فشل مجلس السلام في إنهاء معاناة غزة
تتزايد الانتقادات لمجلس السلام الذي أسسه ترامب لغزة، حيث تؤكد منظمات الإغاثة أن إسرائيل تعرقل المساعدات الإنسانية. الأطفال يعانون من سوء التغذية والمرافق الحيوية مدمّرة. كيف يمكن تحسين الوضع؟ التفاصيل في وورلد برس عربي.

منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump عن تأسيس ما أسماه "مجلس السلام" لغزة، تتصاعد الأصوات الانتقادية من داخل المنظومة الإنسانية الدولية. وفي إحاطةٍ صحفية عُقدت يوم الخميس في مقرّ الأمم المتحدة بنيويورك، أعلنت مجموعة من كبرى منظمات الإغاثة العالمية أن هذا المجلس "يُخفق" في مهمّته، وأن السبب المباشر لذلك هو استمرار إسرائيل في عرقلة الجزء الأكبر من المساعدات الإنسانية المتجهة إلى القطاع.
قالت Janti Soeripto، الرئيسة التنفيذية لمنظمة Save the Children US، إن منظمتها وعدداً من المنظمات الشريكة سعت إلى التواصل مع مجلس السلام، وعرضت عليه عقد اجتماعات وتقديم خبراتها وتقارير مباشرة من كوادرها الميدانية على الأرض. غير أن هذه المساعي لم تُفضِ إلى شيء يُذكر.
وأضافت Soeripto: "بعد ستة أشهر، لا يزال الأطفال في غزة خارج المدارس، يعانون من سوء التغذية، ولا يتلقّون العلاج اللازم لجروحهم. وشبكة الكهرباء والبنية التحتية للمياه لا تزال معطّلةً بنسبة 90 بالمئة".
وتابعت: "لقد نصّ قرار مجلس الأمن وخطة السلام على إدخال المساعدات فوراً وبصورة كاملة، دون أي تدخّل، وعلى إعادة تأهيل البنية التحتية على الفور. وبكل المقاييس، لم يتحقق شيء من هذا".
ما تقوله الخطة وما يجري على أرض الواقع
تنصّ خطة Trump المؤلفة من 20 نقطة، التي شكّلت أساس اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وأرست قواعد مجلس السلام، على أن "إدخال وتوزيع المساعدات في قطاع غزة سيجري دون تدخّل" من إسرائيل أو حماس، وأن ذلك سيُيسّره "الأمم المتحدة ووكالاتها، والهلال الأحمر، فضلاً عن مؤسسات دولية أخرى لا تربطها أي صلة بأيٍّ من الطرفين".
بيد أن منظمات Oxfam وRefugees International وSave the Children US، التي تمتلك مشاريع راسخة في غزة تسبق هجمات Hamas في 7 أكتوبر 2023 وما أعقبها من إبادة جماعية، أكّدت أن ما كان مقرّراً هو دخول ما لا يقل عن 600 شاحنة محمّلة بالإمدادات الأساسية يومياً منذ سريان وقف إطلاق النار، والرقم الفعلي الحالي لا يقترب من هذا الحد.
وفي الأسبوع الماضي، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن شاحنة واحدة فقط من كل شاحنتَين قادمتَين من مصر حصلت على إذن بتفريغ حمولتها عند المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية على محيط غزة خلال الأيام الـ11 الأولى من الشهر الجاري.
علاوةً على ذلك، لم يُجرَ سوى 700 إخلاء طبي منذ بدء وقف إطلاق النار، في حين يحتاج نحو 18,000 شخص إلى رعاية طبية حرجة لا يمكن توفيرها داخل القطاع. وإسرائيل هي من تتحكّم في من يُسمح له بمغادرة غزة ومن يُسمح له بالعودة إليها، حتى حين يعبر هؤلاء الفلسطينيون إلى مصر.
وقال Jeremy Konyndyk، المسؤول السابق في إدارتَي Obama وBiden والرئيس الحالي لمنظمة Refugees International، في تصريحاته للصحفيين: "يجب أن تتوقف عمليات العرقلة، وهذا من أكثر ما يُثير الاستغراب في هذه القضية. فالأمر لا يستلزم تفاوضاً بالغ التعقيد أو الدقة".
وأضاف: "الجوانب الأخرى من الاتفاق، السياسية والأمنية، بالغة التعقيد، وتنفيذها سيكون بالغ التعقيد. أما عدم إعاقة المساعدات الإنسانية فليس أمراً معقداً. كل ما يتطلّبه الأمر هو ألّا تُعيق المساعدات الإنسانية".
"مستوى الإفلات من العقاب"
أفادت وزارة الصحة في غزة بأن 883 فلسطينياً استشهدوا خلال فترة وقف إطلاق النار الحالية، سواء في غارات جوية إسرائيلية أو بنيران الجنود.
في المقابل، خلص تقريرٌ أصدره مجلس السلام ذاته في وقت سابق من هذا الشهر إلى أن Hamas هي "العقبة الرئيسية" أمام قدرة المجلس على الانتقال بوقف إطلاق النار إلى مرحلته التالية، وذلك بسبب رفضها نزع السلاح كلياً في غياب ضمانات أمنية دائمة من إسرائيل وراعيتها الأولى الولايات المتحدة.
وعلّق Konyndyk على هذا التقرير قائلاً: "تقرير مجلس السلام، في تقديري الشخصي، لم يبدُ كأنه صادر عن وسيطٍ نزيه يُحاسب جميع الأطراف بالقدر ذاته... بل بدا أكثر ميلاً إلى جانب واحد".
و أوضح: "يتحدّث التقرير بعبارات ملتوية وغامضة عن بعض المعاناة الإنسانية المستمرة، لكنه لا يُقرّ في أي موضع بالسبب الحقيقي وراءها، وهو النمط المتواصل من العرقلة الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية في تناقضٍ صريح مع التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار".
وختم بالقول: "ما يُميّز هذه الحالة... هو مستوى الإفلات من العقاب".
واتفقت المنظمات الإنسانية الحاضرة في الإحاطة على أن ما يفتقر إليه مجلس السلام هو الإرادة السياسية والمساءلة، إذ إن الإطار العام بل وحتى التمويل متوفّران أصلاً لإنجاح مشروع من هذا القبيل.
الأرقام والتعهدات
أعلن Trump في الاجتماع التأسيسي لمجلس السلام الذي عُقد في واشنطن العاصمة في فبراير، أن 9 دول أعضاء في المجلس تعهّدت بمجموع 7 مليارات دولار لجهود الإغاثة في غزة. وهذه الدول هي: كازاخستان، وأذربيجان، والإمارات العربية المتحدة، والمغرب، والبحرين، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وأوزبكستان، والكويت.
وتساهم كلٌّ من قطر والمملكة العربية السعودية والكويت بمليار دولار، وفق ما أعلنه ممثّلوها في الاجتماع.
وأعلن Trump أن الولايات المتحدة ستضخّ 10 مليارات دولار إضافية، وإن كان المفهوم أن هذا المبلغ مخصّص لعمليات مجلس السلام بشكل عام لا لغزة تحديداً. كما أشار إلى أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية سيجمع 2 مليار دولار لغزة، وأن الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA سيجمع 75 مليون دولار لمشاريع رياضية في القطاع.
وأعلن Trump كذلك أن اليابان ستستضيف مؤتمراً لجمع التبرعات، يحضره عدد من دول المنطقة منها كوريا الجنوبية والفلبين وسنغافورة.
وقال الرئيس الأمريكي في حينه: "الصين ستكون جزءاً من هذا، وأعتقد أن روسيا ستكون جزءاً منه أيضاً".
ثمة ملاحظات جوهرية لا يمكن إغفالها في هذا السياق: فميثاق مجلس السلام لا يرد فيه ذكر كلمتَي "غزة" أو "فلسطيني" مطلقاً. كما تخلّت إدارة Trump عن عقود من السياسة الأمريكية الثابتة بالتخلّي عن "حل الدولتين" بوصفه هدفاً استراتيجياً. ولم يُخفِ Trump طموحه في أن يتولّى المجلس، الذي يترأّسه مدى الحياة، معالجة أزمات دولية أخرى، رأى أن الأمم المتحدة عجزت عن التعامل معها.
أما على صعيد المشاركة الدولية، فقد رفضت إسبانيا الانضمام إلى المجلس، وكذلك فعلت غالبية الدول الأوروبية، فيما حضر بعض ممثلي الاتحاد الأوروبي اجتماع فبراير بصفة "مراقبين". وامتنع الفاتيكان عن الحضور، فيما سحب Trump الدعوة الموجّهة إلى كندا.
أخبار ذات صلة

غزة: بتّاراً يناضلون من أجل الحركة وسط نقصٍ حاد في الأطراف الصناعية

لبنان والمفاوضات الإسرائيلية: اختبارٌ لتوازن دمشق الحسّاس

إسرائيل تسحب تصاريح العاملين بالمسجد الأقصى
