أحلام مهجّري إثيوبيا تتحطم في غارات اليمن
رحلة مأساوية لشباب إثيوبيين يبحثون عن مستقبل أفضل تنتهي بغارة جوية أمريكية تقتل العشرات وتترك ناجين معاقين وأسرًا مدمرة في قلب مأساة الهجرة واليأس في ظل ظروف قاسية على الحدود اليمنية السعودية وورلد برس عربي.

وُلد هيووت مهاري في كنف الفقر، في منطقةٍ لا تتيح لشبابها سوى أفقٍ ضيّق. فاختار الطريق الأكثر خطورةً: التهريب من إثيوبيا عبر البحر الأحمر إلى اليمن، على أملٍ في الوصول إلى المملكة العربية السعودية.
قضى عامين في منطقة «راغو» الحدودية الدامية بين اليمن والسعودية، قبل أن تُلقي به قوات الأمن الحدودية في السجن. وفي 28 أبريل 2025، كان مهاري واحداً من عشرات المهاجرين الإثيوبيين الذين لقوا حتفهم في غارةٍ جوية أمريكية استهدفت مركز احتجاز المهاجرين في صعدة، شمال غرب اليمن.
في اليوم التالي، عند الظهر، تلقّى والداه الخبر في منزلهما في منطقة تسيراي بإقليم تيغراي المنهك من الحرب، على لسان أحد الجيران. كانت الصدمة مروّعة، لا سيّما أنّهما كانا قد تحدّثا إليه قبل الغارة بيومٍ واحد. قال لهما وقتها: «سيُطلقون سراحنا قريباً وسنلتقي.»
قال والده مهاري أكيزا ، وهو يجلس إلى جانب زوجته في منزلهما بشمال إثيوبيا: «كان من الصعب جداً أن أتقبّل الأمر كوالدٍ، ولم نستطع تجاوز هذه الصدمة.»
وأضاف بصوتٍ مكسور: «لا أزال غير قادرٍ على تصديق أنّ ابني رحل. أقول لنفسي أحياناً إنّه سيعود، وأنتظر اتصاله. كيف لي أن أصدّق؟ لم أتمكّن حتى من دفنه كما يليق.»
أسفرت الغارة الأمريكية على مركز الاحتجاز في المنطقة الخاضعة لسيطرة الحوثيين عن مقتل ما لا يقلّ عن 68 مهاجراً أفريقياً وإصابة 47 آخرين. وأكّد ناجون من الغارة تحدّثوا إلى أنّ جميع القتلى كانوا من الإثيوبيين، وكلّهم رجال، وأغلبهم في مطلع العشرينيات من أعمارهم.
كان هيووت مهاري شاباً يحمل طموحاً واحداً: أن يغيّر حياته ويُعين أسرته التي تعاني من ضائقةٍ اقتصادية في منطقةٍ ريفية نائية من شمال إثيوبيا.
سألت والدته مبرات جبري بصوتٍ متقطّع ودموع تملأ عينيها: «لماذا قتلت أمريكا ابني وفخري؟» ثم أضافت: «لم أسمع في حياتي بحكومةٍ تقتل السجناء دون سببٍ وجيه.»
حزن والدَي هيووت مهاري ليس استثناءً، بل هو صورةٌ مكرّرة في إثيوبيا التي يناهز عدد سكّانها 140 مليون نسمة، ويشعر كثيرٌ من شبابها بأنّهم مضطرّون إلى خوض هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر نحو دول الخليج بحثاً عن عمل.
تسيروي هايلو كان شاباً آخر لقي حتفه في الغارة ذاتها. كان أكبر أشقّائه الأربعة، وقد فقد والده وهو صغير، فربّته أمّه حتى بلغ الثانية والعشرين، حين غادر إلى اليمن. أصبح هايلو العائل الوحيد للأسرة، ووصل إلى اليمن عام 2022 «ليحقّق حلمه»، وفق ما قالته والدته برهان أكيزا البالغة من العمر 47 عاماً.
قالت : «روحي انكسرت، كان كلّ شيءٍ بالنسبة لي. لم يكن ابني فحسب، بل كان من حمل عبء الأسرة بعد وفاة والده قبل اثني عشر عاماً.»
وزاد من عمق مأساتها أنّها رأت مقاطع مصوّرة مروّعة تُظهر جثثاً متعدّدة تحت أنقاض المبنى المدمَّر. وقد عاشت برهان سابقاً رعب الطائرات المسيّرة الإماراتية التي كانت تحلّق في سماء تيغراي وتقتل المدنيين خلال الحرب، فباتت تستحضر تلك الصور حين تفكّر في مصير ابنها.
قالت: «رأيت اللقطات المروّعة على هاتف أحدهم. أحياناً أتخيّل ابني ممزّق الجسد. أعرف كيف تقتل الطائرات المسيّرة الإنسان.»
شهادات الناجين من الغارة
لم تكتفِ الغارة الأمريكية بتحطيم أحلام الشباب الإثيوبيين وتمزيق عائلاتهم، بل خلّفت كثيراً من الناجين يعانون من إعاقاتٍ دائمة: بتر أطراف، وأضرار عصبية بالغة، وصدمات نفسية عميقة.
تم التحدّث إلى ثلاثة مهاجرين إثيوبيين أُصيبوا بجروحٍ بالغة في الهجوم. اثنان منهم لا يزالان في اليمن، وعاد الثالث إلى إثيوبيا. وجميعهم يعتمدون على الآخرين في تدبير شؤونهم اليومية.
أصيب هابن تويمزغي، 27 عاماً، بجروحٍ بالغة في كلتا ساقيه وكلتا يديه، ولا تزال شظايا معدنية مغروسة في عظامه، فيما تتدهور حالته بسبب شحّ الرعاية الطبية.
قال تويمزغي عبر WhatsApp من مدينة عدن اليمنية: «أنا كمن يعيش بين الحياة والموت. أتمنّى أحياناً لو أنّني متُّ بدلاً من أن أعيش هكذا.»
هاجر هذا الشاب الذي كان يفيض حيويةً وطموحاً إلى اليمن قبل سبع سنوات، لا بنيّة الاستقرار فيه، بل لادّخار ما يكفيه لفتح مشروعٍ تجاري والعودة إلى أسرته. أمّا اليوم، فيرى أنّ الولايات المتحدة وإدارة الرئيس Donald Trump قد حطّمت مستقبله.
قال: «أمريكا Trump أبخرت كلّ أحلامي. غادرت وطني وأنا أملك ساقين، وسأعود على نقّالة.»
ثم أضاف بمرارة: «ماذا أفعل؟ أنا فقير. من يستطيع مقاضاة أقوى دولةٍ في العالم؟»
أمّا هايلي وولداي، 25 عاماً، فقد أصيب في ساقه ويده، ويعيش الآن في ألمٍ متواصل.
قال : «لا مستقبل أنتظره. جئت لأجني المال وأُطعم أسرتي، والآن الناس هم من يُطعمونني.»
وتحدّث ناجٍ ثالث من منطقة غولوميكيدا في تيغراي، اشترط عدم الكشف عن هويّته، عن إصاباتٍ بالغة في ساقه وعينه لا تزال تحتاج إلى علاجٍ لا يقدر على تحمّل تكاليفه.
قال: «كنت رجلاً يحمل حلماً كبيراً قبل أن تقلب أمريكا حياتي رأساً على عقب. لم أتخيّل يوماً أن أكون عبئاً على أسرتي.»
لا محاسبة ولا عدالة
على الرغم من المطالبات بفتح تحقيقٍ في الغارة، لا يُلوح في الأفق أيّ تقدّمٍ نحو المحاسبة أو التعويض، وفق ما أكّدته منظمة العفو الدولية.
قالت Erika Guevara Rosas من منظمة العفو الدولية في أبريل: «بعد مرور عامٍ كامل، لم يُحاسب المسؤولون الأمريكيون أحداً، ولم يُوضّحوا حتى ما آلت إليه التحقيقات التي أعلنوا عنها قبل عام. لا تزال أسر القتلى محرومةً من المعلومات الأساسية حول ما جرى، ودون أيّ عدالةٍ لذويهم.»
بعد أكثر من عامٍ على الغارة، لا تزال الأسر في شمال إثيوبيا النائي ترزح تحت وطأة الحزن، وتُواصل مطالبتها بالعدالة والإجابات.
قال مهاري أكيزا، والد هيووت: «يبدو أنّ العالم نسي موت أبنائنا. نريد تعويضاً.»
وقال غيرماتشيو أدوغنا، الباحث في شؤون الهجرة المتخصّص في إثيوبيا والقرن الأفريقي: «تستحقّ أسر المهاجرين الإثيوبيين الذين قُتلوا في الغارة العدالةَ كاملةً، بما يشمل تحقيقاً شفّافاً، ومحاسبةً للمسؤولين، وتعويضاً مناسباً حيثما وجب ذلك.»
الهجرة الإثيوبية نحو الخليج
في السنوات الأخيرة، سعت الحكومة الإثيوبية إلى تثبيط الهجرة غير النظامية، وأبرمت اتفاقياتٍ مع عددٍ من دول الخليج تهدف إلى تحسين ظروف العمل للعمالة المنزلية. وبلغ عدد العمال الذين جرى إيفادهم بصورةٍ رسمية إلى الخارج أكثر من 500,000 عامل عام 2025، وفق وزارة العمل والمهارات الإثيوبية، التي تُيسّر بالتعاون مع المنظمات الإنسانية إعادة آلاف العمال المهاجرين من الخليج.
غير أنّ هذه الجهود الرسمية لم تُوقف موجة الهجرة غير النظامية، لا سيّما من تيغراي التي لا تزال تتعافى من حرب 2020-2022 المدمِّرة. ويواصل كثيرٌ من هؤلاء المهاجرين وأغلبهم من الرجال رحلاتٍ محفوفة بمخاطر الاحتجاز والإساءة، وأحياناً الموت.
وتواصل الهجرة غير النظامية إلى اليمن ارتفاعها؛ ففي يونيو 2025، دخل أكثر من 13,300 مهاجر إلى اليمن، ويُقدَّر أنّ 95% منهم قادمون من إثيوبيا، وفق المنظمة الدولية للهجرة (IOM).
يظلّ شحّ فرص العمل اللائق واستمرار النزاعات المسلّحة في الداخل المحرّكَين الرئيسيَّين اللذَين يدفعان الشباب نحو الهجرة غير النظامية رغم مخاطرها الجسيمة.
قال أدوغنا: «الاتفاقيات الثنائية للعمالة القائمة تُتيح في معظمها فرصاً للعمل المنزلي للنساء، ممّا يُضيّق خيارات الهجرة القانونية أمام الرجال الشباب. ينبغي أن تُولي استراتيجية إثيوبيا للهجرة العمالية اهتماماً أكبر بحماية حقوق العمال المهاجرين وسلامتهم ورفاهيتهم، من لحظة مغادرتهم حتى عودتهم.»
لكنّ بعض الإثيوبيين لا يعودون أبداً.
أخبار ذات صلة

تفشّي إيبولا 2024: معدّل انتشار يتجاوز أسوأ تفشٍّ موثّق

تفشي الإيبولا في الكونغو وأوغندا: خبراء يحللون أزمة تجاوزت الألف وفاة

تفشي الإيبولا في الكونغو: الوفيات تتجاوز 930 بينهم عاملون صحيون
