جهود إنسانية أمريكية كبيرة لإنقاذ فنزويلا من الزلزال
بعد زلازل كاراكاس المدمّرة تبرز جهود إنسانية استثنائية بقيادة متطوعين من الجالية الفنزويلية في أمريكا لتوفير المساعدات مباشرة دون تدخل حكومي وسط دعم واسع من شركات وأفراد لضمان وصول الإغاثة للمحتاجين وورلد برس عربي.





بعد أن نجا منزل جدّتها في كاراكاس بأعجوبة من الزلازل المتتالية المدمّرة التي ضربت البلاد الشهر الماضي، وجدت أليساندرا إيزاغيري نفسها أمام دافعٍ لا يمكن كبحه للمساهمة في إغاثة فنزويلا.
تقول الشابة البالغة من العمر 18 عاماً: "حين رأيت جدّتي وكلّ هؤلاء المتضرّرين، شعرت أنّني مضطرّة للفعل، حتى لو كان ذلك من الولايات المتحدة." وقد أمضت الأسابيع الأخيرة في إعداد الطعام للمتطوّعين في مقرّ منظّمة Global Empowerment Mission غير الربحية في دورال بولاية فلوريدا.
إيزاغيري واحدة من آلاف الأشخاص الذين انخرطوا في جهدٍ شعبي إنساني استثنائي الحجم تنسّقه هذه المنظّمة، يتغذّى من تبرّعاتٍ تتدفّق من أرجاء الولايات المتحدة وما وراءها، ولا يزال يعمل بزخمٍ كبير بعد قرابة ثلاثة أسابيع من الكارثة.
مئات المتطوّعين لا يزالون يتوافدون يومياً على مستودعات المنظّمة في دورال، حيث يشكّل المنحدرون من أصول فنزويلية نحو نصف السكّان. يقومون بفرز المواد المتبرَّع بها المُختارة بعناية لتلبية الاحتياجات المستجدّة وتجهيزها للشحن إلى كاراكاس عبر رحلاتٍ يومية.
هذا النظام، الذي تيسّره وزارة الخارجية الأمريكية، أتاح لأبناء الجالية الفنزويلية وغيرهم قناةً موثوقة لدعم المتضرّرين، في ظلّ قلقٍ واسع إزاء السرقة والفساد المنسوبَين إلى المسؤولين الفنزويليين.
تقول إيزاغيري: "كلّ ما يمكننا إيصاله إلى الشعب الفنزويلي هو ما يهمّ."
كما تكشف هذه الجهود عن التحوّل اللافت في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا منذ أن أصدر الرئيس دونالد Trump أمراً باعتقال الرئيس الفنزويلي آنذاك نيكولاس Maduro في عمليةٍ فجريّة في 3 يناير. مع عودة العسكريين الأمريكيين إلى الأراضي الفنزويلية، باتت الولايات المتحدة تضطلع بدورٍ في الاستجابة الإنسانية كان يبدو ضرباً من الخيال قبل يناير، حين أعلن Trump أنّ الولايات المتحدة ستتولّى "إدارة" البلاد واستولت على التحكّم في صادراتها النفطية.
يقول Michael Capponi، مؤسّس المنظّمة ورئيسها: "هذا وضعٌ مختلف كلياً." وكان Capponi قد مُنع من دخول فنزويلا حين حاول إيصال مساعداتٍ إبّان حكم Maduro، الذي طالما رفض المساعدات الإنسانية معتبراً إيّاها تدخّلاً أجنبياً. ويضيف: "نُهبط طائرتنا الخاصة، يقوم الجنود الأمريكيون بتفريغها، تنقل البضائع شاحنةٌ نموّلها إلى مستودعٍ نتحكّم فيه بالكامل. لا تمسّها أيدي الحكومة الفنزويلية."
