وورلد برس عربي logo

جرائم العنف الجنسي في السودان سلاح الحرب الممنهج

قوّات الدعم السريع مسؤولة عن 87% من جرائم العنف الجنسي في السودان، وفق تقرير الأمم المتحدة. يُستخدم الاغتصاب والاستعباد كأدوات حرب، مما يهدد مستقبل المدنيين. اكتشف التفاصيل الصادمة في تقريرنا.

امرأة تحمل وعاءً على رأسها في مخيم للنازحين، مع خيام ومبانٍ بسيطة في الخلفية، تعكس معاناة المدنيين في السودان خلال النزاع.
امرأة سودانية تحمل الماء في مخيم أبو النجا للنازحين بولاية القضارف، على بعد 420 كم شرق العاصمة الخرطوم، في 6 فبراير 2026 (أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قوّات الدعم السريع مسؤولة عن الغالبية العظمى من جرائم العنف الجنسي المرتكَبة في السودان منذ اندلاع الحرب بينها وبين القوات المسلحة السودانية في أبريل 2023، هذا ما خلصت إليه المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر الثلاثاء.

وثّق التقرير الذي يُحلّل الاتجاهات المتعلقة بالعنف الجنسي المرتبط بالنزاع خلال الفترة الممتدة من 15 أبريل 2023 حتى 15 أبريل 2026 أن الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي قد وُظِّفت بصورة ممنهجة أسلحةً في الحرب. وحذّر التقرير من أن الإفلات من العقاب يُهدّد بترسيخ دوامات العنف لسنواتٍ مقبلة.

87% من الحوادث الموثّقة تُنسب إلى قوات الدعم السريع

نسب التقرير نحو 87% من الحوادث الموثّقة والمُتحقَّق منها إلى رجالٍ يرتدون زيّ قوات الدعم السريع أو إلى تنظيماتٍ موالية لها وميليشيات عربية حليفة. كما رُصدت حوادث أُخرى نُسبت إلى القوات المسلحة السودانية وجهاتٍ أمنية تابعة لها والقوات المشتركة وحركاتٍ مسلحة أخرى.

وثّق التقرير 546 حادثة موثوقة طالت ما لا يقلّ عن 838 ضحية، من بينهم 539 امرأة و284 فتاة وثمانية رجال وسبعة أولاد، في 16 من أصل 18 ولاية سودانية.

قال فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان: "يُستخدَم العنف الجنسي سلاحاً في الحرب. هذا جريمة حرب، وإذا ارتُكب في إطار هجومٍ واسع النطاق أو ممنهج، فإنه يرقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية".

وخلصت المفوضية إلى وجود أسبابٍ معقولة للاعتقاد بأن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية الحليفة ارتكبت جرائم حربٍ في دارفور، تشمل الاغتصاب والاستعباد الجنسي والمعاملة القاسية والتعذيب والانتهاك الصارخ للكرامة الإنسانية.

وأشار التقرير إلى أن حجم الانتهاكات وتكرارها وامتدادها الجغرافي وطابعها المنسَّق في الجنينة وأردمتا بغرب دارفور، وفي مخيم زمزم للنازحين والفاشر بشمال دارفور، يقود المفوضية إلى الاستنتاج بأن هذه الأفعال ارتُكبت في إطار هجومٍ واسع وممنهج على المدنيين. وأعربت المفوضية عن اعتقادها بأن هذه الأفعال قد ترقى كذلك إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، بما فيها الاغتصاب والاستعباد الجنسي والتعذيب وغيرها من الأفعال اللاإنسانية.

الاستعباد الجنسي: أنماطٌ ممنهجة موثّقة

كشف التقرير عن أنماطٍ متكررة ومتّسقة على مدى ثلاث سنوات؛ إذ كان العنف الجنسي يُنفَّذ عبر عملياتٍ مدبَّرة ومنسَّقة، يصل فيها الجناة في مجموعاتٍ مدجّجة بالأسلحة والمركبات، مع توزيعٍ واضح للأدوار: بعضهم يُؤمّن المبنى وآخرون يرتكبون الاعتداء.

تضمّن أكثر من ربع الحوادث اغتصاباً جماعياً، وفي حالةٍ واحدة على الأقل اشترك عشرة جناة أو أكثر في الاعتداء على ضحية واحدة.

احتُجزت ما لا تقلّ عن 85 امرأة وفتاة في حالة استعبادٍ جنسي، وأُرغمن على أداء الأعمال المنزلية لصالح المقاتلين، بل إن بعضهن أُجبرن على توليد دخلٍ لهم. كما وثّقت المفوضية حالاتٍ قُيِّدت فيها الضحايا أو عُصبت أعينهن أو حُبسن في أماكن مغلقة، وتعرّضن للاغتصاب المتكرر، واحتُجزن على بُعد مئات الكيلومترات من مناطق اختطافهن. وأفضى الاغتصاب إلى حمل 59 امرأة وفتاة على الأقل.

الانتماء العرقي: معيارٌ في الاستهداف

أشار التقرير إلى أن الانتماء العرقي أدّى دوراً محورياً في انتقاء الضحايا. ففي غرب دارفور، كانت نساء قبيلة المساليت يُسأَلن عن قبيلتهن قبل الاعتداء عليهن. وقيل لإحداهن: "إذا كنتِ مساليت، سنذبحك اليوم". وقيل لأخريات: "هذا العام، ستلدن جميعاً أطفالنا".

وخلال هجوم قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين في أبريل 2025، كانت الضحايا يُسأَلن: "هل أبوكِ في الجيش؟" أو "أين رجالكم؟"، في حين وُظِّف الاعتداء الجنسي أداةً للعقاب والترهيب في آنٍ واحد. كما استُهدفت نساء وفتيات من قبيلة الزغاوة بصورةٍ خاصة في محيط الفاشر خلال الهجوم الأخير لقوات الدعم السريع في أكتوبر 2025.

ومن بين الحالات الموثّقة، شهدت امرأةٌ ارتقاء أمها برصاصةٍ بعد أن توسّلت إلى أحد الجناة ألّا يغتصب ابنتها، فاغتُصبت الابنة جماعياً في أعقاب ذلك. وشهدت فتاةٌ أخرى اغتصاب أختها الصغرى جماعياً، ثم وجدتها ميتةً متأثرةً بجراحها.

العنف الجنسي في مراكز الاحتجاز

وُثِّق العنف الجنسي في مراكز الاحتجاز عبر سبع ولايات، وكانت نسبة الضحايا من الذكور أعلى نسبياً في هذه الحالات، إذ بلغت نحو 20%. وأفاد التقرير بأن رجلاً من مجتمع المساليت احتُجز من قِبَل قوات الدعم السريع في الجنينة في أكتوبر 2023 وتعرّض للتعذيب الجنسي أثناء احتجازه، لقي حتفه في أبريل 2025 جرّاء إصاباتٍ لم تُعالَج وأضرارٍ نفسية متراكمة.

من بين 546 حادثة موثّقة، لم تُبلَّغ الشرطة أو النيابة العامة إلا عن 48 حالة فحسب، ولم تُحوَّل إلى التحقيق سوى حالتَين على الأقل. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، لا يوجد نظامٌ قضائي رسمي يعمل بصورة فعلية.

ونبّه التقرير إلى أن إعادة القائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية في أكتوبر 2024 التأكيدَ على العفو عن المنشقّين من قوات الدعم السريع دون استثناءٍ صريح لمرتكبي جرائم العنف الجنسي قد يُفضي إلى إفلات الجناة من الملاحقة القضائية. وفي حالةٍ موثّقة، وُجِّهت إلى امرأةٍ كانت محتجزةً قسراً لدى قوات الدعم السريع وتعرّضت للعنف الجنسي تهمةُ التعاون مع هذه القوات من قِبَل أجهزة أمنية موالية للقوات المسلحة. وصدر بحق امرأةٍ واحدة على الأقل حكمٌ بالإعدام بسبب هذه التهم.

قال تورك: "يُعمّق الإفلات المستمر من العقاب الأضرارَ بوضوحٍ ويُعزّز دوامات الانتهاكات والتجاوزات. يجب محاسبة جميع الجناة، بمن فيهم أصحاب المسؤولية القيادية، محاسبةً كاملة، ويجب ضمان حصول الضحايا على سبلٍ فعّالة للانتصاف، بما فيها التعويض".

وكانت بعثة تقصّي الحقائق الأممية في السودان قد خلصت مراراً إلى أن أفعال قوات الدعم السريع قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما فيها الاغتصاب والاستعباد الجنسي والاضطهاد على أسسٍ عرقية وجنسانية. وخلص آخر تحقيقاتها الصادر في فبراير من هذا العام إلى أن استيلاء قوات الدعم السريع المميت على الفاشر يحمل سمات الإبادة الجماعية، مع كون العنف الجنسي ركيزةً محوريةً في هذا الهجوم، إذ استُهدفت نساءٌ وفتيات تتراوح أعمارهن بين السابعة والسبعين، من بينهن حوامل، وأفادت ناجياتٌ بتعرّضهن للاغتصاب أمام ذويهن وأطفالهن.

الأبيض على "حافة كارثة"

يتزامن صدور هذا التقرير مع تصاعد القلق الدولي إزاء مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تتعرّض لضرباتٍ مسيّرة متواصلة من قوات الدعم السريع تطال البنية التحتية المدنية. وقد استهدفت الهجمات في الأيام الأخيرة طرقَ الإمداد الرئيسية في ولايتَي شمال كردفان والنيل الأبيض، فضلاً عن محطات الوقود وخطوط الكهرباء، مما أدّى إلى قطع الخدمات الأساسية عن أكثر من 500,000 شخص، من بينهم 200,000 نازح.

وفي هذا السياق، أصدرت كلٌّ من فرنسا والمانيا وإيرلندا وإيطاليا وهولندا والنرويج والمملكة المتحدة بياناً مشتركاً الثلاثاء، أعربت فيه عن قلقٍ بالغ إزاء الهجوم المتواصل على الأبيض، محذّرةً من تكرار الفظائع التي شهدتها الفاشر.

وجاء في البيان: "العام الماضي، شهد العالم بهولٍ الفظائع في الفاشر جرائم يُقدَّر أنها تحمل 'سمات الإبادة الجماعية'. لا يجب أن نسمح بتكرار هذه الإخفاقات". و وصفت وزيرة الخارجية البريطانية Yvette Cooper الأبيضَ بأنها تقف "على حافة كارثة".

دور الإمارات: اتهاماتٌ موثّقة وإنكارٌ رسمي

طالبت الدول الأوروبية الست بمحاسبة الأطراف الخارجية التي تُذكي النزاع، غير أنها لم تُسمِّ الإمارات العربية المتحدة صراحةً على الرغم من الأدلة الموثّقة على دعمها لقوات الدعم السريع. وقد نفت الإمارات مراراً تزويد قوات الدعم السريع بأسلحةٍ أو أي دعمٍ آخر، إلا أن تحقيقاتٍ عدة أجريت منذ منتصف عام 2023 خلصت إلى أن أسلحةً ومعداتٍ وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر جسرٍ جوي من خلال منطقة أمدجراس في تشاد، مع تكرار الإشارة إلى الإمارات بوصفها المورِّد المشتبه به.

وكشف في أبريل الماضي أن قوات الدعم السريع تتلقّى دعماً سرياً من قاعدةٍ عسكرية إثيوبية في أسوسا بمنطقة بنيشنغول-غوموز، مع رصد مركباتٍ مماثلة في ميناء بربرة بأرض الصومال، حيث تحتفظ الإمارات بحضورٍ عسكري.

وفي الثلاثاء ذاته، أخبر محقّقٌ في مجال حقوق الإنسان البرلمانَ البريطاني بأن الحكومة البريطانية أخفقت في اتخاذ إجراءاتٍ لمنع الفظائع في الفاشر بسبب ما وصفه بـ"الاستحواذ السياسي" الإماراتي ورغبتها في الحفاظ على علاقاتٍ جيدة مع أبوظبي.

وأدلى Nathaniel Raymond أمام لجنة التنمية الدولية في البرلمان بأن المملكة المتحدة، بوصفها الدولة صاحبة القلم في ملف السودان بمجلس الأمن، كانت "أفضل أملٍ" لوقف "ما كنّا نعتقد أنه سيصبح أحد أكبر أحداث الوفيات الجماعية في القرن الحادي والعشرين". بيد أنه أكد أن تحذيراتٍ وتوصياتٍ متكررة قدّمها في أكثر من عشرين إحاطةٍ خاصة قوبلت بالتجاهل أو التشكيك أو الرفض من جانب لندن.

وأفاد Raymond بأنه يعتقد أن الحكومة البريطانية تُقدّم "العلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات على حساب منع التجويع المتعمّد والتهجير القسري والمذبحة الإبادية لعشرات الآلاف من المدنيين في الفاشر ومجتمعاتها المحيطة".

المسار القانوني الدولي

فرض مجلس الأمن الدولي عقوباتٍ على أربعة قادة من قوات الدعم السريع بسبب الفظائع المرتكبة في دارفور، فيما اتهمت الولايات المتحدة رسمياً قوات الدعم السريع بارتكاب إبادةٍ جماعية وفرضت عقوباتٍ على قائدها محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" منذ يناير 2025. ويُجري المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي تحقيقاتٍ مع قادة من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية بشأن مسؤوليتهم الجنائية الفردية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وقد أودت الحرب بحياة آلاف الأشخاص خلال السنوات الثلاث الماضية، وهجّرت أكثر من 13 مليون شخص، ودفعت ما يزيد على 19.5 مليون نسمة إلى حافة المجاعة، في أزمةٍ إنسانية وصفها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنها الأكبر من نوعها في العالم على صعيدَي النزوح والإغاثة الإنسانية.

أخبار ذات صلة

Loading...
اجتماع بين مسؤول بريطاني وآخر إماراتي، مع العلم البريطاني والإماراتي في الخلفية، يعكس العلاقات السياسية بين البلدين.

الاستخبارات البريطانية تجنّبت التحرّك ضدّ مجزرة الفاشر خوفاً من الإمارات

في قلب مأساة إنسانية، يكشف المحقق ناثانيال رايموند عن فشل بريطانيا في منع مجزرة الفاشر بسبب الضغوط الإماراتية. هل ستستمر هذه المأساة؟ اكتشف تفاصيل أكثر حول هذه القضية المثيرة.
حقوق الإنسان
Loading...
صابر عميتل، شاب بدوي من النقب، يظهر في صورة أمام نافورة، حيث توفي بعد اعتقاله في سجن شيكما.

شاب سليم دخل السجن وخرج جثة: بدوي يرتقي في الحجز الإسرائيلي

في واقعة مأساوية، وُجد صابر الأميطل، المواطن البدوي، فاقداً للوعي في سجن شيكما، حيث أثار استشهاده تساؤلات حول حقوق المعتقلين. تابعوا القصة الكاملة لتكتشفوا تفاصيل مؤلمة تعكس واقعاً مريراً.
حقوق الإنسان
Loading...
خريطة توضح موقع ليبيا مع الإشارة إلى المدن الرئيسية مثل طرابلس وبنغازي، مما يعكس السياق الجغرافي للأحداث السياسية والحقوقية في البلاد.

القائد الليبي المتهم بالانتهاكات في مركز احتجاز يُدان أخيراً

في حكم تاريخي، أدانت المحكمة الجنائية في طرابلس أسامة عنجيم بتهمة انتهاك حقوق المحتجزين، مما يسلط الضوء على الانتهاكات في مراكز الاحتجاز الليبية. اكتشف المزيد حول تداعيات هذا الحكم وتأثيره على المهاجرين.
حقوق الإنسان
Loading...
تظهر الصورة آثار الدمار في مدينة صور اللبنانية، مع لافتة تحذيرية تشير إلى أهمية حماية المواقع الأثرية وسط الخراب.

إسرائيل وأمريكا تمحو التراث الحضاري لإيران ولبنان

عندما هدمت طالبان تمثالَي بوذا في باميان عام 2001، أثار ذلك جدلاً عالمياً حول التراث الإنساني. لكن، هل تساءلت عن ازدواجية المعايير في الاهتمام بالثقافة؟ تابع القراءة لاكتشاف المزيد عن تدمير الحضارات وأثره على هويتنا.
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية