بريطانيا وإخفاقها في إنقاذ الفاشر من المجزرة
في جلسة استماع بريطانية، كشف المحقق ناثانيال رايموند عن فشل المملكة المتحدة في منع مجزرة الفاشر بدارفور بسبب ضغوط الإمارات. أكثر من 60,000 مدني فقدوا حياتهم. هل ستتغير السياسة البريطانية بعد هذه الشهادات؟

في جلسةٍ استماع عقدتها لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني يوم الثلاثاء، خرج المحقق في مجال حقوق الإنسان Nathaniel Raymond بشهادةٍ ثقيلة الوطأة: بريطانيا كانت في وضعٍ فريد يُمكّنها من منع المجزرة التي وقعت في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور السودانية، لكنّها أخفقت في ذلك بسبب ما وصفه بـ"الاستحواذ السياسي" الذي مارسته الإمارات العربية المتحدة على قرارها، ورغبتها في الإبقاء على علاقاتٍ طيّبة مع أبوظبي.
وتشير التقديرات إلى أنّ نحو 60,000 شخص استشهدوا على يد قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً في أكتوبر 2025، في مجزرةٍ وصفها Raymond بأنّها "على الأرجح أكثر مجازر الإبادة الجماعية دقّةً في التنبّؤ عبر التاريخ البشري كلّه".
تحذيرات أُهدرت
قدّم Raymond للجنة مذكّرةً مكتوبة أكّد فيها أنّ المملكة المتحدة، بوصفها الدولة الراعية لملفّ السودان في مجلس الأمن الدولي، كانت "أفضل أملٍ" لوقف "ما كنّا نعتقد أنّه سيصبح أحد أكبر أحداث الخسائر البشرية الجماعية في القرن الحادي والعشرين". غير أنّ تحذيراتٍ متكرّرة وتوصياتٍ قُدِّمت عبر ما يزيد على عشرين إحاطةً خاصة، جرى تجاهلها أو التشكيك فيها أو ردّها.
وقال Raymond إنّه يعتقد أنّ وزارة الخارجية البريطانية وشؤون الكومنولث والتنمية (FCDO) آثرت "العلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات على حساب منع التجويع المتعمّد والتهجير القسري والذبح الإبادي لعشرات الآلاف من المدنيين في الفاشر وما يحيط بها من مجتمعات".
وكانت المخاوف بشأن الفاشر قد بدأت تتصاعد في صيف 2023، إثر ارتقاء أكثر من عشرة آلاف من أبناء قبيلة المساليت السودانية على يد قوات الدعم السريع في الجنينة بدارفور، وهي مجزرةٌ وصفتها الحكومة الأمريكية وعددٌ من منظمات حقوق الإنسان بالإبادة الجماعية. وقال Raymond إنّه بات واضحاً سريعاً أنّ الفاشر والمخيّمات التي تأوي النازحين من الإبادة التي شُنَّت قبل عشرين عاماً هي الهدف التالي.
وبوصفه المدير المؤسّس لمختبر الأبحاث الإنسانية (HRL) في كلية الصحة العامة بجامعة Yale، طُلب من Raymond إحاطةُ وزارة الخارجية البريطانية لأول مرة في يوليو 2023، حيث دعا إلى تدخّلٍ أممي لحفظ السلام.
الضغط الإماراتي على لندن
بحلول أبريل 2024، كان مختبر HRL قد رصد بدء حصار الفاشر المنطقة التي يسيطر عليها الجيش السوداني وتضمّ تعداداً سكانياً يعادل ثلاثة أرباع قطاع غزة. وقرّر المختبر أنّ التواصل مع الحكومة البريطانية هو أفضل فرصةٍ لتفادي الكارثة.
التقى Raymond بمسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية في لندن يومَي 15 و16 مايو 2024، في الوقت الذي كانت فيه المملكة المتحدة تُعدّ مسودّة قرار مجلس الأمن رقم 2736 الداعي إلى وقفٍ غير مشروط لإطلاق النار. وخلال الاجتماع، عرض Raymond أدلّةً مستقاةً من تحليل سجلات هاتفية عامة، تُظهر تنقّلات بين مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في السودان والإمارات وبوساسو الصومالية وأديس أبابا. وقد برزت إثيوبيا وقاعدة عسكرية في بوساسو لاحقاً بوصفهما ممرَّين رئيسيَّين لتسليح الإمارات لقوات الدعم السريع وتزويدها بالمعدّات والمرتزقة، وفق ما سبق الإفصاح عنه. وأشار Raymond إلى إمكانية ربط هذه التنقّلات بعبد الرحيم دقلو، شقيق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الملقّب بـ"حميدتي" ونائبه.
وبحسب Raymond، طلب منه المسؤولون البريطانيون نشر تحليل بيانات الهاتف علناً. وقال للجنة: "أخبروني أنّ المملكة المتحدة كانت تتعرّض لضغوطٍ خاصة مكثّفة من الإمارات تحدّ من قدرتها على التأثير في الوضع". وأضاف: "بمعنى آخر، كانت حكومة جلالة الملك تطلب من مختبر بحثي خاصٍّ في قسم علم الأوبئة بجامعة أمريكية لا من GCHQ ولا من جهاز الاستخبارات السرية دعم جهود مواجهة الإمارات على خلفية دعمها السري لقوات الدعم السريع".
ورأى Raymond في ذلك دليلاً على "الاستحواذ السياسي الجوهري" للإمارات على الحكومة البريطانية. وقد رفض Raymond نشر التحليل علناً لأنّه كان ضرورياً للتنبّؤ بالهجمات المقبلة، وسرعان ما انكشف نظام التتبّع لاحقاً حين كشفت منظمة Human Rights Watch عن تدريب مرتزقةٍ كولومبيين في الإمارات لصالح قوات الدعم السريع في السودان.
أبوظبي تأمر بالهجوم على الفاشر
في اليوم التالي، التقى Raymond وممثّلو منظماتٍ غير حكومية بمسؤولين من فريقَي السودان ومنع الفظائع في وزارة الخارجية البريطانية. وقال إنّ المسؤولين أبلغوا العاملين في المجال الإنساني بأنّهم لن يتمكّنوا من التحذير من انهيار الفاشر الوشيك إلّا مرةً واحدة، وإلّا تعرّضوا لاتّهامٍ بـ"الصراخ الكاذب". كما أوضح المسؤولون أنّ دعم القرار 2736 هو أقصى ما يمكن للمملكة المتحدة الالتزام به، وأنّه لن يتضمّن عواقب على الداعمين الأجانب لأطراف النزاع كالإمارات.
صدر القرار 2736 في 13 يونيو 2024، وشهدت الفاشر فترةً وجيزة من الهدوء حين أوقفت قوات الدعم السريع هجماتها. وقال Raymond: "في تلك الفترة، أُبلغ مختبر HRL من مصدرٍ على دراية مباشرة بالعمليات الداخلية لقوات الدعم السريع، بأنّ أبوظبي وجّهت حميدتي بتعليق الهجوم على الفاشر ريثما تقيّم الإمارات ما إذا كانت ستترتّب على صدور القرار أيّ تداعياتٍ سياسية جدية". وأضاف أنّ المختبر أحال هذه المعلومات إلى وزارة الخارجية البريطانية مطالباً بفرض عواقب على الإمارات إذا انتُهك القرار، إلّا أنّ الوزارة "أوضحت أنّه لا ينبغي توقّع عواقب محدّدة أحادية أو متعدّدة الأطراف على انتهاكات قرار مجلس الأمن 2736. وما إن قيّمت أبوظبي انعدام أيّ عواقب، حتى استُؤنف الهجوم".
وفي وقتٍ لاحق من الشهر ذاته، أُبلغ Raymond من دولةٍ عضو في الأمم المتحدة بأنّ الإمارات حالت دون إدلائه بشهادته حول أضرار القصف داخل قاعة الأمم المتحدة.
طاقم وزير الخارجية يستنجد بالباحثين
أوضح Raymond للجنة أنّه تلقّى في يناير 2025 اتصالاً من فريق وزير الخارجية آنذاك David Lammy، الذي كان في نجامينا بتشاد إثر زيارةٍ لمخيّمات اللاجئين الفارّين من مجزرة الجنينة. وطلب الفريق من Raymond الحصول على رقم هاتف مكتب الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض.
واغتنم Raymond الفرصة ليشرح الوضع المأساوي في مخيّم زمزم جنوبي الفاشر، الذي يأوي مئات الآلاف من أبناء الإثنيات التي استهدفتها قوات الدعم السريع وسلفها في إبادة دارفور بين عامَي 2003 و2005. وقال للجنة: "حذّرت من أنّ مخيّم زمزم للنازحين، جنوبي الفاشر مباشرةً، الذي يضمّ ما يزيد على 500,000 شخصٍ في ظروف مجاعة، كان يتعرّض للقصف بمنظومات أسلحةٍ متطوّرة من الإمارات". وأضاف: "أوضحت أنّ هذا القصف ينبغي النظر إليه باعتباره مقدّمةً لهجوم قوات الدعم السريع على المخيّم".
وفي أبريل 2025، في الوقت الذي كان Lammy يستضيف فيه مؤتمراً دولياً للمانحين بشأن السودان في لندن، سيطرت قوات الدعم السريع على مخيّم زمزم. وقال Raymond: "اضطرّ العاملون في المجال الإنساني والرعاية الصحية إلى التوسّل بحياتهم قبل أن يُعدَموا أمام الكاميرات؛ واختُطفت النساء والفتيات ليُستعبَدن جنسياً ويُعذَّبن، وأُحرقت أجزاءٌ كبيرة من مخيّم زمزم بصورةٍ ممنهجة". وأشار إلى أنّ وزارة الخارجية البريطانية لم تُصدر أيّ بيانٍ بشأن سقوط زمزم، رغم أنّ وزير الخارجية كان يرعى في تلك اللحظة بالذات مؤتمراً دولياً متعدّد الأطراف حول السودان.
الإبادة في الفاشر
بحلول سبتمبر 2025، كشف تحليل صور الأقمار الاصطناعية الذي أجراه مختبر HRL وتم نشره أنّ قوات الدعم السريع شيّدت سواتر ترابية بطول 31 كيلومتراً حول الفاشر، مُحوِّلةً إيّاها إلى ما وصفه Raymond بـ"صندوق القتل". وأفاد بأنّ مسؤولاً في وزارة الخارجية البريطانية أبدى له في الشهر ذاته يأسه من انعدام أيّ إمكانيةٍ للتحرّك من جانب حكومة رئيس الوزراء Keir Starmer، والمدينة على وشك السقوط.
وبعد شهرٍ واحد، اقتحمت قوات الدعم السريع الفاشر. وأظهرت مقاطع الفيديو والصور وصور الأقمار الاصطناعية مجازر واسعة النطاق ارتكبتها القوات بحق المدنيين. و روى ناجون شهاداتٍ عن إعدامات ميدانية واغتصابٍ وأشكالٍ متعدّدة من الانتهاكات. وقبل ساعاتٍ من سقوط الفاشر، انهارت محادثات وقف إطلاق النار في واشنطن بعد أن رفضت الإمارات معالجة الحصار المطوّل الذي دام ثمانية عشر شهراً.
وتُقدّر تحليلات مختبر HRL أنّ ما لا يقلّ عن 60,000 شخص ارتقوا على يد قوات الدعم السريع خلال الهجوم وتداعياته. وقال Raymond إنّ مسؤولاً في فريق منع الفظائع بوزارة الخارجية البريطانية تواصل معه عبر تطبيق تشفير وشكّك في ارتفاع هذا الرقم. وأضاف: "خلال تلك المحادثة، توصّلت إلى اعتقادٍ بأنّ هذا التقدير البالغ 60,000 شهيد على يد قوات الدعم السريع شكّل إحراجاً سياسياً لوزارة الخارجية البريطانية". وطلب المسؤول من مختبر HRL إحاطةً تشمل مسؤولين أمميين حول أعداد الشهداء، غير أنّ الوزارة لم تُجدوِل تلك الإحاطة قط.
"الأخطاء ذاتها تتكرّر"
حذّر Raymond يوم الثلاثاء من أنّ الأخطاء ذاتها تتكرّر حالياً في الأبيّض بكردفان جنوب السودان، التي تتعرّض للحصار والهجوم. وقال إنّ "أعظم محاسبة" على تورّط الإمارات في الفظائع المرتكبة في السودان ستكون مقاطعةً شعبية، بأن "يتوقّف الناس عن التسوّق في المناطق الحرّة" في دبي وأبوظبي. وأضاف في إشارةٍ إلى نادي كرة القدم Manchester City المملوك لأبوظبي: "لو كان أهل مانشستر يحرقون قمصان Emirates لكانت المحادثة مختلفةً تماماً".
أخبار ذات صلة

الأمم المتحدة: قوات الدعم السريع استخدمت الاغتصاب والاستعباد الجنسي سلاحاً حربياً في السودان منذ 2023

شاب سليم دخل السجن وخرج جثة: بدوي يرتقي في الحجز الإسرائيلي

القائد الليبي المتهم بالانتهاكات في مركز احتجاز يُدان أخيراً
