتِه هنا على هذه الأرض"، و"أعرف أنك رحلتِ وأنتِ تفكّرين في أطفالك. أعرف أنك أردتِ أن تعطيهم حياة أفضل. أشعر بك هنا، وأشعر بأنك حيّة".
ماذا يعني هذا للأشهر المقبلة؟
بعد تولّي دونالد ترامب منصبه في يناير 2025، تراجعت أعداد العبور الحدودي وحالات الوفاة المسجَّلة، وشهدت مستلزمات الإغاثة التي توزّعهامنظمة Border Angels في برّية جبل أوتاي استهلاكاً أقل في النصف الأول من عام 2026، في مقابل ازدياد استهلاك المؤن المتبرَّع بها على طرق عبور أخرى. غير أن هذا التراجع في برّية أوتاي لا يعني توقّف المخاطر: خلال أسابيع قليلة من منتصف سبتمبر وحده، فُقد شخصان على الأقل في هذه البرّية نفسها التي ابتلعت غراسييلا. ويرى سيزار أورتيغوزا أن جذور الظاهرة لا تزال قائمة بصرف النظر عن التقلّبات الإحصائية: "لا يزال هناك كثير من الناس على الجانب الآخر يحاولون الوصول إلى هنا. لأن المشكلات في بلدانهم مستمرة"، ويضيف في خلاصة تحمل نقداً أعمق للتفاوت العالمي: "لو وُزّعت ثروات العالم بعدالة أكبر، لم نكن مضطرين لفعل أشياء كهذه للوصول إلى حياة أفضل".
في الأثناء، يستمر التوسّع التقني بمعزل عن هذه المفارقات. أشار تقرير لمكتب المحاسبة الحكومية الأمريكي (GAO) في يونيو 2025 إلى أن دورية الحدود تدير حالياً 803 أبراج ميدانية على طول الحدود الجنوبية الغربية، مع خطط لإضافة 175 برجاً آخر بتكلفة تُقدَّر بـ1.4 مليار دولار، تتوقّع الوكالة تغطية مليار دولار منها عبر قانون "One Big Beautiful Bill" لعام 2025. وبحلول عام 2034، يُتوقَّع أن يصل عدد الأبراج الحدودية إلى 2,300 برج. وفي مايو 2026، وصف جون موريس، في تصريحات خلال معرض متخصص في أمن الحدود، هذا التوجّه بلغة الاكتمال التقني القريب: نظام يكاد "يعرف كل ما يعبر تقريباً".
يبقى السؤال الذي لا تُجيب عنه أي مذكرة رسمية أو إعلان تجاري: كم من الأرواح التي ابتلعتها جبال أوتاي وما حولها كانت مرئية، فعلاً، لعدسة لم يكلَّف أحد بمراجعتها في الوقت المناسب؟ فبين برج يُصلَح، وبرج معطّل، وآخر يعمل بكفاءة لكن لا يوجد من يراقب شاشته، تظل مسافة الميل الواحد التي فصلت غراسييلا غوميز هرنانديز عن أقرب عين إلكترونية شاهداً على أن التقنية، وحدها، لا تصنع الأمان ولا تُنقذ من يسير وحيداً وسط الجبال بحثاً عن دراجة لابنه، أو عن حياة أفضل لم تُدرك أبعادها الحقيقية إلا وهي تفقد أنفاسها الأخيرة.
أخبار ذات صلة

ضحايا Epstein يقاضون للكشف عن هويات الأشخاص في صور الاستغلال

الأقمار الاصطناعية تكشف آثار الحروب: مراقبة عالمية للنزاعات والفظائع

باحث الكراهية الإلكترونية يواصل انتقاد X رغم تهديدات الترحيل
