مذكّرة التفاهم الأمريكية الإيرانية تغير وجه الاقتصاد الخليجي
مذكّرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية تفتح فرصاً جديدة لاستئناف التجارة والاستثمار بين إيران ودول الخليج رغم التحديات الأمنية والعقوبات. هل ستعيد رسم خريطة الاقتصاد الخليجي وتغيّر ديناميكيات المنطقة؟ تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

مذكّرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية: هل تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الخليجي؟
قد تُعيد مذكّرة التفاهم التي وقّعتها الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو رسمَ ملامح المشهد الاقتصادي في منطقة الخليج، إذ تفتح الباب أمام استئناف التجارة والاستثمار مع طهران بعد سنوات من الانقطاع.
يقوم الاتفاق في جوهره على التزامٍ برفع العقوبات المفروضة منذ أمد بعيد، وإدماج إيران بصورة أعمق في الشبكات الاقتصادية الإقليمية. ويدعو الإطار المقترح إلى رفع العقوبات الأمريكية الأوّلية والثانوية عن إيران، وإنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار تدعمه واشنطن وشركاؤها الإقليميون، لتمويل إعادة الإعمار والتنمية في البلاد.
بالنسبة إلى دول الخليج التي طالما نظرت إلى إيران بوصفها جاراً وفرصةً تجارية في آنٍ واحد، قد يُمثّل هذا الاتفاق منعطفاً حقيقياً.
وقد بادرت قطر إلى صياغة انفراج العقوبات في إطاره التجاري؛ إذ أكّد الأمير الشيخ تميم على هامش قمّة G7 أنّ ثمّة «فرص استثمارية ضخمة في إيران»، في إشارةٍ إلى أنّ بعض العواصم الخليجية ترى في الانخراط الاقتصادي ثمرةً محتملة للدبلوماسية الناجحة.
غير أنّ العقوبات ليست وحدها معادلة الأمر. فقد عزّزت أشهرٌ من الهجمات الإيرانية المباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة على دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) المخاوفَ الأمنية الراسخة، وأثارت تساؤلات جدّية حول مدى سرعة توسّع الانخراط الاقتصادي. ومع ذلك، تبقى مسألة كيفية تطوّر العلاقات الاقتصادية بين إيران ودول الخليج في ظلّ مذكّرة التفاهم الراهنة سؤالاً مفتوحاً.
قيود قائمة
على خلفية المصالحة الإيرانية-السعودية عام 2023، بدت الرياض مستعدّةً للشروع في مشاريع استثمارية واسعة النطاق داخل الجمهورية الإسلامية. وكان وزير المالية السعودي محمد الجدعان قد صرّح آنذاك بأنّ الاستثمارات في إيران قد تتحقّق «بسرعة كبيرة» في أعقاب اتفاق استعادة العلاقات الدبلوماسية.
بيد أنّ تلك الاستثمارات لم تتجسّد على أرض الواقع، ويُعزى ذلك جزئياً إلى استمرار العقوبات الأمريكية الثانوية على إيران. وتوفّر مذكّرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية إطاراً لإزالة هذه العقبات، إذ تدعو إلى رفع جميع العقوبات الأمريكية الأوّلية والثانوية، ومنح كافة التراخيص والإعفاءات والتصاريح اللازمة للمعاملات المالية بين إيران والمنطقة.
إلّا أنّ التنفيذ سيستغرق وقتاً، وفق ما يرى Robert Mogielnicki، الزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربي.
يقول: «حتى في أفضل السيناريوهات المتاحة لإيران، فإنّ المخاطر المرتبطة بالعقوبات لن تتبدّد في وقتٍ قريب».
ومن المرجّح أن تتريّث الشركات الإقليمية والدولية في تقييم مدى متانة أيّ اتفاقٍ نهائي بين واشنطن وطهران. فقد انسحبت الولايات المتحدة من خطّة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني، بعد ثلاث سنوات فحسب من توقيعها، وأعادت فرض العقوبات على إيران، ما اضطرّ شركاتٍ متعدّدة الجنسيات من بينها Boeing إلى الانسحاب من السوق الإيرانية بصورة شبه فورية.
وفي هذا الصدد، يقول Ali Ahmadi، الزميل التنفيذي في مركز Geneva للسياسة الأمنية: «من المهمّ أن نتذكّر أنّ الخشية من انسحاب الولايات المتحدة من JCPOA جعلت الأسواق الدولية مترددةً في حتى إقراض الأموال لإيران في السنوات التي سبقت الانسحاب الفعلي».
ويُضيف Ahmadi: «كون هذه القنوات المصرفية معلّقةً منذ فترة يعني أيضاً أنّ إعادة بناء هذه الروابط المالية لن تكون سريعةً أو سهلة، لا سيّما بالنسبة إلى كبرى البنوك العالمية ذات التعرّض الكبير للدولار».
ونتيجةً لذلك، يُرجَّح أن يكون الاستثمار الإقليمي الكبير في إيران تدريجياً، في انتظار استعادة ثقة المستثمرين وإعادة بناء البنية التحتية المالية اللازمة لدعم المعاملات العابرة للحدود.
في المرحلة الراهنة، يُتوقَّع أن تتوسّع التجارة القائمة بين إيران والمنطقة، وتحديداً في قطاعات السلع الاستهلاكية والإلكترونيات والسيارات والمستلزمات الصحية والأدوية ومواد البناء.
ويُلفت Amanj Yarwaessi، مدير مؤسسة MEED، إلى أنّ «كثيراً من النقاشات تتمحور حول مراكز التجارة الخليجية، لكنّ العراق حاضرٌ هو الآخر في هذا الحوار. فالعراق وإقليم كردستان يُيسّران بالفعل حجماً كبيراً من التجارة مع إيران عبر شبكات نقلٍ راسخة، ومنافذ حدودية متعدّدة، وعلاقاتٍ متجذّرة في القطاع الخاص».
الديناميكيات الأمنية
يبدو أنّ دول مجلس التعاون الخليجي مستعدّة للانخراط دبلوماسياً مع طهران، على الرغم من تعرّضها لهجمات متكرّرة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية منذ 28 فبراير. وقد رحّبت الدول الست الأعضاء في المجلس بتوقيع مذكّرة التفاهم في يونيو، التي أُبرمت بوساطة قطرية وباكستانية.
وأجرت سلطنة عُمان محادثاتٍ مع إيران حول إدارة مضيق هرمز، فيما أرسلت الدوحة ومسقط والرياض وفوداً إلى مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في 3 يوليو.
ويقول Mehran Haghirian، مدير الأبحاث في مركز أبحاث Bourse & Bazaar Foundation: «دول مجلس التعاون الخليجي تقع في صميم المفاوضات الجارية»، مضيفاً: «قطر وعُمان لا تمثّلان مصالحهما فحسب، بل مصالح المجلس بأسره».
وهذا يتناقض مع طبيعة علاقة إيران ببعض العواصم الخليجية قبل الحرب. ويوضّح Haghirian: «حتى بعد المصالحة الإماراتية-الإيرانية، كانت دبي تُوسّع تجارتها مع إيران، في حين كانت أبوظبي لا تزال تنظر إلى إيران بوصفها تهديداً لاستقرار المنطقة. ومن المثير للاهتمام أنّ الحرب الأخيرة أجبرت هذا التوتّر على الظهور إلى العلن».
كما كشفت الحرب الأخيرة أنّ المرحلة المقبلة من التقارب الإيراني-الخليجي ستتوقّف على ما إذا كان الانخراط الاقتصادي قادراً على مواكبة تقدّمٍ حقيقي على صعيد الأمن الإقليمي.
أسس الاندماج
لن تُقدم دول مجلس التعاون الخليجي على استثماراتٍ واسعة النطاق ما لم تُطمئن طهران العواصم الخليجية بأنّ التوترات الإقليمية لن تتصاعد من جديد.
ويرى Justin Alexander، مدير Khalij Economics: «لتحقيق المكاسب الجوهرية من الاستثمار والتجارة الخليجيَّين، ستحتاج إيران إلى إبداء ندمٍ حقيقي على الأضرار التي ألحقتها بدول الخليج، بما فيها سقوط شهداء من مواطنيها، والتعهّد بعدم العدوان مستقبلاً».
غير أنّه على الرغم من هذه القيود الأمنية، تظلّ الحوافز التجارية للاندماج الاقتصادي الأوثق كبيرةً لكلا الطرفين. فشبكات التجارة القائمة، والعلاقات التجارية الراسخة، والقرب الجغرافي كلّها عوامل تعني أنّ الاندماج الاقتصادي الإقليمي سيبني على روابط تجارية موجودة بالفعل، لا أنّه سيُنشئها من العدم.
ويُشير Haghirian إلى أنّ «ثمّة عقدين من العلاقات التجارية الإنسانية الوثيقة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي». وهذه الروابط التي تشمل التجّار وشركات اللوجستيات والموزّعين والمستثمرين العاملين عبر الخليج وإيران أفرزت شبكاتٍ تجارية صمدت رغم سنوات من التوتّر في العلاقات الإيرانية-الخليجية، وجولاتٍ متعاقبة من العقوبات الأمريكية.
وهذا ما يُوفّر أرضيةً صلبة يمكن على أساسها توسيع الاندماج الاقتصادي الإقليمي الأشمل، متى تراجعت القيود المالية والأمنية.
أخبار ذات صلة

تحالف نتنياهو مع الحريديم يظهر شقوقاً قبل الانتخابات الحاسمة

جرافات إسرائيلية تقتلع أشجار الزيتون بالضفة الغربية قبل موسم الحصاد

الإرهاب الاستيطاني: التجسيد المعاصر للحلم الصهيوني