سلسلة إمداد أُطلقت بسرعة
ضرب زلزالان بقوّة 7.2 و7.5 درجة على مقياس ريختر، تفصل بينهما 39 ثانية فحسب، في 24 يونيو، ما أودى بحياة ما لا يقلّ عن 4,500 شخص فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين. وبحسب المسؤولين الفنزويليين، دمّر الزلزالان 190 مبنى وألحقا أضراراً بأكثر من 850 آخر، ممّا أدّى إلى تشريد 17,000 شخص وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الحيوية المزوِّدة للكهرباء والمياه النظيفة والصرف الصحي.
تحوّل مقرّ المنظّمة إلى نقطة تجميع للتبرّعات في وقتٍ قياسي. وقال Capponi إنّ بعض المتبرّعين أبدوا في البداية تشكيكاً في إمكانية وصول المساعدات إلى مستحقّيها دون أن تنهبها حكومةٌ اشتُهرت بالفساد. غير أنّ المنظّمة ما إن أتمّت أولى عمليات التوزيع بنجاح، حتى تنامى الزخم ليتجاوز ما شهده Capponi في عقودٍ من العمل الإنساني الدولي.
شركاتٌ كبرى كـ Goya وWalmart وAmazon تبرّعت بالإمدادات، فيما أسهمت فرقٌ رياضية محترفة بالأموال. بيد أنّ شريحةً كبيرة من المساعدات لا تزال تتجمّع من تبرّعات آلاف الأفراد.
يقول Capponi: "يذهبون إلى Walmart بطاقاتهم الائتمانية، يشترون 15 علبة طعام ويجلبونها في حقيبة تسوّق. لا يبدو هذا كثيراً، لكن حين يفعل ذلك 2,000 شخص... يتحوّل إلى كمٍّ هائل من المساعدات."
طوابير التبرّع عند مقرّ المنظّمة بلغت في بعض الأحيان حدّاً استدعى تدخّل الشرطة لتنظيم حركة المرور. الإمدادات تتدفّق من أرجاء أمريكا الشمالية: أخوان قادا شاحنة U-Haul محمّلة بالبضائع من كندا، ومجموعةٌ أخرى وصلت من المكسيك، فضلاً عن شاحناتٍ قدمت من نيفادا وتكساس وكاليفورنيا.
ما يصل إلى 1,000 متطوّع موزَّعون على ثلاثة مستودعات يقومون بالفرز والتعبئة، يملؤون منصّاتٍ بالضروريات كالحفّاضات، ويُجهّزون طرودَ رعاية فردية تكفي شخصَين لنحو خمسة أيام من الغذاء ومستلزمات النظافة. ويحرصون على إرفاق رسائل تشجيع بداخلها؛ إحداها تقول: "Te queremos Venezuela" "نحبّك يا فنزويلا."
تسعى المنظّمة إلى توزيع ما لا يقلّ عن 100,000 طرد شهرياً على مدى الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة، مع التخطيط لمعالجة احتياجاتٍ مستقبلية كالإسكان طويل الأمد.
يقول Billy Richardson، مدير اللوجستيات في الولايات المتحدة، إنّ متطوّعين أخذوا إجازاتٍ من عملهم لقضاء ساعاتٍ في المستودعات، وآخرون يأتون بعد انتهاء يوم عملهم. ويضيف: "نكاد نضطرّ إلى إخراجهم في نهاية اليوم."
أمّا Mariela Vila، فقد جاءت متطوّعةً لأنّها تتذكّر كيف أثّر فيها إعصار ماريا حين ضرب وطنها بورتو ريكو عام 2017. تقول Vila البالغة من العمر 25 عاماً، التي عملت وردياتٍ كاملة في المنظّمة منذ انطلاق الجهود: "تضامن المجتمع اللاتيني لمساعدة بورتو ريكو جعلني أشعر بشيءٍ رائع حقاً. لذا شعرت بالحاجة إلى مساعدة فنزويلا."
دورٌ أمريكي بتعقيداته
ما يقارب مليون رطل (454,000 كيلوغرام) من الإمدادات شُحنت حتى الآن من مقرّ المنظّمة إلى مستودعاتها المستأجرة حديثاً في كاراكاس. وتتعاون المنظّمة مع منظّماتٍ محلية غير حكومية وأفرادٍ موثوقين من المجتمع لتنظيم عمليات التوزيع في المناطق الأشدّ تضرّراً، وكثيراً ما تجري مرّتين يومياً.
غير أنّ وزارة الخارجية الأمريكية هي التي تيسّر الشحنات بالتنسيق مع الحكومة الفنزويلية، ممّا يُتيح للمنظّمة العمل داخل البلاد، بما في ذلك الاستعانة بالجيش الأمريكي. ففي السبت الماضي، أرسى مشاةُ البحرية الأمريكية (Marines) زورقاً برمائياً على أحد الشواطئ الفنزويلية وأنزلوا طرود المنظّمة التي وُزّعت على 2,000 شخص كانوا ينتظرون المساعدة.
وأفاد متحدّثٌ باسم وزارة الخارجية بأنّ الشراكات مع المنظّمة وغيرها من المنظّمات غير الحكومية تُمكّن الولايات المتحدة من الاستفادة من آليات اللوجستيات والتبرّع القائمة، مشيراً إلى أنّ الجهود مع المنظّمة تستثمر "الجالية الفنزويلية الأمريكية والشركاء من القطاع الخاص الراغبين في التبرّع."
وأكّدت عدّة منظّمات إنسانية أمريكية أخرى أنّها تمكّنت من العمل دون تدخّلٍ من المسؤولين الفنزويليين، وبعضها يعتمد على شراكاتٍ مع منظّماتٍ محلية راسخة.
بيد أنّ الدور الأمريكي يُثير تساؤلاتٍ جدّية حول طبيعة نفوذه في فنزويلا، لا سيّما في ظلّ سيطرته على مليارات الدولارات من عائدات النفط.
تقول Laura Cristina Dib، مديرة برنامج فنزويلا في منظّمة Washington Office on Latin America لحقوق الإنسان: "ثمّة تساؤلاتٌ كثيرة حول الشفافية تظلّ معلّقة بشأن توظيف هذا الصندوق في لحظةٍ يحتاج فيها الفنزويليون فعلاً إلى صرف هذه الأموال لحمايتهم."
وأعلن John M. Barrett، القائم بأعمال السفير الأمريكي لدى فنزويلا، أمام الصحفيين الأسبوع الماضي أنّ عائدات الإنتاج النفطي الفنزويلي، التي تتولّى وزارة الخزانة الأمريكية الإشراف عليها حالياً، يجري توجيهها لدعم جهود الإغاثة.
وحين طُلب منه مزيدٌ من التفاصيل، أوضح متحدّثٌ باسم وزارة الخارجية أنّ الولايات المتحدة "تدعم العمليات الميزانية للحكومة الفنزويلية الانتقالية، وتعمل على تحسين سيولة فنزويلا وحصولها على رأس المال خلال مرحلة التعافي"، مضيفاً أنّ الولايات المتحدة أسهمت بما يزيد على 386 مليون دولار في جهود الاستجابة للزلازل بمعزلٍ عن عائدات النفط.
في مدينة ماييكيتيا الساحلية الأسبوع الماضي، جلس يونيل ريس داخل خيمةٍ يتفحّص محتويات طردٍ من المنظّمة تسلّمه للتوّ خلال إحدى عمليات التوزيع، كان قد عُبِّئ وأُحكم إغلاقه على بعد 1,300 ميل في دورال. كان الطرد يحوي وجباتٍ جاهزة وزجاجات مياه وأغذية معلّبة ومسحوق ترطيب وعدد نظافة شخصية.
قال ريس: "لم أتخيّل قطّ أنّني سأتلقّى مساعداتٍ من الولايات المتحدة. نحن الفنزويليون ممتنّون، ممتنّون جداً."
أخبار ذات صلة

الفنزويليون في أميركا يسارعون لإرسال مساعدات لضحايا الزلزال.. لكن مطار كاراكاس مغلق

کالتس تختتم معسکرها.. بایم یتوجه لمساعدة الفلبينيين المتضررين من الزلزال

قوات حفتر تعترض قافلة مساعدات غزة في ليبيا
