وورلد برس عربي logo

هل يحافظ حلف الناتو على توازنه بين أمريكا وأوروبا

هل لا يزال حلف الناتو قوياً رغم الاختلال الأمريكي الأوروبي؟ تعرف على التحديات والتوترات داخل الحلف والتبعية الدفاعية، وتأثير النزاعات العالمية على دوره الأمني في مقال وورلد برس عربي الشامل.

دونالد ترامب وجزء من قمة حلف الناتو، مع لافتات تحمل أسماء الولايات المتحدة ورئاسة الاجتماع، تعكس التوترات داخل التحالف الدفاعي.
حضر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والأمين العام لحلف الناتو مارك روتي قمة الناتو في أنقرة، تركيا، في 8 يوليو 2026 (سول لوب/وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في نوفمبر 2019، أطلق الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron حكمه الشهير: "ما نشهده اليوم هو الموت الدماغي لحلف Nato." بعد سبع سنوات، لا يزال الحلف قائماً وهو أكبر تحالف دفاعي ناجح في التاريخ الحديث. لكنّ السؤال الأصعب يبقى معلّقاً: هل يستطيع الحلف أن يخوض المعركة بقبضتَين متكافئتَين، أمريكية وأوروبية-كندية؟

الاختلال لا يزال حاداً. تُقدّر أحدث إحصاءات Nato الإنفاق الدفاعي الأمريكي بنحو 1.03 تريليون دولار في 2026، أي ما يعادل 57% من إجمالي إنفاق الحلفاء. غير أنّ حصة واشنطن من الميزانيات الممولة مشتركاً لا تتجاوز 14.9%، وهي نسبة مساوية لحصة ألمانيا. أمّا التبعية الأعمق فهي تشغيلية: تعتمد أوروبا اعتماداً كبيراً على الولايات المتحدة في وظائف الاستخبارات الاستراتيجية، والتزويد بالوقود جواً، والدفاع الصاروخي الباليستي، والحرب الإلكترونية الجوية. وتمتدّ هذه التبعية لتشمل الفضاء الإلكتروني والمراقبة البحرية والوعي الفضائي والخدمات اللوجستية للعمليات الكبرى والاتصالات الآمنة.

معظم ما استعاده الحلف من عافيته جاء نتيجة الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبه الرئيس الروسي Vladimir Putin في أوكرانيا. يبدو أنّ موسكو توقّعت تكراراً لسيناريو القرم: عقوبات محدودة، ودبلوماسية مترددة، وإطار حربٍ مجمّدة يشبه سنوات اتفاقيات مينسك. لكنّ الغزو الشامل أفضى إلى توسيع Nato، وتعزيز جناحه الشرقي، وتحويل أوكرانيا إلى مركز عملياتي لمنظومة الأمن الأوروبي.

ومع ذلك، بدا الطريق إلى قمّة أنقرة أقرب إلى احتواء الأزمات منه إلى إدارة التحالف. عاد الرئيس الأمريكي Donald Trump ليطالب بأن تخضع غرينلاند للسيطرة الأمريكية، مُمارِساً ضغطاً على الدنمارك، وهي عضو مؤسّس أصغر حجماً. وكشفت تقارير سابقة أنّ التخطيط الدنماركي للطوارئ شمل تجهيز متفجّرات لتعطيل مدارج رئيسية في حال وقوع هجوم أمريكي ما كان يبدو ضرباً من الخيال بات اليوم مشكلة أمنية حقيقية داخل الحلف.

الاستمرارية بدلاً من القطيعة

كشفت الحرب على إيران عن خطٍّ صدعي آخر؛ إذ أبدى Trump استياءه من تحفّظ الحلفاء الأوروبيين عن الانضمام إلى الحملة الهجومية الإسرائيلية-الأمريكية. لكنّ Nato ليس حلف وارسو. المادة الخامسة تُلزم الأعضاء بالدفاع الجماعي في حالة الهجوم المسلّح؛ وهي لا تُوجب الانضمام إلى كلّ حرب اختيارية خارج نطاق الحلف يُطلقها رئيس لا يمكن التنبّؤ بقراراته.

أسلوب الأمين العام لـ Nato Mark Rutte في إدارة التحالف أثار تساؤلاته بدوره. فبينما يُعدّ نهجه في بناء التوافق لافتاً، فإنّ المبالغة المتكرّرة في مجاملة Trump بما في ذلك تشبيهه بـ "الأب" طمست الحدّ الفاصل بين الدبلوماسية التكتيكية والتراجع المؤسسي. والمفارقة هنا صارخة: ظلّت هولندا دون عتبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي المخصّصة للإنفاق الدفاعي طوال معظم سنوات رئاسة Rutte للوزراء بين 2010 و2024، ولم تبلغها إلّا في نهاياتها.

وهولندا هي ذاتها الدولة التي فقدت 196 مواطناً عام 2014 على متن رحلة Malaysia Airlines MH17، التي أسقطها صاروخ Buk تتبّعه المحقّقون إلى اللواء 53 للصواريخ المضادة للطائرات التابع للجيش الروسي جريمة حرب ارتكبتها قوات نظامية روسية و وكلاؤها، وكان أغلب ضحاياها هولنديين. ومع ذلك، لم يتحرّك الإنفاق الدفاعي الهولندي آنذاك.

تركيا أسهمت في الحيلولة دون هيمنة هذه التناقضات على مجريات القمّة. وقد أشار Trump إلى أنّه ربّما تغيّب عن الحضور لولا علاقته بالرئيس Recep Tayyip Erdogan. وبوصفها الدولة المضيفة، وظّفت أنقرة الدبلوماسية الثنائية والمساومة الصناعية الدفاعية لإبقاء الاجتماع على مساره. وتمتلك تركيا ثقلاً ملموساً؛ إذ يُصنّفها Nato ثاني أكبر جيش في الحلف، فيما دفع Erdogan نحو رفع قيود التجارة الدفاعية المفروضة من الحلفاء، ورَوَّج لبرنامج "القبة الفولاذية" بقيمة 24 مليار دولار.

وكانت المحصّلة استمراريةً لا قطيعة. إعلان أنقرة أعاد التأكيد على المادة الخامسة، وأعلن الحلفاء التزامات شراء تتجاوز 50 مليار دولار، وإطلاق مبادرة لمكافحة الطائرات المسيّرة بقيمة 40 مليار دولار على مدى خمس سنوات، فضلاً عن 27 مليار يورو (31 مليار دولار) لبنية تحتية للوقود. وقد رفع الحلفاء الأوروبيون وكندا استثماراتهم الدفاعية بأكثر من 139 مليار دولار منذ تعهّد لاهاي عام 2025 أرقام جدّية، لكنّها لا تُثبت بعدُ فاعلية قتالية حقيقية.

أوكرانيا في الواجهة

الرابح الأوضح من قمّة Nato كان أوكرانيا. ينصّ الإعلان على أنّ "أوكرانيا تُسهم في الأمن عبر الأطلسي"، وتعهّد الحلفاء بـ 70 مليار يورو (80 مليار دولار) في معدّات عسكرية ومساعدات وتدريب لعام 2026 ومستوى مماثل على الأقل لعام 2027.

غير أنّ هذا الرقم ينبغي ألّا يُقرأ بوصفه مساعدةً جديدة بالكامل؛ فالأرجح أنّه يجمع ويُعيد التأكيد على مزيج من الالتزامات الوطنية المُعلنة سابقاً والدعم الإضافي، ويمنحها ثقلاً سياسياً جماعياً.

وأشارت تقارير ما بعد القمّة إلى أنّ Trump أذن لأوكرانيا بتصنيع صواريخ اعتراضية من نوع Patriot. وهذا إن تحقّق سيكون ذا أهمية استراتيجية، لكنّه في الوقت الراهن يبقى إشارة سياسية وصناعية بعيدة المدى أكثر منه إجابةً عاجلة على الاحتياجات الملحّة للدفاع الجوي الأوكراني.

ما قد لا يظهر في العناوين هو التحوّل الأعمق في طبيعة الدور الأوكراني: لم تعد كييف مجرّد متلقٍّ للمساعدات الغربية، بل باتت مُزوِّداً فعلياً للأمن والتعلّم العملياتي والابتكار الدفاعي. في منتدى "Allies in Ankara" الرسمي، شاركت في جلسات مع ممارسين أوكرانيين من القطاع العسكري وصناعة الطائرات المسيّرة ومتخصّصين في حماية المدنيين، لدراسة كيف يمكن لتكيّفات كييف أن تُفيد في حماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية في منطقة الخليج.

ولم تكن أوكرانيا الرابح الوحيد؛ إذ حقّقت سوريا أيضاً اختراقاً دبلوماسياً محتمل الأثر، حين أعلن Trump نيّته إزالتها من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وهو إجراء خاضع لمراجعة كونغرسية مدّتها 45 يوماً، لكنّه إن مضى قد يُخفّف القيود على المساعدات والاستثمار والمعاملات المالية، ويُعجّل بإعادة اندماج سوريا دولياً وإعمارها.

أنتجت أنقرة حلفاً يتكيّف، لكنّه لم يبلغ بعدُ الاستقلالية الاستراتيجية. استبدال القدرات التقليدية التي تُوفّرها الولايات المتحدة قد يُكلّف أوروبا نحو تريليون دولار على مدى دورة حياة تمتدّ 25 عاماً. والتحدّي الحقيقي هو تحويل الأموال إلى تشكيلات قتالية، وعمق ذخائر، ودفاع جوي، وأنظمة قيادة صامدة، وقدرة صناعية على التوسّع السريع.

صمود Nato يرتكز أيضاً على أسسٍ أخلاقية وسياسية تميّزه عن سائر التحالفات. حلف وارسو وُظِّف لسحق ربيع براغ عام 1968. ومنظّمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا أخفقت في نصرة أرمينيا إخفاقاً جليّاً حتى جمّدت يريفان مشاركتها فيها. سجلّ Nato خارج نطاق الدفاع الإقليمي والتدخّلات الإنسانية ليس بلا شوائب، لكنّ إطار توسيعه ربط العضوية بالديمقراطية والحريات الفردية والرقابة المدنية المنتخبة والإصلاحات المؤسسية العسكرية والمدنية.

لم تُثبت أنقرة أنّ Nato خالد. لكنّها أظهرت أنّ الحلف لا يزال قادراً على استيعاب الصدمات السياسية والتفاوض وتجديد نفسه. ومستقبله يتوقّف على ثلاثة اختبارات:

  • الأرجح أن يتواصل الإنفاق الأوروبي المتصاعد دون أن يتحوّل بالسرعة الكافية إلى قوة قتالية فعلية وهذه هي الفجوة الأخطر.

  • المحتمل أن تنتهي الحرب في أوكرانيا بتسوية تُبقيها في الدائرة الأمنية الغربية، مع بقاء مسار انضمامها إلى Nato رهيناً بالتفاوض.

  • الأقلّ احتمالاً أن تُفضي سنوات Trump المتبقّية إلى تآكل لا رجعة فيه في الصفقة عبر الأطلسية لكنّ هذا السيناريو ليس مستحيلاً إذا تصاعدت الأزمات وغابت القيادة.

البيانات الختامية لن تُنقذ Nato. أوروبا بحاجة إلى بناء القبضة الثانية المستقلّة عن واشنطن؛ وأوكرانيا يجب أن تبقى في صميم المنظومة العملياتية؛ وواشنطن عليها أن تتذكّر أنّ قيادة التحالف ليست امتلاكاً له.

أخبار ذات صلة

Loading...
الرئيس نجيب بوكيلي يتحدث أمام علمي السلفادور والولايات المتحدة، مع إعلان ترشحه لولاية ثالثة في انتخابات 2027.

بوكيلة يُزيل العقبات أمام ولايةٍ ثالثة في السلفادور

رئيس السلفادور Nayib Bukele يعلن ترشحه لولاية ثالثة وسط جدل دستوري وانتقادات حقوقية حادة. اكتشف تفاصيل الإصلاحات وتأثيرها على مستقبل الديمقراطية والأمن في البلاد. تابع القراءة لمعرفة المزيد.
سياسة
Loading...
شاحنة عسكرية روسية تحمل منظومة دفاع جوي S-400 تُحمّل في طائرة شحن كبيرة، في سياق مفاوضات بيع المنظومات إلى الإمارات.

روسيا تفتح الباب لتركيا بيع أنظمة S-400 للإمارات

تتصاعد التوترات حول صفقة بيع منظومات S-400 التركية للإمارات وسط تحفّظات روسية وأمريكية معقدة. اكتشف تفاصيل المفاوضات التي قد تغيّر موازين القوة في الشرق الأوسط، تابع معنا لمعرفة المزيد.
سياسة
Loading...
شاحنات نقل متوقفة عند معبر حدودي بين الإمارات والسعودية تعكس تأخيرات متزايدة في حركة التجارة البينية بسبب التوترات السياسية والاقتصادية.

تأخّر التبادل التجاري بين السعودية والإمارات وسط التوتّرات

تشهد التجارة بين الإمارات والسعودية تأخيرات متزايدة وتعليق تحويلات مصرفية، مما يؤثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة ويزيد التوتر الاقتصادي بين الجارين الخليجيين. اكتشف المزيد عن تداعيات الأزمة الآن.
سياسة
Loading...
متظاهرون في تركيا يحملون لافتات تنتقد ترامب ونتنياهو وحلف الناتو خلال احتجاجات ضد قمة الناتو 2026 في أنقرة.

الأسلحة والإبادة في غزة: محركات الاحتجاجات المناهضة لحلف الناتو في تركيا

تتصاعد الاحتجاجات في تركيا ضد قمة حلف شمال الأطلسي 2026 وسط قمع واسع واعتقالات، مع رفض يساري متزايد لعضوية تركيا في Nato. اكتشف تفاصيل الأزمة واحصل على رؤية بديلة الآن.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية