سجن فندق في غينيا الاستوائية لطالبي اللجوء
فندق Bamy في غينيا الاستوائية تحول لسجن لطالبي اللجوء المرحّلين من أمريكا باتفاق غامض يهدد حياتهم في بلدانهم الأصلية. قصص خوف وضغوط نفسية في مكان فاخر لكنه قيد لا مفر منه على وورلد برس عربي.





في نظرة أولى، لا يختلف فندق Bamy عن سواه من فنادق هذه الجزيرة الاستوائية قبالة الساحل الأفريقي الوسطي؛ ممرٌّ تُظلّله أشجار النخيل، وردهةٌ تكسوها الرخام، وصورة رئيس هذا البلد النفطي معلّقةٌ خلف مكتب الاستقبال المصنوع من خشب الماهوغاني.
غير أنّ فندق Bamy الموحش في خلوّه لم يعد ملاذاً للسياح الباحثين عن المغامرة، ولا للمسافرين من رجال الأعمال. منذ أواخر العام الماضي، لا يقطنه إلا عددٌ قليل من الناس، وهم ليسوا في إجازة. إنّهم محتجزون بالإكراه.
بموجب صفقةٍ غامضة بقيمة 7.5 مليون دولار أبرمتها إدارة Trump، حوّل الرئيس المطلق الصلاحيات في غينيا الاستوائية، Teodoro Obiang Nguema Mbasogo، هذا الفندق المملوك لعائلته إلى سجنٍ لطالبي اللجوء المُرحَّلين من الولايات المتحدة.
لكنّ الفندق ليس سوى محطّة عبور. من بين ما لا يقلّ عن 32 شخصاً احتُجزوا فيه منذ نوفمبر وكان القضاء الأمريكي قد منحهم جميعاً الحماية، وفق ما أكّده محاموهم أُجبر 25 منهم على العودة إلى بلدانهم الأصلية في أفريقيا، حيث قد تتهدّدهم أخطار جسيمة. أمّا الباقون فيتعرّضون لضغوط متواصلة من السلطات لإجبارهم على المغادرة.
يقول شابٌّ يبلغ 26 عاماً من إحدى دول أفريقيا الشرقية، احتُجز في الفندق: «كان يأتي مسؤولون حكوميون في كلّ وقت ويسألون: أين جواز سفرك؟ عليك أن تعود إلى بلدك.» تحدّث الشاب بشرط عدم الكشف عن هويّته خشية الانتقام، وكذلك فعل اثنان آخران من المُرحَّلين الذين أجريت معهم مقابلات.
يقول محامو الهجرة إنّ إدارة Trump توظّف الترحيل إلى دول ثالثة ثغرةً قانونية لإعادة طالبي اللجوء قسراً إلى بلدانهم الأصلية بصورة غير مباشرة.
ولأنّ غينيا الاستوائية تخضع لحكمٍ استبدادي كما هو حال بعض الدول الأخرى التي أبرمت اتفاقيات مماثلة يصعب على الصحفيين الأجانب زيارتها والإبلاغ مباشرةً عن الأوضاع فيها.
ضغوط للعودة إلى بلدانٍ يخشونها
محاصرون في بلدٍ لم يسمع به كثيرون منهم قبل وصولهم إليه، يتجوّل رجالٌ ونساء من أنغولا وإريتريا وإثيوبيا وموريتانيا في ممرّات الفندق الطويلة، ويحدّقون من النوافذ في مسبحٍ لامعٍ لا يُسمح لهم باستخدامه.
لم يتعرّضوا لأيّ إساءة جسدية، لكنّهم يعيشون ضغطاً نفسياً حاداً في ظلّ يقينهم بأنّهم على الأرجح في طريقهم إلى بلدانٍ يخشون العودة إليها.
يقول الشاب من أفريقيا الشرقية: «أنا خائفٌ ومكتئب.»
ويضيف أنّه سيُسجَن أو يُقتل إن أُعيد قسراً إلى بلده، بسبب انتمائه العرقي وفراره منه. ويؤكّد خبراء حقوق الإنسان أنّ جميع طالبي اللجوء في الفندق يواجهون خطر الاضطهاد في حال عودتهم.
بموجب سلسلة من الاتفاقيات الملتبسة والسرية في أغلب الأحيان، رحّلت إدارة Trump آلاف الأشخاص إلى ما يقارب عشرين دولة ليست بلدانهم الأصلية، وفق ما يقوله المناصرون، في إطار حملة الولايات المتحدة الواسعة على الهجرة. وتنتمي معظم هذه الدول إلى العالم النامي، وفق ما رصدته مجموعة Third Country Deportation Watch، من بينها نحو اثنتي عشرة دولة أفريقية. ويرى الخبراء أنّ الدول التي تقبل المُرحَّلين قد تفعل ذلك طمعاً في كسب ودّ واشنطن في مفاوضات تتعلّق بالتجارة أو الهجرة أو المساعدات.
رفضت إدارة Trump التعليق على تفاصيل اتفاقيتها مع غينيا الاستوائية. وقال متحدّثٌ باسم وزارة الخارجية: «نحن ثابتون في التزامنا بوضع حدٍّ للهجرة غير الشرعية والجماعية.»
ولم تردّ إدارة Obiang على طلب التعليق.
أسرى بين العبثي والرتيب
بينما كان الشاب من أفريقيا الشرقية يروي قصّته في فندق Bamy، كان مرافقٌ حكومي لا يكاد يُحسن الإنجليزية يجلس قريباً منه في قاعة اجتماعات خاوية، منكبّاً على هاتفه.
قال الشاب إنّه سافر من أفريقيا إلى البرازيل، ثم وصل في أغسطس 2024 إلى الحدود الأمريكية حيث اعتُقل. بعد ذلك، تنقّل بين مراكز الهجرة في كاليفورنيا وأريزونا ولويزيانا، قبل أن ينتهي به المطاف في غينيا الاستوائية منذ نحو ستة أشهر.
يصف روتينه اليومي في الفندق بأنّه رتيبٌ إلى حدٍّ يجعل المكان كلّه يبدو كابوساً سيريالياً. ينام في غرفٍ فارهة نادراً ما تُنظَّف، ويُقدَّم له الأرزّ واللحم على طاولاتٍ مغطّاة بمفارش بيضاء داخل مطعم الفندق. وبعد أن أصابه الغثيان من الطعام مرّات عدّة، بات يكتفي بأدنى قدرٍ ممكن منه.
يأتي محامٍ محلّي بفرش أسنان جديدة وشرائح SIM للهواتف، وبمنتجات نسائية للنساء.
أمّا الرعاية الطبية فكانت متذبذبة؛ نُقل الشاب إلى المستشفى فور شكواه من مشكلة في عينه، لكن حين أصابه الملاريا والتيفوئيد، لم يُنقل إلى المستشفى إلا بعد أن تدهورت حالته بشدّة، وبات يحتاج إلى تسريب وريدي. وقال إنّ محتجزين آخرين مرّوا بتجارب مماثلة.
وفي حادثةٍ مؤخّراً، شكا الشاب لضابط شرطة من أوضاعه، فردّ عليه الضابط بأنّ مشاكله ستزول لو توجّه إلى الطابق الرابع من الفندق وقفز من النافذة.
يقول الشاب وجسده النحيل يرتجف: «ماذا أفعل الآن؟ الأمور ازدادت سوءاً. بدأت أفقد عقلي.»
علاقةٌ أمريكية ملتبسة مع غينيا الاستوائية
تُعدّ غينيا الاستوائية من أغنى دول أفريقيا بفضل ثرواتها النفطية، غير أنّها تعجّ بالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان وفق ما يوثّقه مسؤولون أمريكيون.
مستعمرةٌ إسبانية سابقة، غرقت البلاد في الفقر بعد استقلالها عام 1968، قبل أن يتبدّل حالها في تسعينيات القرن الماضي حين بدأت شركاتٌ أمريكية في التنقيب عن النفط على امتداد سواحلها الشاسعة. أحدث الازدهار النفطي تحوّلاً جذرياً في الاقتصاد، إلا أنّ أكثر من نصف السكّان لا يزالون يعيشون في فقر.
وفق منظّمات حقوق الإنسان، ذهبت الثروة النفطية في معظمها إلى جيوب Obiang وعائلته. ويوثّق نجله وولي عهده Teodoro "Teodorin" Obiang Nguema، البالغ 57 عاماً، أسلوب حياته المترف على TikTok استجماماً في مسابح لا نهاية لها، وولائم من الكركند، ورحلاتٍ على طائرات خاصة فيما يُحرم مواطنو غينيا الاستوائية من الوصول إلى المنصّة ذاتها.
وقد خضع Teodorin لعقوبات دولية بسبب الفساد المستشري في عهد والده، لكنّ الولايات المتحدة رفعت العقوبات عنه، ما أتاح له حضور اجتماعٍ رفيع المستوى في الأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر الماضي، أي قبل أسابيع قليلة من بدء عمليات الترحيل إلى غينيا الاستوائية.
لا توجد أصواتٌ معارضة تكاد تُسمع في غينيا الاستوائية، إذ تتّهم منظّمات حقوق الإنسان ووزارة الخارجية الأمريكية الحكومةَ باحتجاز المعارضين وتعذيبهم بل وقتلهم. ومع ذلك، تبقى الشركات الأمريكية أكبر المستثمرين الأجانب في البلاد، فيما تتلقّى قوّاتها المسلّحة تمويلاً أمريكياً لأغراض التدريب.
مهاجرٌ من أفريقيا الشرقية ينتظر مصيره
المحتجزون الذين لا يزالون في فندق Bamy يعلمون أنّهم قد يُرحَّلون إلى بلدانهم في أيّ لحظة.
زار ممثلو المنظّمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، ووكالة اللاجئين الأممية، الفندقَ في نوفمبر، ووعدوا المحتجزين بالعودة. لكنّهم لم يعودوا.
الشاب من أفريقيا الشرقية هو الوحيد من بينهم الذي أُتيح له الاستعانة بمحامٍ، دون أن يتّضح السبب في ذلك.
وبينما لا تمتلك غينيا الاستوائية أيّ سياسة للجوء، تقدّم محاميه بطلبٍ رسمي إلى مكتب رئيس الوزراء رهانٌ بعيد المنال، لكنّه يستحقّ المحاولة إن كان ثمّة أيّ أملٍ في الإفراج عنه. وقيل له إنّه يحتاج إلى التماس العفو من نائب الرئيس، إلا أنّ طلب لجوئه رُفض.
وفي صباح اليوم التالي، رُحِّل خمسة أشخاص آخرون، تاركين إيّاه في حالةٍ من الهلع وهو ينتظر مصيره. وقيل له إنّه سيكون التالي.
أخبار ذات صلة

رئيس "بن أمريكا" يستقيل ويتهم المؤسسة الأدبية بمحو الفلسطينيين

إسرائيل تمنع وصول الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين رغم حكم قضائي

قيادي إسباني سابق يواجه انتقادات لتصريحاته حول فريق فرنسا بكأس العالم
