تغيرات الخليج في ظل غياب الحماية الأمريكية
تغيّرت المعادلة الأمنية في الخليج بعد تحوّل الولايات المتحدة من الحامي إلى مصدر التهديد. كيف تتعامل الدول مع إيران وتعيد رسم الاستقرار في المنطقة؟ اكتشف الدبلوماسية الجديدة التي تجمع بين القوة والتعاون.

لثلاثين عاماً، أسّست ملكيات الخليج أمنها على افتراضٍ واحد: أنّ الولايات المتحدة ستحميها.
الحرب التي شنّها الرئيس الأمريكي Donald Trump وإسرائيل على إيران دفنت هذا الافتراض.
القواعد الأمريكية المنتشرة في أرجاء الخليج لم تُحصّن دوله من نزاعٍ لم تختره يوماً. بل جعلته هدفاً. إيران لم تكن قادرةً على الوصول بسهولة إلى تل أبيب أو واشنطن، فضربت الأهداف الأيسر منالاً في نطاق مداها، وامتصّ الخليج الضربات.
هكذا انكشف الثمن الحقيقي للصفقة القديمة.
أثبت Trump أنّه قادرٌ على إشعال حرب، لكنّه عجز عن إنهائها. أفقده نفاده الصبر و رغبته للإطراء وتأرجحه الدائم بين اللوبي الإسرائيلي ولوبي الخليج القدرةَ على المفاوضة الصبورة التي يستلزمها أيّ تسوية. منح إيران جرأةً كانت دول الخليج قد أمضت سنواتٍ تتعلّم كيف تُدارها، وأوقع شركاءه في مزيدٍ من الخطر بدلاً من أن يُقلّله. لقد تحوّل الحامي إلى مصدر التهديد.
تجدر الإشارة إلى ما تمثّله هذه الدول لواشنطن حقاً.
ملكيات الخليج مُساهِمٌ صافٍ في القوة الأمريكية؛ تستضيف الأساطيل، وتشتري الأسلحة، وتموّل القواعد، وتضخّ تريليونات الدولارات في صورة استثمارات أجنبية مباشرة، وتمنح الولايات المتحدة مظهر المهيمن الإقليمي الذي لم تعد تستطيع تحمّل تكاليفه.
لقرابة ثلاث سنوات، كانت إسرائيل هي من يكسر السلام الإقليمي، والخليج هو من يدفع ثمن إصلاحه. هذه المرة، كانت أمريكا هي من أحدثت الكسر. ومرّةً أخرى، وصلت الفاتورة إلى الرياض والدوحة وأبوظبي.
كما حدث إبّان الربيع العربي، اضطرّ الخليج إلى التدخّل وتحمّل مسؤولية منطقته، حين أخفقت أمريكا مجدّداً في الوفاء بدورها.
ملء الفراغ
لم يأتِ الردّ دفعةً واحدة، ولم ينطلق من عاصمةٍ بعينها. في البداية، تحدّث الخليج بأصواتٍ متعدّدة، وتوزّعت مواقفه على طيفٍ واسع.
سعت عُمان إلى ترويض إيران عبر التعددية الدبلوماسية. في أبوظبي، سلك الشيخ محمد بن زايد، رئيس الإمارات، المسار المعاكس، إذ ضغط على جيرانه للانضمام إلى حملةٍ عسكرية تُعيد رسم معادلة الردع في مواجهة طهران. رفضت السعودية وقطر. لم تقبل أيٌّ منهما أن تصبح شريكاً ثانوياً في رؤية شخصٍ آخر للمنطقة، ولا سيّما رؤية إسرائيل.
حين أخفق النهج المتشدّد في تحقيق نتائجه، برزت استراتيجيةٌ أهدأ في مكانه. كان الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن القومي الإماراتي والمحرّك الدبلوماسي الدؤوب، يرى منذ أمدٍ بعيد أنّ الاشتباك لا المواجهة هو الطريق الأضمن إلى الاستقرار. وكانت الرياض والدوحة تؤمنان بذلك أصلاً.
فأفسحت لغة الردع المجال للغة الانخراط والاعتماد المتبادل، مع إدراكٍ واضح لطبيعة الخصم الذي يواجهونه.
إيران مُصمَّمةٌ على تحمّل العقوبات دون حدودٍ تكاد تُذكر. أثبت الخليج أنّه قادرٌ على الصمود في وجه النزاع، لكنّه لن يستعيد الردع بالقصف ضدّ خصمٍ صُنع ليصمد.
باتت قطر المحور الذي يدور عليه كلّ شيء: الدوحة تتحدّث إلى واشنطن وإلى طهران في آنٍ واحد، وتستطيع الادّعاء بقدرٍ من الثقة لدى الطرفين.
حين انهارت جولةٌ مبكّرة من محادثات إسلام آباد، أبقت قطر العملية حيّةً، وإن كان ذلك بصمتٍ وفي الظل. طائراتها كانت تتنقّل بين الدوحة وطهران. ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني كان يُجري اتصالاتٍ مكثّفة مع إدارة Trump.
بدلاً من السعي إلى صفقةٍ كبرى لا تزال بعيدة المنال، انتهجت الدوحة دبلوماسيّة الخطوات الصغيرة. مذكّرة التفاهم المطروحة على الطاولة الآن متواضعةٌ في مضمونها، وستحتاج إلى أسابيع بل ربّما أشهر كي تنضج إلى شيءٍ أكبر.
غير أنّها تُخفّف الضغط عن الممرّات الملاحية وسلاسل الإمداد، وتُحقّق الشيء الوحيد الذي كان ينقص المنطقة: الزخم الدبلوماسي في نزاعٍ كاد يتجمّد.
وهذا الزخم استلزم أن تسير الدول الإسلامية في اتجاهٍ واحد. أدّت كلٌّ من باكستان وتركيا والسعودية وقطر دوراً في إقناع رئيسٍ متسرّع بأنّ الدبلوماسية، بطيئةً وغير مُبهرة كما تبدو، هي المخرج الوحيد من المستنقع.
عملت إسرائيل على تخريبها. كلّما أحرزت المحادثات تقدّماً، صعّدت إسرائيل في لبنان. وشنّت عمليات معلوماتية استهدفت قطر وباكستان.
أمام رئيسٍ قصير الأمد الانتباه، كانت الروايات المُسلَّحة التي تنسجها الشبكات الإسرائيلية الصاخبة والواسعة الانتشار قادرةً على التأثير في مزاجه. ما أفشل هذه المساعي في نهاية المطاف كان وحدة الخليج. للمرّة الأولى، تحدّث "الثلاثي الكبير" في الخليج بصوتٍ واحد.
تحوّل أبوظبي المتأخّر نحو البراغماتية أفضى إلى أن تتوقّف السعودية وقطر والإمارات عن انتهاج سياساتٍ خارجية متنافسة، فلم تجد الحيلة الإسرائيلية التقليدية القائمة على "فرّق تسُد" ما تُفرّقه بعد الآن.
إعادة رسم النظام
هذا هو الدرس الذي لا يستطيع الخليج أن ينساه. المنطقة منظومةٌ أمنية واحدة، شاء حكّامها أم أبَوا. الهجوم على دولةٍ خليجية واحدة هجومٌ على الجميع.
اقتصاداتها ومجاريها المائية وشعوبها متشابكةٌ على نحوٍ يجعل ازدهار أيٍّ منها مستحيلاً في حين يحترق جارها. إنّها رهائن الجغرافيا، والجغرافيا توحّد أحياناً أكثر ممّا تُفرّقه تضارب المصالح والقيم.
هذه الحقيقة تقود إلى استنتاجٍ غير مريح: يحتاج الخليج إلى علاقةٍ عملية مع إيران، والردع وحده لن يُنتجها أبداً. لا بدّ أن يُقرن الردع بالاعتماد المتبادل المالي والتجاري.
خليجٌ موحّد تربطه شبكةٌ كثيفة من العلاقات الاقتصادية بطهران هو أبلغ تحذيرٍ يمكن أن يتلقّاه الحرس الثوري الإيراني. فأيّ هجومٍ على الخليج سيصبح هجوماً على شرايين إيران الحيوية ذاتها.
وهو كذلك أضمن طريقةٍ للإبقاء على واشنطن مُستثمَرةً في المشهد، وهنا يتحوّل الحجاج إلى المال. سلامٌ يرفع العقوبات سيفتح إيران أمام إعادة الإعمار، وإعادة الإعمار تعني سوقاً قد تُغري إدارة Trump ومجموعة Trump في آنٍ معاً.
بينما يكون الخليج البوّابة، تقف الشركات الأمريكية في موضع الاستفادة منه. بِع الدبلوماسية لـ Trump بوصفها سلاماً يدرّ أرباحاً، وربّما أغلق أذنيه أخيراً عن الصخب القادم من تل أبيب.
الدروس المستخلصة لمجلس التعاون الخليجي هي أنّ تجميع القدرات والشبكات والنفوذ قادرٌ على تشكيل النظام الإقليمي، حتى في مواجهة الأوهام الإسرائيلية بالهيمنة.
تحالفٌ من الراغبين يتحدّث بصوتٍ واحد حين يستدعي الأمر، ويُبقي خلافاته طيّ الكتمان حين يواجه ضغوطاً خارجية، قادرٌ على تحمّل مسؤولية السلام والأمن الإقليميَّين، حتى حين ينام العملاق الأمريكي ويمضي دولتا المنطقة المنبوذتان إسرائيل وإيران في تحقيق مصالحهما الذاتية بعمى تامّ.
طوال معظم تاريخه الحديث، انتظر الخليج أن يقرّر الآخرون مصيره. واشنطن وطهران وتل أبيب أخذت كلٌّ منها دورها في ذلك. كشفت هذه الحرب كلفة هذا التبعية، وكشفت في الوقت ذاته المكاسب التي تتيحها الوحدة في العمل.
السؤال الوحيد المتبقّي: هل الخليج مستعدٌّ لأن يُشكّل النظام من حوله بصورةٍ جماعية، أم سيظلّ يتشكّل به حين يتصرّف كلٌّ منفرداً؟.
أخبار ذات صلة

اتفاق أميركي إيراني: تجميد العقوبات وإطلاق الأموال المحجوزة على مراحل

إسرائيل لم تطّلع على نصّ الاتفاق النووي الإيراني: تقرير

الكونغو: المعارضة تندّد بقانونٍ جديد قد يمهّد لولايةٍ ثالثة لتشيسيكيدي
