وورلد برس عربي logo

إيران تتحدى الهيمنة الأمريكية وتعيد رسم الشرق الأوسط

تحذير كاغان من هزيمة استراتيجية أمام إيران يثير تساؤلات حول مفهوم النصر. هل القوة العسكرية تضمن النتائج السياسية؟ المقال يستعرض صراع القوى في الشرق الأوسط وتأثيره على مستقبل المنطقة. اكتشف المزيد على وورلد برس عربي.

رجل يجلس خلف مكتب ويكتب، مع العلم الإيراني خلفه. تعكس الصورة سياق الصراع الإقليمي وتأثير إيران في السياسة الدولية.
وقع الرئيس الإيراني مسعود پزشكیان مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في طهران بتاريخ 18 يونيو 2026 (توزيع رئاسة الجمهورية الإيرانية/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين حذّر الكاتب المحافظ الجديد Robert Kagan الذي أمضى عقوداً مدافعاً عن حروب أمريكا الدائمة من أن المواجهة مع إيران قد تتحوّل إلى واحدة من أكبر الهزائم الاستراتيجية في التاريخ الأمريكي الحديث، سارع كثيرون إلى رفض تقييمه باعتباره مبالغاً فيه وضرباً من التهويل.

فالرأي السائد في الغرب أن إيران تكبّدت خسائر فادحة: طالت الضربات بنيتها العسكرية، واغتيل كبار قادتها وعلمائها، وتهاوى اقتصادها، وتلقّى محور المقاومة ضربات موجعة على جبهات متعددة.

فكيف يمكن الحديث عن انتصار إيراني في ظل هذه المعطيات؟

الجواب يكمن في سؤال ظلّ خبراء الحرب والمؤرخون العسكريون يتصارعون معه عبر القرون: بأيّ مقياس يقاس النصر؟

إن حُكم على الحروب بمقدار الدمار الذي تُلحقه، فإن الطرف الذي يمتلك التفوّق العسكري الساحق سيبدو في الغالب منتصراً. غير أن التاريخ يُثبت مراراً أن الدمار والنصر ليسا مترادفَين.

دمّرت الولايات المتحدة أجزاء واسعة من فيتنام وعجزت عن تحقيق أهدافها، وأنزل الاتحاد السوفيتي خسائر هائلة بأفغانستان ثم انسحب مهزوماً. أمضت الولايات المتحدة عقدَين في أفغانستان وأنفقت تريليونات الدولارات، لتشهد انهيار الحكومة التي بنتها في غضون أيام من رحيلها. وفي العراق، أسقطت النظام وحاولت إعادة هندسة المجتمع، قبل أن تُضطر إلى الانسحاب مُذَلَّةً إثر مقاومة شرسة وإنفاق مزيد من التريليونات.

في كل هذه الحالات، أثبتت القوة العسكرية أنها قادرة على التدمير، لكنها ليست بالضرورة قادرة على فرض النتائج السياسية. وهذا التمييز جوهري لفهم المواجهة الأخيرة بين إيران ومحور الولايات المتحدة وإسرائيل.

لم تكن الحرب في جوهرها عن التخصيب النووي، ولا عن الصواريخ والعقوبات ودعم إيران لحلفائها الإقليميين. كانت في صميمها صراعاً على مستقبل موازين القوى في غرب آسيا. سعت واشنطن وتل أبيب إلى ترسيخ نظام إقليمي يقوم على التفوّق الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية، مع إجبار إيران على التخلي عن السياسات والتحالفات التي جعلتها العقبة الرئيسية أمام هذا المشروع.

بهذا المقياس، لم تنتهِ الحرب بانتصار أمريكي-صهيوني، بل بإخفاق عميق للمشروع برمّته.

نظام إقليمي جديد

لفهم الانتصار الإيراني، لا بدّ من العودة إلى ما قبل انطلاق أولى الصواريخ.

في 22 سبتمبر 2023، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكشف عن رؤيته لـ«شرق أوسط جديد». الخريطة التي عرضها محت فلسطين فعلياً، متعاملةً مع قضية طالما اعتُبرت محور الصراع في المنطقة باعتبارها مسألة محسومة.

المستقبل وفق هذه الرؤية ينتمي إلى اتفاقيات التطبيع في إطار ما يُعرف بـ«اتفاقيات Abraham»، والممرات الاقتصادية، والتكامل التكنولوجي، والشراكات الاستراتيجية التي تربط إسرائيل بالخليج العربي والفارسي وما وراءه.

لم تكن اتفاقيات Abraham سوى البداية. فـاندماج إسرائيل في القيادة المركزية الأمريكية، وتوسيع علاقاتها مع دول الخليج الحليفة لواشنطن، والمقترح المتعلق بممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي (IMEC)، كلّها كانت تشير نحو نظام إقليمي تبرز فيه إسرائيل قوةً عسكرية واقتصادية وتكنولوجية مهيمنة. يُوفّر الكيان الصهيوني الأمن، وتُعزَل إيران، وتُهمَّش فلسطين، وتُضعَف حركات المقاومة أو تُصفَّى. وتُعاد هيكلة المنطقة حول التفوّق الإسرائيلي المدعوم بالقوة الأمريكية.

حطّمت أحداث 7 أكتوبر 2023 تلك الرؤية.

ما تلا ذلك لم يكن مجرد حرب على غزة؛ بل كان صراعاً إقليمياً على النظام السياسي المستقبلي للشرق الأوسط. الحملات المتتالية على غزة ولبنان واليمن وسوريا والعراق وأخيراً إيران، فضلاً عن محاولة ضم مساحات واسعة من الضفة الغربية، كانت جميعها حلقات في هذا الهدف الأكبر.

والنتيجة التي سعى Netanyahu وحلفاؤه الصهيونيون والإمبرياليون إلى تفاديها صارت هي العنوان الأبرز للحرب: عادت فلسطين إلى مركز السياسة الدولية، وصمدت إيران أمام الهجمة المصمَّمة لكسرها.

ارتكزت الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية على افتراض مفاده أن الضغط العسكري المتواصل والحرب الاقتصادية وحملات العقوبات والعمليات السيبرانية والاغتيالات والاضطرابات الداخلية قد تُفضي في نهاية المطاف إلى انهيار سياسي أو استسلام استراتيجي. ظلّت نقاشات واشنطن وتل أبيب تدور حول أشكال مختلفة من تغيير النظام أو إسقاطه، سواء عبر الضغط الأقصى أو التفتيت الداخلي أو الإنهاك الاقتصادي أو الاضطراب الاجتماعي.

لم ينجح شيء من ذلك. عانت الجمهورية الإسلامية كثيراً، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، لكن نظامها ظلّ قائماً. واصلت المؤسسات الحكومية عملها، وبقيت هياكل القيادة فاعلة، وجرى التعاقب على السلطة دون اضطراب منظومي، واستمرت الوزارات في أداء مهامها.

تبيّن أن الصور النمطية التي رسمتها سنوات من الدعاية الغربية والهسبارا الإسرائيلية عن إيران بوصفها «نظاماً» دينياً غير عقلاني لم تكن مبالَغاً فيها فحسب، بل كانت مكلفة استراتيجياً.

صانت إيران سيادتها. وحروب كهذه تُخاض في جوهرها من أجل الإذعان السياسي لا الاستيلاء على الأرض. ومع ذلك، ورغم حدة المواجهة، لم يكن ثمة استسلام، ولا تسوية مفروضة من الخارج، ولا قبول بالتفوّق الإسرائيلي، ولا تخلٍّ عن استقلالية القرار.

مؤشرات الهزيمة

التناقض بين الأهداف التي أشعلت الحرب والوقائع التي أفرزتها لا يمكن أن يكون أكثر صرامة.

بدأت الحرب بمطالب تعادل في جوهرها استسلاماً استراتيجياً، وانتهت بمفاوضات قبلت في مضمونها كثيراً من المواقف التي أصرّت عليها إيران منذ بداية الأزمة.

طوال المواجهة، حافظت طهران على موقف ثابت بشكل لافت: لا دبلوماسية قبل وقف العدوان. منطق الدبلوماسية القسرية يفترض أن الضغط العسكري يُنتج نفوذاً تفاوضياً، غير أن إيران أفلحت في قلب هذه المعادلة، مؤكدةً أن الضغط ذاته يجب أن يتوقف قبل أن تبدأ مفاوضات حقيقية. ومع تطور الصراع، باتت واشنطن تبحث عن مخرج دبلوماسي بدلاً من إملاء الشروط.

أوضح دليل على هذا الانقلاب لم يظهر في ميدان القتال، بل على طاولة التفاوض.

مذكرة التفاهم (MoU) التي أُبرمت في إسلام آباد كشفت عن حجم التراجع الأمريكي عن مواقفه القصوى الأولى. فبدلاً من أن تشبه الشروط المفروضة على دولة مهزومة، اعترفت الوثيقة بإيران دولةً ذات سيادة يستلزم تعاونها تحقيق الاستقرار الإقليمي.

يتعهد الاختراق الرئيسي في مذكرة التفاهم وفق ما أُفيد بالتزام الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما بوقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وهذا يُمثّل اعترافاً سياسياً صريحاً بالطابع الإقليمي للحرب، وضمنياً بمحور المقاومة بوصفه جزءاً من المعادلة الاستراتيجية.

كانت واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى التعامل مع كل جبهة بمعزل عن الأخرى، فاصلتَين بين غزة ولبنان، وبين لبنان وإيران، وبين إيران وشبكة المقاومة الإقليمية الأوسع. أصرّت إيران على العكس: أن الحرب يجب أن تنتهي على جميع الجبهات لا على جبهتها وحدها.

إن صمد هذا البند، فهو يُمثّل إنجازاً إيرانياً كبيراً، إذ يربط أمن لبنان والجبهة الإقليمية الأوسع بنهاية العدوان الأمريكي-الصهيوني. ويبقى مصير غزة ضمن هذه التسوية رهين المآل؛ إذ تصرّ إيران على إدراجها فيما يواصل الكيان الصهيوني رفض هذا التفسير.

والأهم من ذلك أن الوثيقة تُلزم الطرفَين باحترام سيادة كل منهما وسلامة أراضيه، والامتناع عن التدخل في شؤونه الداخلية.

منذ انقلاب 1953 على Mohammad Mossadegh، وبصفة خاصة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، سعت واشنطن مراراً إلى التأثير في المسار الداخلي لإيران عبر العقوبات والتخريب والعمليات السرية والضغط السياسي ودعم القوى المزعزِعة للاستقرار. لذا فإن التعهد بعدم التدخل، إن نُفِّذ بأمانة، يُمثّل تراجعاً درامياً عن عقود من سياسة تغيير النظام. ومعناه أن أي مسعى لتسليح الجماعات الانفصالية أو زعزعة استقرار الدولة أو هندسة انهيارها سيُشكّل خرقاً للاتفاق ذاته.

وفي تنازل بحري لافت، يُلزم مذكرة التفاهم واشنطن برفع حصارها البحري وإزالة العقبات المفروضة على إيران، مع الانسحاب التدريجي للقوات من المناطق المجاورة للجمهورية الإسلامية. كما يمنح الإطار إيران دوراً محورياً في استعادة الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، بما يشمل إزالة الألغام والترتيبات التقنية والمباحثات المستقبلية مع عُمان وسائر الدول المطلّة على المضيق بشأن إدارته وخدماته الملاحية.

انعكاسات جذرية

تكشف الأحكام الاقتصادية والدبلوماسية الأشمل عن الحجم الحقيقي لهذا التراجع. فبدلاً من مزيد من العزل لإيران، يرسم الاتفاق وفق ما أُفيد مساراً نحو مساعدات إعادة الإعمار والاندماج الاقتصادي ورفع العقوبات واستئناف صادرات النفط والوصول إلى الأصول المجمّدة وتسهيلات مصرفية وتأمينية وإطاراً لتطبيع العلاقات التجارية.

ولا تُلزم مذكرة التفاهم إيران وفق ما أُفيد بتفكيك برنامجها النووي أو التخلي عن التخصيب. تُعيد إيران التأكيد على موقفها الثابت بأنها لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، لكن مسائل التخصيب والمواد النووية تبقى خاضعة لترتيبات تفاوضية لا لاستسلام مفروض. ولم تُجبَر إيران على قبول النموذج الليبي أو تفكيك بنيتها التحتية أو التنازل عن قدراتها التكنولوجية.

يحظر الاتفاق أيضاً وفق ما أُفيد فرض عقوبات جديدة أو نشر قوات عسكرية إضافية خلال فترة المفاوضات، مما يُقيّد قدرة واشنطن على التصعيد أثناء سير المباحثات. والإفراج المُبلَّغ عنه عن الأصول الإيرانية المجمّدة، واحتمال إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاق عبر قرار ملزم من مجلس الأمن، سيُضيّقان مزيداً من هامش العودة إلى نهج الضغط الأقصى.

إن نُفِّذت هذه الأحكام كما وردت، فستُمثّل واحدة من أبرز الانعكاسات الاستراتيجية في السياسة الأمريكية تجاه إيران في العقود الأخيرة.

مذكرة التفاهم ليست مجرد وثيقة دبلوماسية؛ إنها مؤشر هزيمة للاستراتيجية الأمريكية-الصهيونية. بدأت الحرب بمطالب استسلام إيران، وانتهت بتعهدات أمريكية بوقف الحرب واحترام السيادة ورفع الحصار وانسحاب القوات ومناقشة رفع العقوبات والسماح بصادرات النفط والإفراج عن الأصول والتفاوض على الملف النووي دون فرض التفكيك.

هذا بالضبط ما يفسّر المعارضة الشرسة التي أبدتها الحكومة الصهيونية وأنصارها تجاهه.

بالنسبة إلى Netanyahu، كانت مذكرة التفاهم كارثة استراتيجية. سعى مراراً إلى توسيع رقعة الصراع واستخدام لبنان ورقةً لتعطيل المفاوضات، لكن هذه الاستراتيجية اصطدمت في نهاية المطاف بالمصالح الأمريكية.

مع تقدم المفاوضات، أبدت إيران استعداداً لتعليق المباحثات، مع إشارة واضحة إلى أن أي تصعيد متجدد في لبنان قد يستدعي رداً أوسع، ولا سيما على شمال إسرائيل. عندئذٍ وجد Trump نفسه أمام خيار عسير: إما مواصلة دعم مساعي Netanyahu لتوسيع الصراع، أو الحفاظ على إمكانية التسوية الدبلوماسية. فاختار الثانية. وللمرة الأولى منذ عقود ربما، بات التصعيد الإسرائيلي يُنظر إليه في واشنطن بوصفه عبئاً استراتيجياً لا رصيداً.

لم يُلجم Trump Netanyahu من منطلق إنساني، بل لأن أهداف Netanyahu باتت تُهدّد الأهداف الأمريكية والاستقرار الاقتصادي العالمي الذي يرتكز عليه رصيده السياسي الداخلي.

حين بدأت مخزونات صواريخ الاعتراض الأمريكية تنضب، واضطربت أسواق الطاقة، وبات الاحتياطي الاستراتيجي للنفط ورقة سياسية حساسة، وهدّد مضيق هرمز بتحويل حرب إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية، غدت رغبة Netanyahu للتصعيد المفتوح خطراً لا على إيران ولبنان وحدهما، بل على واشنطن ذاتها.

ما وراء النفط

انصبّ كثير من النقاش حول هرمز على النفط والغاز، وهو أمر مفهوم لكنه ناقص. يبقى النفط والغاز ركيزتَين أساسيتَين، وتمرّ عبر المضيق نحو خُمس منتجات الطاقة المتداولة عالمياً، غير أن ما كشفته المواجهة كان هشاشات تمتد إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة بكثير.

أكثر من ثلث إمدادات الهيليوم العالمية يُصدَّر من منطقة الخليج، ولا سيما قطر والإمارات، عبر مسارات عرضة لأي اضطراب في هرمز. والهيليوم مادة لا غنى عنها في التكنولوجيا الحديثة: يدخل في تصنيع أشباه الموصلات وأجهزة التصوير الطبي وأنظمة الفضاء وإنتاج الألياف الضوئية والبحث العلمي المتقدم.

الأمر ذاته ينطبق على أسواق الأسمدة. يُسهم المنتجون الخليجيون بحصة كبيرة من تجارة الأمونيا واليوريا عالمياً، إذ تُشير بعض التقديرات إلى أنهم يستحوذون على نحو 23% من تجارة الأمونيا و34% من تجارة اليوريا، مما يعني أن أي اضطراب مطوّل في هرمز سيؤثر على الإنتاج الغذائي وأسعار الزراعة وسلاسل التوريد عبر قارات متعددة.

ما أثبتته إيران تجاوز القدرة على تهديد تدفقات النفط: فهي قادرة على فرض تكاليف على البنية التحتية الأشمل للاقتصاد العالمي. لم تكن بحاجة إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً؛ كان يكفيها إثبات أن التصعيد سيُفضي إلى عواقب اقتصادية وجيوسياسية لا تُحتمل.

كشفت الحرب أيضاً عن ثغرات جوهرية في مفهوم هيمنة التصعيد (Escalation Dominance). اعتمد العقيدة العسكرية الأمريكية عقوداً على افتراض أن التفوّق التكنولوجي الساحق يُتيح للولايات المتحدة إملاء وتيرة الصراعات ونتائجها، غير أن المواجهة مع إيران أثبتت أن التفوّق لا يُترجَم بالضرورة إلى نجاح سياسي.

اعتمد الجانبان الأمريكي والإسرائيلي اعتماداً كبيراً على منظومات دفاعية متطورة، من بينها Thaad وArrow وDavid's Sling وصواريخ SM-3 وSM-6 الاعتراضية. أثبتت هذه المنظومات فاعليتها في حالات كثيرة، لكن بتكلفة باهظة للغاية، إذ تشير التقارير إلى أن مئات الصواريخ الاعتراضية المتطورة استُنزفت خلال المراحل المتعاقبة من المواجهة.

يُفرز الدفاع الصاروخي الحديث اختلالاً حاداً في التكاليف؛ إذ تكون الصواريخ الهجومية في الغالب أرخص بكثير من المنظومات الدفاعية اللازمة لاعتراضها، مما يُتيح لخصم مصمّم على المواجهة فرض أعباء مالية ولوجستية ضخمة بمجرد الإبقاء على الضغط المستمر.

ركيزتان

تمتد تداعيات هذه المواجهة إلى ما هو أبعد من إيران وإسرائيل والشرق الأوسط. كشفت الأزمة عن ركيزتَين ارتكزت عليهما القوة الأمريكية العالمية لأكثر من نصف قرن: منظومة البترودولار وشبكة القواعد العسكرية التي تدعم النفوذ الأمريكي في أرجاء العالم.

منذ مطلع السبعينيات، لم تعتمد المكانة المتميزة للدولار في الاقتصاد العالمي على حجم الاقتصاد الأمريكي وحده، بل على قدرة واشنطن على ضمان أمن تدفقات الطاقة والحفاظ على نفوذها السياسي على أبرز مناطق إنتاج النفط في العالم.

كشفت المواجهة مع إيران عن الهشاشة المتنامية لهذا النموذج؛ إذ أثبت الاضطراب المؤقت في الملاحة عبر هرمز أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على ضمان تدفق الطاقة دون انقطاع إلا بتكاليف سياسية وعسكرية واقتصادية باهظة.

كما أسهمت المواجهة في تسريع نقاشات كانت جارية أصلاً بين القوى الكبرى حول آليات دفع بديلة وترتيبات تجارية بالعملات المحلية وجهود تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية. لم تخلق الحرب ظاهرة تراجع الدولار (De-dollarisation)، لكنها عزّزت القناعة بأن نظاماً مالياً مرتبطاً بالإكراه الجيوسياسي ينطوي على مخاطر متصاعدة.

حافظت واشنطن عقوداً على شبكة واسعة من القواعد العسكرية الممتدة عبر الخليج والشرق الأوسط الأوسع، لكن الحرب أثبتت أن كثيراً من هذه القواعد باتت أعباء بقدر ما هي أصول. المنشآت التي كانت تُعدّ رمزاً للقوة الأمريكية باتت تبدو أهدافاً مكشوفة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة وأشكال الحرب غير المتماثلة. ومنطق الوجود العسكري الدائم يتبدّل حين يغدو كل منشأة رئيسية هدفاً مُحتملاً، وحين يحمل كل انتشار تكاليف سياسية ومالية متصاعدة.

في نهاية المطاف، قد لا يكون الإنجاز الأكبر لإيران ما دمّرته، بل ما كشفته: أن الأسس المالية والعسكرية للهيمنة الأمريكية تزداد تكلفةً في الصون وصعوبةً في الدفاع.

ينطبق المبدأ ذاته على محور المقاومة. تكبّدت الشبكة بلا شك خسائر فادحة: تلقّى حزب الله ضربات موجعة، وواجهت حركات المقاومة في أرجاء المنطقة ضغطاً غير مسبوق. غير أن الهدف كان التفكيك لا الإضعاف، وهذا الهدف أخفق. صمدت حماس، وتحمّل حزب الله، و واصل المقاومون اليمنيون عملياتهم، وظلّت الفصائل العراقية فاعلة، والأهم من كل ذلك أن إيران بقيت الركيزة المحورية للشبكة بأسرها.

ولعلّ أبلغ مفارقة في هذه المواجهة بأكملها أن المشروع الذي صُمِّم لتهميش فلسطين أعادها في نهاية المطاف إلى مركز السياسة الدولية. قبل 7 أكتوبر، كان التطبيع يُفترض أن يحلّ محل التحرير، وكانت اتفاقيات Abraham وممر IMEC والرؤية الأشمل لـ«شرق أوسط جديد» جميعها تقوم على افتراض إمكانية تجاوز فلسطين. حطّمت الحرب هذا الافتراض، مُثبتةً مرة أخرى أن لا نظام إقليمياً دائماً يمكن بناؤه على الاحتلال والفصل العنصري والتهجير الدائم لشعب أصيل.

رؤية الشرق الأوسط الجديد القائمة على التفوّق الإسرائيلي مُنيت بنكسة عميقة. سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تغيير إيران؛ أما إيران فلم تسعَ إلا إلى منعهما من ذلك. فشل الأوّلان، ونجحت الأخيرة.

امتلك التحالف الأمريكي-الصهيوني تفوّقاً عسكرياً ساحقاً. ومع ذلك، وجدت الولايات المتحدة نفسها بعد أشهر من المواجهة تتفاوض مع الدولة ذاتها التي أرادت إضعافها، وتُلجم الحليف الذي طالما دعمت طموحاته، وتواجه مشهداً إقليمياً أقل ملاءمةً لأهدافها مما كان قبل اندلاع الحرب.

في المحصلة، حققت إيران شيئاً أعمق بكثير من انتصار عسكري مباشر: حرمت واشنطن وتل أبيب من الأهداف السياسية التي شُنّت الحرب من أجلها وهو المقياس الأعلى للنجاح في الصراعات غير المتماثلة.

أخبار ذات صلة

Loading...
تحدث نائب الرئيس الأمريكي JD Vance خلال قمة لوسيرن، مع وجود أعلام الولايات المتحدة وقطر وباكستان وإيران خلفه، عن تقدم المحادثات حول العقوبات.

إيقاف أميركي للعقوبات على إيران بعد "تقدم إيجابي" في المفاوضات

في خضم تحولات دبلوماسية مثيرة، أعلنت الولايات المتحدة عن رفع مؤقت للعقوبات على إيران، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون. هل ستنجح المحادثات في تحقيق السلام؟ تابعوا التفاصيل لتكتشفوا المزيد عن هذه التطورات المهمة.
Loading...
نتنياهو يتحدث في مؤتمر صحفي حول الحرب على إيران، مع خلفية تحمل شعار الحكومة الإسرائيلية، معبراً عن مواقف سياسية متعلقة بالأمن.

استطلاع: 92% من الإسرائيليين يرون إيران انتصرت في الحرب

تتوالى الأزمات في الشرق الأوسط، حيث يُظهر استطلاع حديث أن 92% من الإسرائيليين يرون أن إيران انتصرت في الحرب. هل ستؤثر هذه النتائج على مستقبل نتنياهو؟ تابعوا معنا لتكتشفوا المزيد عن تداعيات هذا المشهد المعقد.
Loading...
اجتماع وزراء خارجية مصر وتركيا وباكستان والسعودية في منتدى أنطاليا، مع الأعلام الوطنية لكل دولة، يعكس التنسيق الإقليمي المتزايد.

الحرب على إيران وإعادة تشكيل النظام الإقليمي

تتجاوز الحروب آثارها العسكرية لتعيد رسم خرائط المنطقة، كما حدث مع الغزو الأمريكي للعراق. هل ستؤدي الحرب على إيران إلى تحولات جديدة في التحالفات الإقليمية؟ تابعوا معنا لاستكشاف تفاصيل هذه الديناميكيات.
Loading...
إطلالة على مدينة إسطنبول في المساء، تُظهر المسجد الكبير مع مآذنه المضيئة، بينما تبحر قوارب في مضيق البوسفور.

تركيا تخرج سالمة من الحرب الإيرانية: تحليل

في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز تركيا كعنصر أساسي في المعادلة. هل ستنجح أنقرة في الحفاظ على استقرارها وسط المخاطر المحيطة؟ تابعوا معنا لاستكشاف التفاصيل المثيرة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية