وورلد برس عربي logo

الحرب على التراث بين الماضي والحاضر

تدمير تمثالَي باميان يفتح ملف الازدواجية الثقافية في الحروب الحديثة. كيف يتم تجاهل التراث في ظل الصراعات؟ من أفغانستان إلى إيران ولبنان، تواصل الحروب استهداف الحضارة. اكتشف كيف يتكرر التاريخ في أزماتنا المعاصرة.

تظهر الصورة آثار الدمار في مدينة صور اللبنانية، مع لافتة تحذيرية تشير إلى أهمية حماية المواقع الأثرية وسط الخراب.
تغطي الحطام قواعد الأعمدة الحجرية القديمة بالقرب من الموقع الأثري لحمامات الرومان في صور، جنوب لبنان، بعد يوم من الغارات الجوية الإسرائيلية على المدينة، في 8 يونيو 2026 (أ ف ب/كونات حجو)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مطلع عام 2001، فجّر طالبان تمثالَين عملاقَين لبوذا في وادي باميان بأفغانستان، يعودان إلى القرن السادس الميلادي.

اندلع غضبٌ دولي واسع على خلفية هذا الاعتداء على التراث الإنساني، وانهمك الإعلام الغربي في رثاء تمثالَين لم يكن معظم الناس يعلمون بوجودهما أصلاً، غير أنّهما باتا فجأةً رمزاً لـ"إنسانيتنا المشتركة".

أصدر فيليب ريكر، المتحدّث الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، بياناً صحفياً أعلن فيه أنّ الولايات المتحدة "مصدومة ومرتبكة" من قرار طالبان هدم تمثالَي بوذا وغيرهما من الآثار القديمة، مضيفاً: "إنّ التدمير المتعمّد لتماثيل يعدّها أتباع ديانات مختلفة مقدّسةً أمرٌ لا يمكن استيعابه."

بيد أنّه حين أطلقت الولايات المتحدة ما أسمته "الحرب على الإرهاب" في العام نفسه وشرعت في تدمير أفغانستان بالقنابل، لم يصدر عنها أيّ صدمةٍ مماثلة إزاء "التدمير المتعمّد" أو المجازر التي طالت "أتباع ديانات مختلفة".

غير أنّ هذا النوع من الازدواجية ليس مستغرباً؛ فهو سمةٌ متأصّلة في العقلية الإمبريالية القائمة على الاستشراق وتجريد الآخر من إنسانيته، والانتقائية في الاهتمام الثقافي، وتسليح مفهوم "التراث".

وعلى حين كانت الرواية السائدة تُرجع تدمير تمثالَي باميان إلى موقف طالبان من الأصنام، قدّمت صحيفة New York Times رواية مغايرة في مقال نُشر في 19 مارس 2001.

استشهدت الصحيفة بتصريحات مبعوث طالبان سيد رحمة الله هاشمي، الذي أكّد أنّ قرار التدمير جاء بناءً على فتوى مجلس علماء دين أثارتهم عروضٌ أوروبية وأجنبية بتمويل ترميم التماثيل في الوقت الذي لم يُقدَّم فيه أيّ دعمٍ لمليون أفغاني يواجهون شبح المجاعة.

وقد أبلغ المبعوث الصحيفة بأنّ العلماء كانوا "في غاية الغضب" من هذا الخلط في الأولويات، إذ قالوا: "إن كنتم تدمّرون مستقبلنا بالعقوبات الاقتصادية، فلا يحقّ لكم الادّعاء بأنّكم تهتمّون بتراثنا. ولذلك قرّروا أن تُهدم هذه التماثيل."

حربٌ على حضارة

بعد ربع قرن، وفي خضمّ الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل على إيران عام 2026، تعود إلى الأذهان ازدواجية موقف باميان من جديد. فإيران تزخر بمواقع أثرية وتراثية بالغة الأهمية، طال الضرر كثيراً منها جرّاء الضربات المتواصلة على مدى أشهر.

لكنّ لأنّ المُدمِّر هذه المرة هو "نحن" لا "هم"، لا يبدو أنّ أحداً يُبدي قلقاً يُذكر على ما يضيع من تاريخ ناهيك عن الأرواح التي تُزهق. ففي إحدى أولى ضربات الحرب، أودى صاروخ كروز أمريكي استهدف مدرسةً ابتدائية في مدينة مينب بحياة أكثر من 175 شخصاً، معظمهم من الطالبات.

وكعادتها، آثرت الصحافة الأمريكية تجاهل الحادثة ما أمكن، ولم تُقرّ بها إلّا حين أصبح الصمت مستحيلاً. يتحدّثون عن تدمير "المستقبل"، أليس كذلك؟

أمّا على صعيد تدمير الماضي، فقد نقلت صحيفة The Guardian عن مهدي جمالي‌نجاد، محافظ مقاطعة أصفهان الإيرانية، قوله في وصف الأضرار التي لحقت بالمواقع التاريخية جرّاء الضربات الأمريكية الإسرائيلية: "هذا إعلان حربٍ على حضارة. العدو الذي لا ثقافة له لا يكترث برموز الثقافة. والبلد الذي لا تاريخ له لا يحترم شواهد التاريخ."

وفي لبنان، حيث أودى الجيش الإسرائيلي المدعوم أمريكياً بحياة أكثر من 3,820 شهيدًا في غضون ثلاثة أشهر ونصف، تتواصل الحرب على الحضارة أيضاً.

ومن أبرز ما طاله القصف الإسرائيلي المتواصل وسياسة الأرض المحروقة، مدينة صور في جنوب لبنان، التي تعدّ من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم بتاريخٍ يمتدّ قرابة 5,000 عام.

صور، الموقع المصنّف ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، تحتضن حلبة سباق خيل رومانية تعود إلى القرن الثاني، ومقبرة فينيقية، وشوارع مُعمَّدة بالأعمدة تمتدّ نحو البحر، فضلاً عن ثروةٍ أثرية هائلة باتت مهدّدة بالاندثار تحت وطأة القصف.

كذلك تعرّض قلعة بوفور في جنوب لبنان، التي يبلغ عمرها 900 عام وتصفها اليونسكو بأنّها "من أفضل الأمثلة المحفوظة على القلاع الوسيطة في الشرق الأدنى"، للاحتلال والتخريب على أيدي القوات الإسرائيلية. وفي بلدة شمع جنوب صور، خضع حصنٌ تاريخي وضريح مكرَّس للقديس بطرس لمساعي هدمٍ إسرائيلية ممنهجة.

وحسبنا القول إنّه لو انقلبت الأدوار وكان حزب الله هو من يمحو 5,000 عام من التراث الإنساني، لما توقّف الإعلام الغربي عن الحديث عن همجية ما يجري.

ولكانت واشنطن قد تجاوزت حدّ "الصدمة والارتباك" إلى مستوياتٍ أشدّ حدّةً من الغضب.

وفي سياق الحديث عن تدمير التاريخ في جنوب لبنان، لا يسع المرء إلّا أن يستحضر حادثةً من عام 2013، حين تسبّبت السفيرة الأمريكية في لبنان آنذاك مورا كونيلي في إلحاق أضرار بأحد المواقع الأثرية في صور، إذ مرّ موكبها بسياراته فوق الموقع، ممّا دفع موقع Jadaliyya إلى نشر تقرير بعنوان ساخر: "إطاراتٌ فوق صور: السفيرة الأمريكية تُدمّر الأطلال."

وبالطبع، لم يلتفت الإعلام الأمريكي إلى الأمر.

سياحة الخراب

حتى اليوم، لا تزال تماثيل باميان البوذية تحظى باهتمامٍ واسع، وثمّة منحوتة ضخمة من الحجر الرملي تُكرّم ذكراها معروضةٌ حالياً في مدينة نيويورك.

في المقابل، حوّل طالبان الموقع الذي كانت تقوم فيه التماثيل إلى وجهةٍ سياحية، وأفيد في 2021 بأنّ"الزوّار الفضوليّين يمكنهم مقابل نحو 5 دولارات التجوّل والتقاط الصور أمام الحفر الضخمة في جدار الصخر حيث كانت التماثيل تقف."

وفي 2023، تابعت صحيفة Washington Post الموضوع بعنوان: "طالبان المُعسَرة تبيع تذاكر لمشاهدة أنقاض تماثيل بوذا التي فجّرتها."

بيد أنّ طالبان ليست وحدها من يجني أرباحاً ممّا دمّرته. ففي شكلٍ أشدّ إثارةً للقشعريرة من سياحة الخراب، توفّر منظارات مثبَّتة على منصّة مراقبة في بلدة سديروت الإسرائيلية للزوّار مشاهدةً مقرَّبة مقابل رسومٍ رمزية لعمليات تدمير قطاع غزة.

يحضر بعضهم الفشار ليستمتعوا بالمشهد على أكمل وجه.

منذ أكتوبر 2023، ادت٦ الحرب الإبادية التي تشنّها إسرائيل على غزة بدعمٍ أمريكي رسمياً إلى ارتقاء أكثر من 73,000 شهيد، وإن كان الرقم الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير على الأرجح.

لكنّ المسألة لا تقتصر على القتل. ففي غزة ولبنان معاً، تتشابك الإبادة الجماعية والإبادة البيئية (Ecocide) والإبادة التاريخية (Historicide) تشابكاً لا فكاك منه. وبينما تمضي إسرائيل بدعمٍ أمريكي في مسعاها لمحو الشعوب والثقافات، فإنّها تمحو في الوقت ذاته آخر ما تبقّى من وهم "الإنسانية المشتركة".

أخبار ذات صلة

Loading...
طفل يقف على شاطئ بندر عباس مع دراجته، يراقب السفن البعيدة في بحر هرمز وسط أجواء الركود الاقتصادي والحصار الأمريكي.

ميناء إيراني يعاني من تشديد العقوبات الأمريكية

في بندر عباس، الحصار الأمريكي قلب حياة السكان رأساً على عقب، فانهار النشاط التجاري وتقلصت فرص العمل وسط مخاوف من أمن البحر. اكتشف كيف يؤثر هذا الواقع على الاقتصاد المحلي وسبل الصمود في مواجهة الأزمة. اقرأ المزيد الآن!
الحرب على إيران
Loading...
وزراء مالية مجموعة العشرين يجتمعون في Asheville لمناقشة النمو الاقتصادي والعقوبات على إيران وسط توترات تجارية عالمية.

تحركات Bessent الدبلوماسية: G20 تجتمع لتوحيد الموقف من إيران وسط توترات التعريفات

في ظل أجواء مشحونة، يجتمع وزراء مالية مجموعة العشرين في Asheville لمناقشة النمو الاقتصادي والعقوبات على إيران وسط تحديات ديون ضخمة وتوترات مع الصين. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي.
الحرب على إيران
Loading...
محمد باقر قاليباف يتحدث في مؤتمر صحفي خلال مراسم الأربعين في كربلاء، مؤكدًا تعزيز العلاقات الإيرانية العراقية رغم الضغوط الأمريكية والعقوبات الاقتصادية.

إيران تتوعّد بمواجهة تدخّل الأعداء الأجانب مع تهديدات ترامب بعقوباتٍ جديدة

تصريحات رئيس البرلمان الإيراني في كربلاء تؤكد أن محاولات تفتيت العلاقة مع العراق تزيد الترابط، وسط تصاعد العقوبات الأمريكية وتأثيرها على أسواق الطاقة. اكتشف كيف يواجه الطرفان التحديات معًا. اقرأ المزيد الآن.
Loading...
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يتحدث في مؤتمر صحفي حول فرض أشد العقوبات الاقتصادية على إيران وسط تصاعد التوترات في مضيق هرمز.

الولايات المتحدة تتوعّد إيران بعقوباتٍ جديدة والأسعار تقفز

تصاعد العقوبات الأمريكية على إيران يهدد الاقتصاد العالمي وسط توتر في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط. اكتشف كيف تؤثر هذه التوترات على السوق العالمي واطلع على السيناريوهات المقبلة الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية