وورلد برس عربي logo

مراقبة الإمارات في بريطانيا تهدد حرية الناشطين

ناشط بريطاني يتعرض لمراقبة سرية من الإمارات داخل لندن والشرطة البريطانية تحذره دون حماية أو توضيح. قصة تكشف خطر النفوذ الأجنبي على الحريات المدنية وتساؤلات عن دور الدولة في حماية مواطنيها من التجسس. وورلد برس عربي

الناشط البريطاني أناس التكريتي يتحدث في مقابلة خارجية في لندن عن مراقبته من قبل الإمارات والتهديدات التي تلقاها من الشرطة البريطانية.
تم تسليم أنس التكريتي إشعار عثمان من شرطة متروبوليتان لندن - وهو إشعار يُمنح للأشخاص الذين تتعرض حياتهم لخطر وشيك (لقطة شاشة)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في صباحٍ شتويٍّ بارد، دقّ عناصر من الشرطة البريطانية بابَ منزل أناس التكريتي في لندن.

كان هذا الناشط المخضرم في حركة مناهضة الحرب في الخارج حين اتّصل به أحد أبنائه مُخبِراً إيّاه بأنّ ضبّاطاً يبحثون عنه. استغرب التكريتي الأمر ولم يُولِه كبير اهتمام، غير أنّ الشرطة عادت بعد يومين هذه المرّة بإلحاحٍ أشدّ.

ترك الضبّاط رقم هاتفٍ، فاتّصل بهم التكريتي. أبلغوه بأنّ حياته في خطر، وأنّهم يُسلّمونه ما يُعرف بـ«إشعار عثمان» (Osman Notice) وهو إشعارٌ تُصدره شرطة لندن المتروبوليتانية حين تخشى تعرّض شخصٍ بعينه لخطرٍ وشيك على حياته.

أصابه الذهول، فطلب تفاصيل: هل يُرحِّل عائلته؟ هل يغادر المنزل؟ ومن يقف وراء هذا التهديد؟

لم تُقدِّم الشرطة أيّ إجابات. ردّت ببساطة: «لا يمكننا إخبارك بشيء»، وتركته أمام تحذيرٍ مُبهَم ودون أيّ حماية.

بيد أنّ عشر سنواتٍ لاحقاً، عرض عليه فريقٌ صحفيٌّ بريطاني ملفّاً مُسرَّباً يكشف عن عمليةٍ استخباراتية ممنهجة ودقيقة لرصد كلّ تحرّكاته: صوراً لمنزله وسيّارته، ومراسلاتٍ عبر WhatsApp بين أعضاء فريق مراقبةٍ تُوثّق تفاصيل حياته اليومية من تنقّلاته وتوصيل أبنائه إلى مدارسهم، إلى زياراته لمسجدٍ محلّي كان مُقرَّراً أن يُلقي فيه محاضرة.

والجهة التي تقف وراء هذه العملية؟ الإمارات العربية المتحدة.

بالنسبة للتكريتي الناشط البريطاني البارز، ومؤسّس مؤسسة قرطبة (Cordoba Foundation)، والصوت الجهير في انتقاد الاستبداد الخليجي لم يكن عداء الإمارات له سرّاً. فقد ترأّس رابطة المسلمين في بريطانيا، وشغل منصباً قيادياً في مجلس المسلمين البريطانيين، وجاهر بدعمه لثورات الربيع العربي، وانتقد الحكم الاستبدادي في منطقة الخليج، ورفع صوته دفاعاً عن مصلحي الإمارات المعتقلين.

لكنّ الشكّ شيءٌ، والدليل شيءٌ آخر.

قال التكريتي إنّ رؤية الأمر «بالأسود والأبيض» أثارت فيه مشاعر لم يكن يتوقّعها. وحين خفتت صدمته الأولى، برز سؤالٌ أشدّ إلحاحاً: «ماذا كانت تعرف السلطات البريطانية عن هذا الأمر؟»

هذا السؤال بات اليوم في صلب ما يشغل التكريتي. فهو يقول إنّه لا يجد صعوبةً في تصديق أنّ الإمارات قد ترغب في مراقبته. ما يعجز عن استيعابه هو كيف يمكن أن تجري عمليةٌ كهذه على الأراضي البريطانية، وما إذا كانت السلطات البريطانية تعلم بها.

«إن كانوا يعلمون، فلماذا لم يُخبروني أو يُحذّروني على أقلّ تقدير أو يحموني؟» يتساءل التكريتي. «وإن كانوا لا يعلمون، فهذا في حدّ ذاته كارثةٌ من نوعٍ مختلف.»

«كان يجب أن تكون سلامتي مضمونة»

موقف التكريتي واضح: بصرف النظر عن نوايا الإمارات تجاهه، كان ينبغي أن تكون حمايته من الدولة البريطانية أمراً مُسلَّماً به. فهو يؤكّد أنّه لم يُوجَّه إليه أيّ اتّهام، ولم تستجوبه السلطات قطّ، وقضى حياته ملتزماً بالقانون البريطاني.

«أتوقّع أن تُصان حرّياتي المدنية وتُكفَل حرّيتي»، يقول. ويشمل ذلك عنده حقّه في انتقاد الحكومات والتعبير عن آرائه السياسية دون أن يتحوّل إلى هدفٍ لدولةٍ أجنبية.

«كان يجب أن تكون سلامتي مضمونة، في أدنى الأحوال، لأبثّ آرائي وأنتقد من أشاء، بينما أظلّ طوال حياتي ملتزماً بالقانون.»

وبرأيه، تطرح المراقبة سؤالاً أعمق حول حدود النفوذ الأجنبي في بريطانيا. «نظامٌ مارقٌ استبداديٌّ كالإمارات العربية المتحدة يمكنه أن يمدّ يده إلى مجتمعنا وينتهك الحرّيات المدنية وحقوق المواطنين والمنظّمات»، يقول التكريتي.

ويُشير الناشط العراقي الأصل أيضاً إلى مؤسسة قرطبة التي أسّسها، وإلى منظّماتٍ بريطانية أخرى يقول إنّ الإمارات استهدفتها وشوّهت سمعتها. لذا فإنّ قلقه لا يقتصر على ما قد يكون جرى له شخصياً، بل يمتدّ إلى السؤال الأشمل: هل يمكن لحكومةٍ أجنبية أن تستهدف مواطنين ومنظّماتٍ بريطانية وهي تعمل داخل المجتمع البريطاني؟ وما الردّ الذي ينبغي أن تُبديه الدولة البريطانية؟

تحذيرٌ من الشرطة البريطانية

بالنسبة للتكريتي، كان التحذير الذي تلقّاه مُقلِقاً وقاصراً في آنٍ واحد. حين أُبلِغ بالخطر، كان لديه طفلان صغيران. قيل له إنّ حياته قد تكون في خطر، لكنّه لم يتلقَّ أيّ معلومةٍ عمّن يُشكّل هذا التهديد أو مصدره أو الاحتياطات الواجب اتّخاذها.

«سوى تسليمي إشعار عثمان هذا، كأنّهم يضعون علامة في خانة اكتمل الواجب، لا شيء على الإطلاق»، يقول.

وقد اكتسبت هذه التجربة دلالةً جديدة في ضوء ما كُشف لاحقاً من مراقبةٍ. «من الواضح أنّ السلطات البريطانية، الشرطة البريطانية، كانت تعلم بشيءٍ ما يجري»، يقول. وإن كان التهديد بالغ الخطورة كما تُوحي التقارير اللاحقة، فثمّة برأيه سؤالٌ مشروع حول لماذا لم يُخبَر بالمزيد.

«أن تُحجم الشرطة عن إخباري بأنّ ثمّة تهديداً حقيقياً، بأنّ ثمّة من يدبّر مؤامرةً ضدّ حياتي هذا أمرٌ لا يمكن تصديقه على الإطلاق»، يقول.

لماذا تستهدفه الإمارات؟

لا يشكّ التكريتي في سبب استقطابه اهتمامَ الإمارات. فآراؤه السياسية، كما يقول، تضعه في موقعٍ مباشرٍ يتعارض مع قيادة دولة الخليج.

حين اندلع الربيع العربي عام 2011، كان التكريتي في طليعة المؤيّدين للحركات المطالِبة بالتغيير السياسي في مصر وتونس وغيرهما. وبالنسبة للإمارات وسائر الملكيات الخليجية، مثّلت هذه الحركات كما يرى تهديداً مباشراً لاستقرارها.

«وجدوا في ذلك تهديداً بالغاً لمكانتهم»، يقول. وقد أبدت الإمارات استياءها بوسائل شتّى، منها سحب الدعوات الموجَّهة إليه وتكليف مسؤولين في السفارة بالاتّصال به وإبلاغه بعدم العودة.

«لذا فإنّ وجودي في قائمتهم السوداء لا يُفاجئني.»

ما أدهشه هو المدى الذي بلغته الإمارات فيما تفعل. ويُشير إلى الإصلاحيين الإماراتيين الذين أمضوا أكثر من عقدٍ خلف القضبان، وكثيرٌ منهم ضحّوا بحرّيتهم في سبيل الديمقراطية. ويقول إنّ وقوفه إلى جانبهم وإعلاءه صوته دفاعاً عنهم زاد من غضب الإمارات عليه.

«وعلى ما يبدو، يريدون إسكاتي بأيّ ثمن.»

النفوذ الإماراتي في بريطانيا

تعود مخاوف التكريتي في نهاية المطاف إلى طبيعة العلاقة بين بريطانيا والإمارات. فالبلدان حليفان وثيقان تجمعهما روابط اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة، وباتت الإمارات حضوراً لافتاً في الحياة العامة البريطانية، وهو ما يراه التكريتي جزءاً من مشكلةٍ أكبر. ويُشير إلى الاستثمارات الإماراتية في الأندية الكروية والفعاليات الرياضية والترفيه والأسواق المالية والبنوك.

السؤال، كما يطرحه، ليس ببساطة هل ينبغي لبريطانيا أن تقيم علاقاتٍ مع الإمارات، بل ما الضوابط التي ينبغي أن تُحكم هذه العلاقات.

«أن تكون الإمارات العربية المتحدة من أوثق حلفائنا هذا لا يليق بحكومتنا ولا بمجتمعنا»، يقول. ويرى أنّ علاقة بريطانيا بأبوظبي يجب ألّا تكون على حساب حقوق المواطنين البريطانيين. «إن كانت الحكومة تؤمن حقّاً بالحرية والحرّيات المدنية وحقوق الإنسان، فعليها أن تتّخذ موقفاً مختلفاً.»

ويعني ذلك عنده التحقيق ليس فقط في عملية المراقبة المزعومة، بل في الامتداد الأشمل للنفوذ الإماراتي على السياسة البريطانية الداخلية والخارجية.

«أعتقد أنّ ثمّة حاجةً إلى تحقيقٍ أوسع»، يقول. ويُقرّ بأنّ تجربته الشخصية تبدو صغيرةً قياساً بما يُنسب إلى الإمارات من انتهاكاتٍ أشدّ خطورةً في أماكن أخرى. «قصّتي شاحبةٌ أمام الجرائم التي يرتكبها النظام الإماراتي»، يقول. لكنّه يُصرّ على أنّ ذلك ليس مبرّراً للتجاهل، بل هو دافعٌ للتمحيص الجادّ.

«الأصدقاء لا يأتون دون شروط»

يأمل التكريتي أن تواجه القيادة السياسية البريطانية هذه المسألة مباشرةً. ويُعرب عن أمله في أن يكون رئيس الوزراء البريطاني على استعدادٍ لمراجعة طبيعة العلاقة مع الإمارات.

«يمكننا أن نكون أصدقاء»، يقول التكريتي، «لكنّ الأصدقاء لا يأتون دون شروط.»

وهذه الشروط، كما يراها، بسيطة: أن تحترم الإمارات الحرّيات البريطانية والمواطنين البريطانيين، وأن تكفّ عن التدخّل في حقوقهم.

بالنسبة للتكريتي، غيّرت الوثائق التي اطّلع عليها طبيعة السؤال برمّته. فلسنواتٍ، كان بالإمكان ردّ الادّعاءات بأنّه كان هدفاً للمراقبة أو تفنيدها. أمّا الآن، فيقول إنّه رأى مراسلاتٍ وصوراً ورسائل تبدو موثِّقةً لنطاق هذه المراقبة.

لم يعد السؤال الغامض إذن هو لماذا استهدفته الإمارات فهو يعرف ذلك. السؤال الباقي هو ماذا كانت تعلم بريطانيا، وماذا كانت مستعدّةً لأن تفعل حيال ذلك.

«إمّا أن يدعموا الإمارات في نهجها الاستبدادي، وعليهم حينئذٍ أن يُصرّحوا بذلك علناً»، يقول. «أو إن كانوا يؤمنون حقّاً بالحرية والحرّيات المدنية وحقوق الإنسان، فعليهم أن يتّخذوا موقفاً مختلفاً.»

أخبار ذات صلة

Loading...
متظاهرون يحملون لافتات أمام صف من عناصر الشرطة في احتجاج للمطالبة بإطلاق سراح الأطفال المحتجزين في مراكز احتجاز الهجرة الأمريكية.

عائلة إيرانية تواجه احتجازاً عقابياً مستمراً من إدارة الهجرة الأمريكية

عائلة إيرانية محتجزة في أمريكا لأكثر من 130 يوماً بسبب نشاط سياسي قديم لأقاربهم، رغم عدم وجود سجل جنائي. اكتشف تفاصيل هذه القضية واطلع على مطالب العدالة الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
شاب سوري يرتدي زي الخوذ البيضاء للإنقاذ، يعكس قضية وفاة محمد غميرة في الحجز ومطالبات حقوق الإنسان بمحاسبة المسؤولين في سوريا.

وفاة معتقل سوري تشعل النقاش حول إصلاح السجون

وفاة محمد غميرة في الحجز تثير صدمة في سوريا وتسلط الضوء على إرث الاعتقال والتعذيب في عهد الأسد. تعرف على تفاصيل القضية وردود الفعل المطالبة بالعدالة والمحاسبة. اقرأ المزيد الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
نشطاء في هونغ كونغ يرفعون شموعاً في ذكرى ميدان تيانانمن 1989، في سياق نضال حقوقي وسط قيود قانون الأمن القومي.

محكمة هونغ كونغ تصدر حكماً في قضية منظّمي إحياء ذكرى تيانانمن

تتصاعد التوترات في هونغ كونغ مع انتظار حكم محكمة الأمن القومي على ناشطي الديمقراطية المتهمين بالتحريض على التمرّد. اكتشف تفاصيل القضية التي ترسم مستقبل حرية التعبير في المدينة. تابع القراءة لتعرف أكثر.
حقوق الإنسان
Loading...
شاب مهاجر يحمل أمتعته على شاطئ سبتة الإسبانية، يعكس أزمة التشرد والبحث عن مأوى وسط تدفق آلاف المهاجرين.

آلاف المهاجرين في سبتة عالقون في انتظار قرار إسباني

تعيش سبتة أزمة إنسانية حادة مع بقاء آلاف المهاجرين بلا مأوى وسط تحديات إيواء وخدمات أساسية. اكتشف تفاصيل الأزمة وكيف تسعى السلطات لإيجاد حلول. تابع المزيد الآن!
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية