محكمة دولية تحت الهجوم الأمريكي المستمر
يواجه نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هجمات أمريكية ممنهجة تهدد العدالة الدولية وتدفع الدول الأوروبية للتخاذل. مقال يكشف خطورة هذه الحملة ويدعو لرد دولي حازم للحفاظ على سيادة القانون وحقوق الضحايا وورلد برس عربي.

قبل ثمانية وعشرين عاماً، صوّتت 120 دولة لصالح اعتماد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. ومنذ ذلك الحين، يُحتفل كل عام في 17 يوليو بـيوم العدالة الدولية، الذي يُتيح للدول ومنظمات المجتمع المدني وسائر الأطراف المعنية فرصةً للتأمّل في ثقل مهمة المحكمة، وتجديد التزامها بالقيم التي يقوم عليها النظام الأساسي.
غير أنّ هذا العام لم يكن يوماً للاحتفال. البيانات المعتادة التي تُطلَق في هذه المناسبة بدت جوفاء، لا تعكس واقعاً يستحق الاحتفاء به.
في عهد الرئيس Donald Trump، تعرّضت المحكمة الجنائية الدولية لـهجومٍ ممنهج، فيما اكتفت الدول الأطراف إما بردود فعل فاترة في مواجهة هذه الانتهاكات، أو عجزت عن صياغة استجابة ذات معنى.
هذا التقاعس، مضافاً إليه الخطاب التخريبي والإخفاق المتعمّد في دعم عمل المحكمة في اللحظات الحاسمة، لا يمكن تفسيره إلا بوصفه خيانةً صريحة للالتزامات المُبرمة. والأشدّ إيلاماً أن يصدر ذلك عن الدول والمنظمات الأوروبية، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، التي طالما قدّمت نفسها حاميةً للمحكمة وداعمةً لها حين كان ذلك يخدم مصالحها.
الأسبوع الماضي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio عن "حملة شاملة لتفكيك التهديد" الذي تمثّله المحكمة الجنائية الدولية بزعمه للسيادة الأمريكية. وقال إنّ ذلك سيستلزم "استجابةً حكومية شاملة لتعطيل قدرة المحكمة على العمل، واستهداف العسكريين أو المسؤولين الأمريكيين، أو تهديد السيادة الأمريكية بأي شكل آخر".
وذهب Rubio أبعد من ذلك حين أكّد للرأي العام أنّ الولايات المتحدة ستوظّف كل أدوات الحكومة المتاحة لـ"تفكيك المحكمة الجنائية الدولية لبنةً لبنة إن اقتضى الأمر".
هذه ليست تهديدات فارغة، بل هي تصعيدٌ خطابي وتنظيمي كما سنشهد على الأرجح في المستقبل للإجراءات القسرية التي سبق أن مارستها الإدارة الأمريكية ضد المحكمة.
حملةٌ خطرة ومتهوّرة
في العام الماضي، فرضت إدارة Trump عقوباتٍ على 11 مسؤولاً في المحكمة الجنائية الدولية بموجب الأمر التنفيذي 14203، من بينهم ثمانية قضاة يمثّلون ما يقارب نصف هيئة المحكمة، فضلاً عن المدّعي العام ونائبَين للمدّعي العام.
وطالت العقوبات ذاتها المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة Francesca Albanese وثلاث منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان، عقاباً لها على عملها في مجال المساءلة عن الجرائم الدولية الموثّقة على نطاق واسع التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في فلسطين.
الحملة الأمريكية ضد المحكمة الجنائية الدولية بالغة الخطورة بقدر ما هي متهوّرة. وهذه الإجراءات تستوجب إدانةً قاطعة وردّاً حازماً من الدول الأخرى، يتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي. صحيحٌ أنّ البيانات الدبلوماسية التي تُعرب عن القلق وتُشير إلى عدم مقبولية هذه الإجراءات كانت في محلّها في يناير 2025، لكنّها لم تعد كافية اليوم.
الهدف الحقيقي وراء الهجمات الأمريكية على المحكمة هو إرغامها وإرغام الدول الأطراف على الخضوع، وترسيخ الإفلات من العقاب على الجرائم الجسيمة الماضية والمستقبلية التي ترتكبها القوات الأمريكية أو الحليفة ولا سيما الإسرائيلية على الأراضي الخاضعة لولاية المحكمة.
القانون في صفّ المحكمة الجنائية الدولية. فهي تتعرّض للانتقاد لأنّها تُطبّق القانون بالتساوي على الجميع وهو ما لا يُشير إليه Rubio ولا رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu ولا الرئيس الروسي Vladimir Putin في خطاباتهم الهجومية.
والمفارقة أنّ إعلان Rubio عن تفكيك المحكمة لا يُثبت في حقيقته إلا أهمّيتها ومكانتها، رغم التحدّيات التي تواجهها. أن تُعدّ المحكمة تهديداً في نظر المنتهكين المتسلسلين للقانون الدولي هو في حدّ ذاته شهادةٌ لصالحها، تكشف بجلاء عن دورها في العالم.
حتى من الناحية النظرية، ناهيك عن التطبيق الفعلي، لا تُشكّل المحكمة الجنائية الدولية أي تهديد لسيادة الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى. فباستثناء الإحالات الصادرة عن مجلس الأمن، لا تمتدّ ولاية المحكمة القضائية إلا على الجرائم التي يرتكبها مواطنو الدول الأطراف أو تلك التي تقع على أراضيها كأفغانستان وفلسطين أو الدول التي قبلت اختصاص المحكمة طوعاً، وهي حرّة في قرار التعامل معها من عدمه.
فضلاً عن ذلك، لا تُقبل أي قضية أمام المحكمة إذا اتّخذت دولةٌ ذات ولاية قضائية إجراءاتٍ جادّة لضمان المساءلة وهو مجالٌ لا تملك فيه الولايات المتحدة ولا إسرائيل سجلاً يُشار إليه.
التدخّل الأمريكي في سيادة الدول الأطراف
بإنكارها اختصاص المحكمة في النظر بالجرائم التي تقع ضمن الولاية الإقليمية للدول الأطراف حين يرتكبها مواطنون أمريكيون أو إسرائيليون، تنتهج الولايات المتحدة في الواقع سياسةً تحرم هذه الدول من حقّها السيادي في منح المحكمة الاختصاص القضائي في مثل هذه الحالات.
هذا الموقف يتعارض مع مبدأ الإقليمية (territoriality principle) والمسلّمة القانونية غير المثيرة للجدل القائلة بأنّ الدولة التي تملك الولاية القضائية يجوز لها تفويض ممارستها إلى محكمة دولية. وهذا الموقف الأمريكي المتجذّر في الاستثنائية (exceptionalism) يُشكّل في جوهره تدخّلاً في سيادة 125 دولة طرفاً في المحكمة.
والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على قضاة المحكمة ومدّعيها العام مخالفةٌ صريحة للقانون الدولي؛ فهي من جهة تمتدّ بآثارها خارج الحدود الأمريكية لتتعدّى على ولاية دول أخرى، ومن جهة أخرى تُشكّل تدخّلاً سافراً في استقلالية المحكمة القضائية والاتهامية، وهو ما لا يليق بدولة تدّعي احترام سيادة القانون.
حتى بوصفها دولةً غير طرف، تلتزم الولايات المتحدة باحترام المبدأ القانوني الدولي القاضي باستقلالية المحاكم والهيئات القضائية الدولية.
وبما أنّ الولايات المتحدة طرفٌ أو راعيةٌ لعددٍ من المحاكم الدولية والخاصة التي تُقنّن وثائقها التأسيسية هذا المبدأ، فإنّها لم تدّعِ قطّ أنّ مبدأ الاستقلالية القضائية الدولية مبدأٌ باطل. ولا يمكن اعتبارها "معترضاً مستمراً" (persistent objector) على هذا المبدأ في ما يخصّ محكمةً دوليةً بعينها اختارت عدم الانضمام إليها.
إنّ حقّ الدول في أن تنضمّ إلى المحكمة الجنائية الدولية وتبقى أطرافاً فيها، في ظلّ قضاةٍ ومدّعين عامّين وموظّفين محمّيين من المضايقة والإكراه، هو مظهرٌ من مظاهر سيادتها وعلى الولايات المتحدة احترام هذه الاستقلالية بوصفها التزاماً بمبدأ عدم التدخّل. فالهجمات على استقلالية المحكمة هي في جوهرها هجماتٌ على الاستقلالية القضائية والاتهامية في كل مكان، وبخاصة في الدول المشاركة.
وعليه، فليست السيادة الأمريكية هي المهدَّدة من قِبَل المحكمة تلك التي يصفها Rubio بـ"الحَكَم العالمي غير الخاضع للمساءلة" بل سيادة الدول الأطراف في المحكمة هي التي تتعرّض للهجوم من قِبَل القوة المهيمنة التي تنصّب نفسها في هذا الدور بالذات.
درء الأسوأ قبل فوات الأوان
حتى الآن، تصرّفت الدول الأطراف إما بغفلةٍ عمّا يجري، أو بتعمّد إنكار حقيقة أنّ هذا الهجوم المفتوح على المحكمة هو في الوقت ذاته هجومٌ غير مباشر على سيادتها هي.
وقد بذلت هذه الدول جهداً هزيلاً لتعزيز استقلالية المحكمة وحماية مسؤوليها من التخويف والانتقام وهو سلوكٌ يُشكّل جرائم ضد سير العدالة بموجب المادة 70 من نظام روما الأساسي في حين أنّها كانت ستتحرّك بسرعة أكبر وبحزمٍ أشدّ لو أنّ قوةً معادية استهدفت منظوماتها القضائية الوطنية.
كذلك أخفق الاتحاد الأوروبي، على مدى أكثر من عام ونصف، في تعديل قانون الحجب الخاص به لحماية الجهات التجارية من العقوبات الأمريكية الثانوية، لأسبابٍ لا تزال غامضة وغير مفهومة.
وقد أخفقت استراتيجية استرضاء Trump بشكل منتظم على كل الجبهات. وتركت المحكمة الجنائية الدولية مكشوفةً أمام هجماتٍ شرسة تُنفَّذ في ظلّ إفلاتٍ تامّ من العقاب. والنتيجة أنّ المحكمة تواجه اليوم أشدّ أزماتها خطورةً في ربع قرن من عمرها، أزمةً أفضى إليها تراجع التزام الدول الأطراف وإخفاقها في الدفاع عن المحكمة في مواجهة دولةٍ كانت حليفةً بالأمس، يحكمها اليوم نظامٌ خرج عن أعراف الشرعية الدولية.
يجب إنقاذ المحكمة الجنائية الدولية الآن، قبل فوات الأوان. وإن لم تتجاوز الهاوية بعد، فذلك يعود إلى كوادرها المتفانية الشجاعة التي تواصل عملها في ظروفٍ بالغة الصعوبة. بيد أنّ صمود المحكمة لا ينبغي أن يُختبر إلى ما لا نهاية؛ فهي مؤسسةٌ قضائية لا مركبةٌ لاختبار الاصطدامات. وبوقوف الدول الأطراف إلى جانب محكمتها، فإنّها تنتصر في الوقت ذاته لسيادتها.
لم يعد بالإمكان تصوّر مشهد العدالة الدولية بمعزل عن المحكمة الجنائية الدولية. ولا يزال ثمة أملٌ في درء الأسوأ. فالدول الأطراف استثمرت موارد ضخمة على مدى 24 عاماً، وربطت مصداقيتها في مجال سيادة القانون بدعم هذه المؤسسة. لكنّ استمراريتها ومستقبلها يتوقّفان على خيارها: أن تقف إلى جانبها، أم أن تُضحّي بها على مذبح حسابات سياسية ضيّقة الأفق.
ثمة من الأسباب ما يكفي لحمل الدول على ضمان بقاء المحكمة بشكلٍ أو بآخر. غير أنّ جودة هذا البقاء هي ما يُحدّد المعنى الحقيقي.
يجب أن تخرج المحكمة الجنائية الدولية من هذه المحنة الوجودية بنزاهتها واستقلاليتها سليمتَين. وإلا، فستغدو مشروعاً أتاحت له الدول الأطراف أن يُخفق. وفي تلك الحالة، لن يبقى ما يستحق الاحتفال به في 17 يوليو من الأعوام المقبلة وهو احتمالٌ لا يتمنّاه أحد في يوم العدالة الدولية.
أخبار ذات صلة

مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية: تحقيقٌ تحوّل إلى استفتاءٍ سياسي

قاضٍ أمريكي يحكم لصالح ناشط فلسطيني-أمريكي في قضية مصادرة الهاتف

والدة ناشط فلسطيني: ابني أمضى السنة الأخيرة من حياتها خلف القضبان
