وورلد برس عربي logo

تونس تواجه تصعيد قمع الحريات والمنظمات الحقوقية

تونس تشهد حملة قمع ضد منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان مع تعليق وحل العديد منها وسط مخاوف من تراجع الحريات والتضييق على المجال المدني في ظل تصاعد السلطة التنفيذية. تفاصيل وأصوات المحتجين في وورلد برس عربي.

تجمع محتجون أمام محكمة الناحية في تونس العاصمة، مع وجود محامين يرتدون الأرواب، تعبيراً عن القلق من تراجع الحريات المدنية.
محامية تونسية ترتدي سوارًا أحمر كعلامة على الاحتجاج، تمر بجانب المحكمة في تونس في 19 مايو 2026، خلال تجمع للمحامين ضد الرئيس وتراجع الحريات (فتحي بليد/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الأسابيع الأخيرة، باتت التجمّعات الصغيرة مشهداً متكرّراً أمام محكمة الناحية في تونس العاصمة. بعض المحتجّين يطالبون بصون الحريات، وآخرون يرفضون قرارات التوقيف الإداري التي يعتبرونها تعسّفية. والجامع بين الجميع هو القلق من تقلّص المجال المدني تقلّصاً قد يكون دائماً.

خلال العامين الماضيين، جرى تعليق عشرات المنظمات غير الحكومية في تونس لمدة 30 يوماً، مع تهديدها بالحلّ بموجب أحكام قضائية. وفي الأشهر الأخيرة، طال هذا المصير منظّمتين كبيرتين: الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (LTDH)، وهي أعرق منظمة حقوقية في أفريقيا وعضو في الرباعي الراعي للحوار الوطني الذي نال جائزة نوبل للسلام عام 2015 تقديراً لدوره في المسار الديمقراطي التونسي، ومنظمة المحامون بلا حدود (ASF) التي يقع مقرّها الرئيسي في بلجيكا.

وطال التعليقُ أيضاً مؤسسة الخطّ، المالكة لموقع Inkyfada الاستقصائي. فقد عُلِّق الموقع المستقل شهراً كاملاً في البداية، ثم فُتحت ضدّه إجراءات الحلّ، مع تحديد جلسة للنظر في القضية يوم الاثنين.

قالت منال الصويعد، المديرة التحريرية لـ Inkyfada : "بدأ الأمر في أكتوبر 2025 بتعليق مفاجئ لمدة شهر، صُمِّم لإسكات منشوراتنا. لكنّنا لم نتوقّف. واصلنا العمل وطعنّا في القرار، ثقةً منّا بحقّنا الأساسي في الدفاع وفي قضاء نزيه."

وتضمّ قائمة المنظمات التي صدرت بحقّها قرارات تعليق قضائية: الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، وأصوات نساء، وموقع نواة، واللجنة الدولية للحقوقيين، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب. وتأتي هذه القرارات في سياق تراجع متصاعد للمكتسبات السياسية والمدنية التي أعقبت انتفاضة 2011، منذ أن أحكم الرئيس قيس سعيّد قبضته على السلطة قبل خمس سنوات.

في 25 يوليو 2021، أقال سعيّد الحكومة وجمّد البرلمان، وبدأ يحكم بصورة وصفتها منظمات حقوق الإنسان بالاستبدادية المتصاعدة. ثم أقرّ دستوراً جديداً وسّع صلاحيات الرئاسة، وضيّق على المؤسسات الوسيطة كالمجلس الأعلى للقضاء الذي جُرِّد فعلياً من صلاحياته.

وقد رافق هذا الإصلاح المؤسسي حملةٌ من الاعتقالات والمضايقات الإدارية طالت منظمات المجتمع المدني العاملة في مجالات متنوّعة، من حقوق الإنسان والهجرة إلى مكافحة الفساد والعدالة الاجتماعية. وتشير التقارير إلى أنّ نحو 600 منظمة باتت تحت المجهر القضائي.

في المقابل، تقول السلطات إنّها تتصدّى للتمويل الأجنبي المشبوه وتحمي المصالح الوطنية. غير أنّ منظمات حقوقية، في مقدّمتها منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، وصفت هذه المبرّرات بأنّها "ذريعة" للتنكيل بالمنظمات غير الحكومية وتضييق المجال المدني.

"محو المنظومة السياسية بأسرها"

وفق منظمة العفو الدولية، تطوّر المشهد من التخويف والقيود التعسّفية وتجميد الأصول والملاحقات القضائية ذات الدوافع السياسية، إلى توظيف الجهاز القضائي لإغلاق المنظمات غير الحكومية كلّياً.

بموجب المرسوم عدد 88 المنظّم لعمل الجمعيات، تمرّ المنظمات عادةً بثلاث مراحل: إنذار إداري أوّلاً، ثم تعليق مؤقّت، وأخيراً الحلّ. وقد بلغت عدّة منظمات المرحلة الأخيرة فعلاً، من بينها Inkyfada وجمعية منامتي المناهضة للعنصرية ومقرّها تونس العاصمة، التي تقبع مؤسّستها سعديةمصباح في الاحتجاز منذ عامين، وصدر بحقّها مؤخّراً حكم بالسجن ثماني سنوات بتهم تتعلّق بالمخالفات المالية.

قال لمين بن غازي، مسؤول المناصرة لمنطقة أوروبا والمتوسّط في منظمة المحامون بلا حدود (ASF) : "لقد استُهدف الإطار المؤسسي بأكمله الموروث من مرحلة الانتقال الديمقراطي. لكنّ الأمر لا يقتصر على المؤسسات: هذه السلطات تريد محو المنظومة السياسية برمّتها الإعلام والجمعيات والنقابات معاً."

أثار تعليق الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في أبريل موجةً واسعة من الغضب، إذ تجمّع المئات في العاصمة على شارع الحبيب بورقيبة احتجاجاً على القرار. وكانت الرابطة من بين القلّة المأذون لها بدخول السجون التونسية، حيث يُحتجز عشرات المعارضين والصحفيين وخصوم النظام.

قال باسم الطريفي، رئيس الرابطة، لمنظمة العفو الدولية: "نعتبر قرار التعليق قراراً سياسياً متنكّراً في زيّ قضائي، إذ يندرج في سياق تضييق المجال المدني واستهداف المنظمات المستقلة المدافعة عن حقوق الإنسان في تونس. وما يجري لا يقتصر على استهداف منظمات حقوق الإنسان، بل يمسّ الحقوق والحريات في جوهرها، ولا سيّما حرية التعبير والتجمّع وتكوين الجمعيات."

ومن بين المحتجّين كانت سهام بن سدرين، إحدى أبرز شخصيات المجتمع المدني التونسي. فقد ترأّست هيئة الحقيقة والكرامة (IVD)، المنوط بها بعد انتفاضة 2011 التحقيق في الجرائم المرتكبة في عهد الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وكذلك خلال الاحتجاجات التي أفضت إلى سقوط الأخير عام 2011.

اعتُقلت بن سدرين في أغسطس 2024 بتهمة تزوير التقرير الختامي للهيئة، وأُفرج عنها في فبراير 2025 إثر إضراب مطوّل عن الطعام. لا تزال تحمل آثار ذلك الاحتجاز الذي تعتبره ظالماً، جسدياً ونفسياً، فيما تستعدّ لمواجهة محاكمات جديدة مرتبطة بعملها في هيئة الحقيقة والكرامة.

قالت : "يستخدمون أساليب قمعية جديدة: لا يُغلقون الجمعيات مباشرةً، بل يعلّقونها. وهذا أشدّ خبثاً من مجرّد حظر النشاط، لأنّه يستهدف بثّ الخوف وترسيخ ردّ فعل الرقابة الذاتية."

ناضلت بن سدرين سياسياً منذ عهد بورقيبة، وعرفت فترات احتجاز متعدّدة. بيد أنّها ترى أنّ الاستبداد بلغ ذرى جديدة في عهد سعيّد. قالت : "كان لديّ شعور بأنّ السجن في ظلّ هذا النظام أشبه بـ'lettres de cachet' الملكية القديمة يزجّون بك خلف القضبان ولا تخرج. شعرت أنّني قد أمكث هناك وقتاً طويلاً جداً. وفي لحظة ما قلت لنفسي: لا، لا أستطيع قبول هذا بعد الآن. لم يكن ثمّة أيّ مبرّر لاعتقالي."

تآكل حرية الصحافة

في خضمّ ملاحقة بن سدرين قضائياً، اجتاحت موجة اعتقالات أخرى شخصيات من المجتمع المدني والإعلام، من بينها سونيا الدهماني، المحامية والمعلّقة التلفزيونية المعروفة، ومراد الزغيدي، الكاتب الصحفي والمعلّق الإذاعي.

في كلتا الحالتين، وظّفت السلطات المرسوم عدد 54 لسنة 2022، الذي استخدمته الحكومة التونسية لملاحقة ما تصفه بـ"الأخبار الكاذبة" الماسّة بالأمن العام. وغدا اعتقالهما رمزاً لتنامي توظيف القضاء أداةً لإسكات الأصوات الناقدة.

أُفرج عن الدهماني في نوفمبر 2025 بعد نحو عام ونصف من الاحتجاز، لكنّها صدر بحقّها في وقت سابق من هذا الأسبوع حكم بالسجن سنتين طعنت فيه بالاستئناف. أمّا الزغيدي فلا يزال خلف القضبان، يواجه تهماً إضافية كغسيل الأموال والفساد، يعتبرها محاموه لا أساس لها وذات دوافع سياسية.

وفق مؤشّر حرية الصحافة العالمي 2026 الذي نشرته منظمة مراسلون بلا حدود (RSF)، تراجعت تونس إلى المرتبة 137 من أصل 180 دولة، بعد أن كانت في المرتبة 129 العام الماضي.

قال أسامة بوعقيلة، مسؤول المناصرة الإقليمية ونائب رئيس مكتب شمال أفريقيا في منظمة مراسلون بلا حدود (RSF): "يعكس هذا التراجع نمطاً أعمق ترصده المنظمة بصورة منهجية. فقد وثّقت RSF 39 ملاحقة قضائية ضدّ صحفيين استناداً إلى قوانين لا صلة لها بالعمل الصحفي. والرئيس سعيّد يدعو الإعلام العمومي باستمرار إلى الانخراط فيما يسمّيه حرب التحرير الوطنية."

أشار بوعقيلة إلى أنّ تونس شهدت بعد ثورة 2011 انفتاحاً واسعاً في القطاع الإعلامي، غير أنّ هذا الزخم انقطع فجأة مع أحداث يوليو 2021 وما تلاها من تمركز للسلطة في يد سعيّد.

وتبقى قضية Inkyfada من أكثر الحالات دلالةً على هذا التضييق. فالموقع المعروف في تونس وخارجها بتحقيقاته في الشأن السياسي والاجتماعي بما فيها تقاريره عن الانتهاكات التي طالت المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى إثر وصف سعيّد لهم بأنّهم تهديد ديموغرافي يمثّل فضاءً حرّاً نادراً لآلاف القرّاء.

قالت المديرة التحريرية في معرض حديثها عن جلسة الأول من يونيو: "لنكن صريحين: لم نخرق القانون ولا أعراف العمل المدني في تونس. التزمنا بكلّ الإجراءات، بما فيها الإفصاح المنتظم عن جميع مصادر التمويل الأجنبي. ولا نتوقّع أقلّ من العدالة." وأضافت لصويعد: "ما نشهده في تونس لم يعد مجرّد تحوّل في المواقف؛ إنّه تضييق ممنهج وبنيوي على الإعلام المستقل والمجتمع المدني."

أخبار ذات صلة

Loading...
سياج حدودي طويل يمتد عبر تلال جافة في كاليفورنيا الجنوبية، يظهر تحديات عبور المهاجرين وسط مراقبة مشددة وأراضي وعرة.

امرأة توفيت على الحدود وكاميرا المراقبة شاهدة

في ظل أبراج المراقبة الذكية على الحدود الكاليفورنية تختفي أرواح المهاجرين بين التضاريس القاسية والحرارة الشديدة. اكتشف القصة الكاملة وراء هذه المأساة وتأثير التكنولوجيا على حياة البشر. اقرأ المزيد الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
جيفري إبستين ودونالد ترامب في صورة قديمة تظهر علاقتهما قبل فضائح الاستغلال الجنسي للأطفال المرتبطة بإبستين.

ضحايا Epstein يقاضون للكشف عن هويات الأشخاص في صور الاستغلال

دعوى جديدة تكشف معاناة آلاف الضحايا الذين استُغلت صورهم الجنسية في شبكة Epstein دون اتصال مباشر، وتطالب بالتعويض والإخطار. اكتشف التفاصيل وكن جزءًا من العدالة الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
دخان أسود يتصاعد من موقع دائري في منطقة صحراوية، يوضح أثر الدمار العمراني الذي تكشفه صور الأقمار الصناعية في رصد النزاعات المسلحة.

الأقمار الاصطناعية تكشف آثار الحروب: مراقبة عالمية للنزاعات والفظائع

تُبرز صور الأقمار الصناعية دوراً حيوياً في توثيق النزاعات وحقوق الإنسان، خصوصاً في المناطق المغلقة أمام الإعلام. اكتشف كيف تغير التكنولوجيا مستقبل الرصد والشفافية وانضم إلى رحلة المعرفة الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
صورة الباحث عمران أحمد مؤسس مركز مكافحة الكراهية الرقمية، يواجه تهديد الترحيل بسبب كشفه محتوى إساءة الأطفال على منصة X.

باحث الكراهية الإلكترونية يواصل انتقاد X رغم تهديدات الترحيل

تتصاعد المعركة القانونية بين حرية التعبير والأمن القومي في قضية ترحيل باحث كشف عن محتوى ضار على الإنترنت. اكتشف كيف تؤثر هذه المعركة على مستقبل الرقابة الرقمية وحقوق الباحثين. تابع التفاصيل المثيرة الآن!
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية