وورلد برس عربي logo

التحول الجذري في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل

تغيّر جذري في موقف الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل مع تصاعد المطالب بإنهاء الدعم العسكري والسياسي، بينما تسعى إسرائيل لتعزيز نفوذها عبر تشريعات تضمن تكاملاً أمنياً واستراتيجياً يصعب تجاوزه وورلد برس عربي

لافتة في مظاهرة تحمل عبارة "لا تموت من أجل إسرائيل"، مع وجود متظاهرين آخرين ولافتات تدعو لإنهاء الدعم العسكري لإسرائيل.
تظاهر المحتجون ضد الدعم الأمريكي لإسرائيل وسط الصراع مع إيران، في لوس أنجلوس، كاليفورنيا، في 18 يونيو 2025.
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail
  • موقف إسرائيل في السياسة الأمريكية تحوّل تحوّلاً جذرياً ودائماً. يتّضح ذلك ليس فقط في استطلاعات الرأي التي تُجرى على الناخبين الأمريكيين، بل في خطاب الحملات الانتخابية أيضاً؛ إذ باتت السياسة الخارجية تحتلّ مكانةً محوريةً غير مسبوقة، في حين يتحاشى المرشّحون ذكر إسرائيل تحاشياً لافتاً.

غير أن السياسة الأمريكية الرسمية لا تزال متأخّرة كثيراً عن الرأي العام، الذي بات يطالب بوضوح بإنهاء دعم إسرائيل في حربها على غزة، وغزوها للبنان، وهيمنتها الواسعة على صنع القرار الأمريكي.

لكن مع كلّ دورة انتخابية، يصل إلى مقاعد السلطة مزيدٌ من السياسيين الذين يتحرّزون صراحةً من قبول تمويل مؤيّد لإسرائيل، ويلتزمون بتغيير مسار السياسة الخارجية.

والسباقات الرئاسية ليست استثناءً؛ فالمرشّحون الديمقراطيون المحتملون إمّا تبرّأوا من Aipac، أقوى مجموعات الضغط المؤيّدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، أو سعوا بيأسٍ وأحياناً بإحراجٍ بالغ إلى تفادي الموضوع برمّته.

استراتيجية جديدة في مواجهة التحوّل

مع تحوّل Aipac إلى عبءٍ سياسي داخل الحزب الديمقراطي، وتنامي الريبة منه حتى في أوساطٍ جمهورية، تسلك إسرائيل مساراً جديداً. يعمل مؤيّدوها على صياغة تشريعات تُرسّخ المصالح الإسرائيلية بوصفها أولويةً قانونية، وتمنح إسرائيل مقعداً دائماً على طاولة القرار الاستراتيجي، مستندةً في ذلك إلى عقودٍ من التشريعات المتراكمة.

تتعاون إسرائيل مع حلفائها الأمريكيين لضمان أن يكون الفصل بينها وبين صنع القرار الأمريكي أمراً بالغ التعقيد، بصرف النظر عن الرأي العام. ليس مستحيلاً، لكنّه محاطٌ بطبقاتٍ من العقبات القانونية والهيكلية، بعضها قائمٌ بالفعل.

فقد أقرّ الكونغرس منذ سنوات قانوناً يُلزم الرئيس الأمريكي بضمان ما يُعرف بـ"التفوّق العسكري النوعي" (Qualitative Military Edge) لإسرائيل، وهو يُعرَّف بأنّه "القدرة على التصدّي لأيّ تهديدٍ عسكري تقليدي موثوق وهزيمته، سواءٌ صدر عن دولةٍ منفردة أو تحالفٍ من الدول أو جهاتٍ غير حكومية، مع تقليص الخسائر البشرية والمادية إلى أدنى حدٍّ ممكن، وذلك بامتلاك وسائل عسكرية متفوّقة من حيث الكمّ والنوع، تشمل الأسلحة وقدرات القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع".

بعبارةٍ أخرى، يُلزم القانون الأمريكي الدولةَ بضمان قدرة إسرائيل على ردّ أيّ هجوم من أيّ تشكيلٍ من القوى، بمعزلٍ عمّا تُمليه السياسة الرسمية لهذا الرئيس أو ذاك.

تعميق التكامل الأمني

يسعى مؤيّدو إسرائيل الآن إلى تمرير تدبيرَين بصمتٍ داخل تشريعاتٍ لا يمكن للكونغرس ردّها، من شأنهما تعزيز مكانة إسرائيل في صنع القرار الأمريكي ومنحها ولحلفائها المختارين وصولاً واسعاً إلى الاستخبارات الأمريكية.

سيُدرج هذان التدبيران في قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) وقانون تفويض الاستخبارات (IAA)، اللذَين يموّلان معاً المنظومة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية بأسرها، ممّا يجعل رفضهما في الكونغرس أمراً متعذّراً عملياً.

ولأنّ هذَين القانونَين لا يمكن إسقاطهما، يلجأ أعضاء الكونغرس في الغالب إلى إلحاق تدابير أخرى بهما، عوضاً عن السعي إلى تمريرها تشريعاتٍ مستقلّة.

ففي إطار قانون NDAA، يقضي التدبير المقترح بإنشاء وكيلٍ تنفيذي مسؤولٍ عن ضمان التكامل الشامل بين التعاون الدفاعي والأمني الإسرائيلي-الأمريكي عبر جميع أجهزة الحكومة الأمريكية. كما يُلزم بدمج التكنولوجيا الإسرائيلية في كبرى الصفقات الدفاعية الأمريكية، وتوسيع تبادل التقنيات توسيعاً ملحوظاً.

سيُفضي ذلك إلى إنشاء شراكةٍ يصعب فكّ عُراها، في الوقت الذي يطالب فيه مزيدٌ من الأمريكيين بإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وانتهاج سياسةٍ تنبثق من المصالح الأمريكية لا الإسرائيلية.

ولأنّ التكنولوجيا والاستراتيجية والاستخبارات ستكون في صميم ما يُتبادَل، يمكن لإسرائيل أن تحتجّ بأنّ إقصاء تل أبيب من التخطيط لأيّ جهدٍ حربيٍّ مشترك سيكون مخالفاً للقانون وهو ما فعله الرئيس الأمريكي Donald Trump مؤخّراً في سعيه إلى التوصّل إلى وقفٍ دائمٍ لإطلاق النار مع إيران.

أمّا قانون IAA، فيتضمّن تدبيراً مقترحاً لتبادلٍ استخباراتي واسع النطاق، لا مع إسرائيل وحدها، بل مع كلّ دولةٍ عربية أو إسلامية تنضمّ إلى اتفاقيات أبراهام وتقبل بالتطبيع مع إسرائيل.

يُلزم هذا التدبير بتبادل المعلومات الاستخباراتية في كلّ ما يتّصل بالشؤون الدفاعية التي قد تهمّ إسرائيل، ولا يُتيح للرئيس حجب هذه المعلومات إلّا إذا توافرت "مخاوف أمنٍ قومي محدّدة وقابلة للتعريف"، وهو ما يستوجب تبريره أمام الكونغرس.

فضلاً عن ذلك، يُحوّل هذا التدبير المعلوماتِ الاستخباراتية الأمريكية المستقاة من بعض أكثر التقنيات تطوّراً في العالم إلى مكافأةٍ تُمنح للدول التي تُطبّع مع إسرائيل. وستحظى هذه الدول بدورها بوصولٍ واسعٍ إلى طيفٍ من المعلومات الاستخباراتية، وإن اقترن ذلك بشروطٍ إضافية كإمكانية حجب المعلومات عنها إن كانت متحالفةً مع خصوم واشنطن. لكنّ هذا القيد غائبٌ تماماً في ما يخصّ تبادل المعلومات مع إسرائيل.

وستكون هذه أحكاماً ملزمةً قانوناً، لا يمكن الرجوع عنها إلّا بتشريعٍ جديد يصدر عن الكونغرس.

الأسلحة والتكنولوجيا: تجاوز الكونغرس

يقوم المحور الثالث من الاستراتيجية الإسرائيلية على إنشاء مسارٍ جديد لتدفّق الأسلحة والتكنولوجيا من الولايات المتحدة إلى إسرائيل، يتجاوز رقابة الكونغرس.

جاء هذا التوجّه استجابةً للمعارضة المتصاعدة لتدفّق المساعدات الأمريكية غير المشروطة إلى إسرائيل. فالتأييد آخذٌ في الاتّساع لوقف التحويلات السنوية من أموال دافعي الضرائب المخصّصة لتمويل مشتريات إسرائيل من الأسلحة الأمريكية، وربط أيّ مساعداتٍ بالتزام إسرائيل بالقانون الأمريكي والدولي ومعايير حقوق الإنسان.

ويستند هذا المسار أيضاً إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، الذي أعلن أنّ إسرائيل ينبغي أن "تفطم" نفسها عن المساعدات الأمريكية، وأن تتّجه نحو تعزيز التمويل العام للشراكات بين القطاع الخاص الأمريكي والإسرائيلي في مجالَي التكنولوجيا وصناعة الأسلحة.

تقوم الفكرة على عزل المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل عن الرأي العام، بإعادة تأطيرها باعتبارها شراكةً ستُوجد فرص عملٍ في قطاعَي التكنولوجيا والتصنيع؛ استثماراً لا منحةً مجّانية.

وكما يُلخّص معهد فهم الشرق الأوسط (IMEU): "بدلاً من تعميق الشراكة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية عبر توسيع مشاريع الأسلحة المشتركة، ينبغي على الولايات المتحدة الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون المحلي والدولي، وهو ما يستوجب معاقبة إسرائيل على إبادتها الجماعية وقطع جميع أشكال المساعدة عنها، كما هو مطلوبٌ في حالة الأنظمة التي تنتهك حقوق الإنسان بصورةٍ ممنهجة."

في ظلّ هذا النظام، لن يُوجَّه التمويل إلى إسرائيل مباشرةً، بل إلى الشركات الأمريكية، ممّا يُعالج بعض الاعتراضات على النظام القائم. كما سيُعزّز هذا المخطّط حجّةً قائمةً أصلاً في الدفاع عن المساعدات الأمريكية لإسرائيل: أنّها تُسهم في توفير فرص عملٍ لكبرى شركات التصنيع الأمريكية في مجالات الطيران والمركبات العسكرية وسائر أدوات الحرب.

والأهمّ من ذلك أنّ هذه الشراكة ستحظى بدعمٍ واسعٍ من قطاع الأعمال، ممّا سيجعل أيّ تدخّلٍ فيها أمراً بالغ الصعوبة لا سيّما أنّ الشراكة ستكون قادرةً على الاستمرار ذاتياً بعد تجاوز التكاليف الأوّلية، حتى لو سُحب الدعم الحكومي. وعند ذلك الحدّ، يغدو الضغط الشعبي عديم الأثر.

تكريس العلاقة بعيداً عن الإرادة الشعبية

كلّ ما سبق يهدف إلى صون قدرة إسرائيل على خوض الحرب بالأسلحة الأمريكية والدعم اللوجستي والاستخباراتي والتكنولوجي الأمريكي، بمعزلٍ عن إرادة الشعب الأمريكي.

إنّ تفكيك أسس العلاقة المدمّرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، التي تراكمت عبر عقودٍ من التشريعات والشراكات المؤسّسية الراسخة، مهمّةٌ عسيرة في أحسن أحوالها. وتسعى هذه التدابير إلى جعلها أشدّ عسراً.

وفي هذا الاستهتار الصريح بإرادة من ستموّل ضرائبهم كلّ هذا، يصعب تصوّر ما هو أشدّ تناقضاً مع مبادئ الديمقراطية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لـ وورلد برس عربي.

أخبار ذات صلة

Loading...
الرئيس نجيب بوكيلي يتحدث أمام علمي السلفادور والولايات المتحدة، مع إعلان ترشحه لولاية ثالثة في انتخابات 2027.

بوكيلة يُزيل العقبات أمام ولايةٍ ثالثة في السلفادور

رئيس السلفادور Nayib Bukele يعلن ترشحه لولاية ثالثة وسط جدل دستوري وانتقادات حقوقية حادة. اكتشف تفاصيل الإصلاحات وتأثيرها على مستقبل الديمقراطية والأمن في البلاد. تابع القراءة لمعرفة المزيد.
سياسة
Loading...
شاحنة عسكرية روسية تحمل منظومة دفاع جوي S-400 تُحمّل في طائرة شحن كبيرة، في سياق مفاوضات بيع المنظومات إلى الإمارات.

روسيا تفتح الباب لتركيا بيع أنظمة S-400 للإمارات

تتصاعد التوترات حول صفقة بيع منظومات S-400 التركية للإمارات وسط تحفّظات روسية وأمريكية معقدة. اكتشف تفاصيل المفاوضات التي قد تغيّر موازين القوة في الشرق الأوسط، تابع معنا لمعرفة المزيد.
سياسة
Loading...
شاحنات نقل متوقفة عند معبر حدودي بين الإمارات والسعودية تعكس تأخيرات متزايدة في حركة التجارة البينية بسبب التوترات السياسية والاقتصادية.

تأخّر التبادل التجاري بين السعودية والإمارات وسط التوتّرات

تشهد التجارة بين الإمارات والسعودية تأخيرات متزايدة وتعليق تحويلات مصرفية، مما يؤثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة ويزيد التوتر الاقتصادي بين الجارين الخليجيين. اكتشف المزيد عن تداعيات الأزمة الآن.
سياسة
Loading...
متظاهرون في تركيا يحملون لافتات تنتقد ترامب ونتنياهو وحلف الناتو خلال احتجاجات ضد قمة الناتو 2026 في أنقرة.

الأسلحة والإبادة في غزة: محركات الاحتجاجات المناهضة لحلف الناتو في تركيا

تتصاعد الاحتجاجات في تركيا ضد قمة حلف شمال الأطلسي 2026 وسط قمع واسع واعتقالات، مع رفض يساري متزايد لعضوية تركيا في Nato. اكتشف تفاصيل الأزمة واحصل على رؤية بديلة الآن.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية