وورلد برس عربي logo

تونس بين الثبات والطموح في كأس العالم المقبلة

منتخب تونس يحقق ثباتا ملحوظا بتأهلات متتالية لكأس العالم وأمم أفريقيا لكنه يفتقد للنجومية والذكريات الخالدة. هل يستطيع الفريق الجديد بقيادة لاموشي تحقيق نقلة نوعية وصناعة أسطورة حقيقية وورلد برس عربي يسلط الضوء على التحديات؟

لاعب كرة قدم تونسي يرتدي قميص المنتخب الوطني، يرفع رأسه ليلتقط كرة متجهة نحو الأعلى، وسط أجواء حماسية في الملعب.
يلعب المدافع التونسي منتصر الطالبي الكرة خلال مباراة ودية ضد النمسا في 1 يونيو 2026 (جو كلومار/أ ف ب)
التصنيف:رياضة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

الثبات وحده لا يصنع أسطورة. هذا ما يتساءله المشجّعون التونسيون وهم يتابعون منتخبهم يتأهّل إلى كأس العالم مرّةً بعد مرّة، دون أن يترك أثراً يُذكر في ذاكرة المشجّع العالمي.

منذ عام 1998، تأهّل المنتخب التونسي إلى نهائيّات كأس العالم مرّتَين أكثر من معظم جيرانه. وعلى صعيد البطولة القارّية، يحمل تونس رقماً قياسياً لافتاً: 17 تأهّلاً متتالياً لبطولة كأس أمم أفريقيا منذ عام 1994، وهو ما أكسبه لقب "ألمان أفريقيا".

غير أنّ هذا الثبات لم يُفضِ إلى الإرث الذي تركته منتخبات أقلّ حضوراً في سجلّات التأهّل. فالجزائر والمغرب نالا إعجاب العالم بمسيرتَيهما العميقتَين في بطولتَي 2014 و2022 على التوالي. وحتى المملكة العربية السعودية، التي تتضمّن سجلّاتها في كأس العالم أكثر من هزيمة ثقيلة، تستطيع أن تستحضر انتصاراً تاريخياً بنتيجة 2-1 على الأرجنتين، بطلة البطولة، في ملعب لوسيل عام 2022.

يريد المشجّعون التونسيون لمنتخبهم أن يصنع ذكرياتٍ مماثلة لا تُمحى، لكنّ الأمل بدأ يتحوّل تدريجياً إلى سخرية مريرة. التأهّل إلى كأس العالم وهو إنجازٌ لا يُستهان به لم يعد يُعدّ إنجازاً بحدّ ذاته.

بات الثبات المتواصل عبئاً على تونس؛ مشجّعوها يتطلّعون إلى المزيد، لكنّهم يجدون أنفسهم أمام فريقٍ يحصّل النتائج دون أن يُقدّم كرةً جميلة.

يقول صحفيٌّ أفريقي متخصّص في كرة القدم : "الطفل الجالس في بيته يشاهد كأس العالم لن يرى تونس ويتبنّاها فريقاً ثانياً. لا نجوم لافتون يبرزون على الساحة، ولا كرة قدم جيّدة تُقدَّم."

يرتكز ثبات تونس على ركيزةٍ واحدة: الروح الجماعية التي لا تتزعزع. مسيرات التأهّل الأفريقية معروفةٌ بصعوبتها الشديدة، وكثيراً ما تتحوّل المباريات على أرض الخصم إلى معاركٍ استنزاف تُحسمها قدرة الفريق على التماسك تحت الضغط. الكاميرون ونيجيريا، رغم نجومهما البارزين، غابتا عن نهائيّات هذا العام جزئياً لأنّهما فشلتا في اجتياز تلك التحدّيات.

يُلخّص المشجّعون والمحلّلون هذه الصفات بكلمةٍ واحدة: غرينتا (Grinta). المصطلح الإيطالي المتداول على امتداد ضفاف المتوسّط، ويعني الشجاعة والعزيمة وروح القتال.

حدود الثبات

يتناسى مشجّعو تونس أحياناً أنّ دولةً يبلغ عدد سكّانها نحو 12 مليون نسمة لا تملك الموارد ذاتها التي تمتلكها منافسوها. فالمغرب والجزائر يفوقان تونس في عدد السكّان بمرّتَين وثلاث مرّات على التوالي، فضلاً عن أنّ لهما جاليتَين أكبر بكثير في أوروبا يستطيعان الاستفادة منهما في استقطاب المواهب.

أمّا المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى فهي من أغنى دول العالم، في حين تُصنّفها البنك الدولي تونسَ ضمن الدول ذات الدخل المتوسّط الأدنى. وقد أفضى الركود الاقتصادي على مدى العقدَين الماضيَين إلى ضرورة أن تُحسن كرة القدم التونسية توظيف مواردها المحدودة للبقاء في المنافسة.

الأندية تتحاشى توقيع عقودٍ ضخمة، والمدرّبون الأجانب باتوا شبه نادرين؛ إذ لا يتجاوز عدد المدرّبين الأجانب في الدوري التونسي اثنَين من أصل 16 مدرّباً في الدوري الاحترافي وقت كتابة هذا التقرير.

دفعت القيود المالية الأندية إلى التركيز على تطوير اللاعبين، فاكتسبت شهرةً في احتضان المواهب، بما فيها لاعبون مُغفَلٌ عنهم من مختلف أنحاء القارة. هداف الجزائر التاريخي بغداد بونجاح كان مُهمَلاً في بلاده قبل أن يلتحق بنادي النجم الساحلي عام 2013، وهو ما فتح له باب المنتخب الجزائري في العام التالي، ثم أفضى إلى انتقاله إلى السد القطري مقابل 3.8 مليون دولار عام 2016.

توسّعت صناعة تصدير المواهب التونسية لتطال الأسواق الأوروبية، مع رحيل اللاعبين في مراحل أبكر من مسيرتهم. هذا التوجّه نتاجٌ طبيعي للضرورة الاقتصادية؛ فالدعم الحكومي لكرة القدم تراجع، فيما تبقى عائدات حقوق البثّ والمنتجات التجارية محدودة.

في أعقاب نجاح المغرب عام 2022، يتطلّع التونسيون إلى رؤية منتخبهم يتجاوز دور المجموعات للمرّة الأولى في تاريخه. يقول مؤسّس موقع ActuFootTunisie المتخصّص في تغطية كرة القدم التونسية : "بصراحة، أنا شخصٌ متفائل جداً بشأن حظوظنا في التأهّل. تونس قادرةٌ على الطموح للمركز الثاني، لكن يجب أن نبقى واقعيّين. المركز الثالث والتأهّل بوصفنا أحد أفضل الثالثَين أمرٌ ممكن. سيكون سابقةً للبلاد ونتيجةً ناجحة جداً لنا."

طاقم بإمكانات واعدة

هذه الروح الجماعية باتت مهدَّدة اليوم، في ظلّ قرار المدرّب الجديد Sabri Lamouchi بإعادة هيكلة التشكيلة بشكلٍ جذري. لم يُشارك في كأس العالم الأخير سوى 5 لاعبين من أصل 26 في القائمة الحالية، فيما أُقصي عددٌ من الأسماء الكبيرة، من بينهم فرجاني ساسي وعلي معلول وياسين مرياح.

ومن الوجوه الجديدة Rani Khedira المولود في ألمانيا، الذي سبق أن رفض مقاربات الاتحاد التونسي لكرة القدم، وقال لوسائل الإعلام الألمانية عام 2015: "لم تكن هناك أيّ فكرة بالذهاب إلى تونس."

أثار إدراج Khedira على حساب مفضّلين لدى الجمهور كعيسى العيدوني ومحمد علي بن رمضان غضب بعض المشجّعين. يقول مؤسّس ActuFootTunisie: "إدراج Rani Khedira على حساب عناصر أخرى هو أمرٌ مؤسف بوضوح، لأنّ غيره لعب كلّ مباريات التصفيات وهو لا يزال يبدو انتهازياً. لكن الآن وقد أصبح هنا، فهو يمثّل بلدنا وهو تونسي، لذا ندعمه."

في المقابل، أبدى موقفاً إيجابياً من القائمة بشكلٍ عام: "إنّها قائمةٌ جيّدة تضمّ كثيراً من الشباب، خلافاً للسابق حين كان ثمّة ربّما عددٌ مفرط من اللاعبين المخضرمين. القائمة تمتلك إمكانات."

أحد أصغر أعضاء القائمة سنّاً، خليل العياري، لم يكن قد أمضى سوى سنةٍ ونصف في الاحتراف حين انتقل إلى Paris Saint-Germain قادماً من نادي الترجّي التونسي في مطلع موسم 2025-26. العياري واحدٌ من 12 لاعباً في القائمة وُلدوا في القرن الحادي والعشرين.

وجوهٌ جديدة

باتت الحاجة إلى التجديد واضحةً بجلاء مع تبيّن أنّ الوضع القائم لم يعد مقبولاً. قدّم المنتخب أداءً باهتاً في البطولتَين السابقتَين لكأس العالم 2026.

في كأس العرب FIFA الذي احتضنته قطر في ديسمبر، جاء المنتخب بتشكيلةٍ قوية، لكنّه خسر أمام سوريا بهدفٍ دون ردّ في مباراته الافتتاحية، ثم أضاع تقدّمه بهدفَين في تعادلٍ مثيرٍ للجدل 2-2 أمام فلسطين، ليودّع البطولة من الدور الأوّل.

بلغ "نسور قرطاج" دور الـ16 في كأس أمم أفريقيا 2025 بعد شهرٍ واحد، لكنّهم كشفوا عن هشاشةٍ واضحة أمام المنتخبات الأفريقية من الصفّ الأوّل. ولم يُجامل نجم المنتخب الأوسط Hannibal Mejbri أحداً في تعليقه عقب الخروج من دور الـ16 على يد مالي.

قال نجم الدوري الإنجليزي الممتاز: "نحن متأخّرون في كرة قدمنا، وهذا يجب أن نقوله، نحن متأخّرون في أشياء كثيرة. يجب على الجميع أن يجلسوا حول طاولةٍ واحدة، كلّ مسؤولي كرة القدم التونسية، وأن يطرحوا على أنفسهم الأسئلة الحقيقية."

ردّ المسؤولون في الاتحاد التونسي لكرة القدم (FTF) على هذا الاستحقاق بتعيين Sabri Lamouchi، لاعب المنتخب الفرنسي السابق من أصولٍ تونسية، في يناير 2026. جاء هذا الاختيار استجابةً لانتقادات المشجّعين الذين سئموا من تعاقب ستّة مدرّبين محلّيّين على رأس المنتخب منذ عام 2018.

وعد Lamouchi بالتغيير حين قُدِّم للإعلام في يناير، وبالنظر إلى عدد الوجوه الجديدة والشابّة في القائمة، يمكن القول إنّه وفى بوعده.

جدلٌ حول الاختيارات

لم تسلم قائمة المنتخب من الجدل. كشف تقريرٌ حديث أنّ بعض اختيارات Lamouchi فُرضت عليه من قِبَل مسؤولين في الاتحاد التونسي. ووفق التقرير، كان ثمّة حصصٌ إلزامية من لاعبي الأندية الكبرى لضمان حصول تلك الأندية على تعويضاتٍ ماليّة من FIFA.

تدفع الهيئة الدولية للأندية تعويضاً قدره 10,950 دولاراً عن كلّ لاعبٍ في اليوم، وقد تجاوز إجمالي ما دُفع للأندية 209 ملايين دولار خلال كأس العالم 2022.

هذا التقرير يمثّل اتّهاماً خطيراً للإدارة الجديدة في الاتحاد التونسي. فرئيس الاتحاد السابق وديع جاري اعتُقل عام 2023 وصدر بحقّه حكمٌ بالسجن أربع سنوات بتهم الفساد وتزوير نتائج المباريات. وكثيرٌ من القيادة الجديدة بمن فيهم الرئيس الحالي معز نصري ونائبه حسين جنايح كانوا جزءاً من الدائرة المقرّبة من جاري.

الأسئلة أكثر من الإجابات فيما يستعدّ "نسور قرطاج" للتحليق نحو المكسيك. تظلّ الشكوك قائمةً حول آليّات عمل الاتحاد التونسي والصحّة المالية لكرة القدم في البلاد.

هذه ستكون أيضاً أولى بطولات Sabri Lamouchi، ولا يتبقّى من قائمة 2022 سوى خمسة لاعبين فحسب، وهي القائمة التي كانت تمتلك على الأقلّ غرينتا بامتياز.

الوقت وحده كفيلٌ بالإجابة عمّا إذا كان تغيير المدرّب وإعادة هيكلة القائمة سيُفضيان إلى أوّل مشاركة تونسية في دور الـ16 من كأس العالم. غير أنّ الصحفي الرياضي البارز Maher Mezahi ليس متفائلاً.

قال : "إن كان لهذا الفريق أن يفوز في مباراة، فلن يكون ذلك بأكثر من هدفٍ واحد. وبالنظر إلى أسلوب لعبهم، قد يكون السقف نقطتَين فقط من ثلاث مباريات."

أخبار ذات صلة

Loading...
أوكان بوروك مدرب غلطة سراي مبتسم خلال تدريب الفريق مرتدياً قميص النادي الأسود مع شعار بوما، مع خلفية ملعب كرة قدم مشمسة.

الرقم القياسي لا يتوقف! بوروك يتجاوز إرث تيريم

في 1481 يوماً على رأس غلطة سراي، أوكان بوروك يحقق ألقاباً تاريخية ويكسر الأرقام القياسية في الدوري التركي. اكتشف كيف يقود الفريق نحو مستقبل من الانتصارات والتاريخ. تابع التفاصيل معنا!
رياضة
Loading...
لاعب كرة القدم لامين يامال يؤدي سجود الشكر بعد تسجيل هدف لإسبانيا في كأس العالم، معبرًا عن إيمانه الإسلامي في الملعب.

كأس العالم 2026: لاعبون مسلمون يعيدون رسم نقاش الهوية الأوروبية

في قلب الملاعب الأوروبية، يثبت لاعبو كرة القدم المسلمون أن الإسلام جزء لا يتجزأ من نسيج القارة، متحدين التمييز ومُلهمين الأجيال. اكتشف قصصهم وتأثيرهم في كأس العالم الآن!
رياضة
Loading...
بابي ثياو مدرب المنتخب السنغالي السابق بتعبير جدي بعد وداع كأس العالم 2026 من دور الـ32.

سنغال تعلن رحيل نجمها بعد كأس العالم

انتهى عهد Pape Thiaw مع المنتخب السنغالي بعد وداع كأس العالم 2026، في خطوة تعكس تغيرات واسعة بين مدربي المنتخبات. اكتشف تفاصيل الإقالة وتأثيرها على مستقبل السنغال الآن!
رياضة
Loading...
ستاله سولباكن مدرب منتخب النرويج لكرة القدم خلال مؤتمر صحفي قبل مباراة ربع نهائي كأس العالم 2026 ضد إنجلترا في ملعب ميامي.

تحليل سولباكن: "البلد بأسرها تنتظر مواجهة إنجلترا"

في ربع نهائي كأس العالم 2026، يقود سولباكن منتخب النرويج بحماس استثنائي وتكتيك متقن يوازن بين قوة هالاند وكين. اكتشف كيف صنع هذا الجيل الاستثنائي التاريخ وكن جزءًا من الحماس!
رياضة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية