الصين والولايات المتحدة في صراع الشرق الأوسط الجديد
تستعرض القمة بين ترامب وشي جين بينغ التحولات الكبرى في السياسة العالمية، حيث تأخذ الصين دوراً بارزاً في الشرق الأوسط، مؤكدةً على دبلوماسية الحوار والتنمية بدلاً من التدخل. اكتشف كيف تعيد بكين تشكيل العلاقات الإقليمية.

عشيّة قمّة بكين التي انعقدت في 14 مايو بين الرئيس الأمريكي Donald Trump والرئيس الصيني Xi Jinping، كانت التوقّعات مرتفعةً بصورة مفهومة، إذ راهن كثيرون على أن تجد القوّتان العظميان أرضيةً مشتركة في الملفّات الكبرى.
وكان المحلّل المقيم في شنغهاي Nelson Wong قد لاحظ مؤخّراً في هذه الصفحات: "تحت البروتوكول المصقول تكمن مفارقةٌ لافتة... كانت تبدو مستحيلة قبل عقدٍ واحد فحسب. اليوم، تبدو الصين لا الولايات المتحدة هي من يحمل راية التجارة الحرّة والتعاون متعدّد الأطراف."
في المقابل، أضاف Wong، "تجد واشنطن التي طالما كانت بطلةً عالميةً للأسواق المفتوحة نفسها أسيرةَ نزعاتٍ حمائية، وحروبٍ تجارية من صنعها، ومستنقعٍ جيوسياسي مؤلم في الشرق الأوسط."
وقد حضرت الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات بمطالب غير مسبوقة وبالغة الحرج، إذ ضغطت على الصين في ثلاثة محاور: تخفيف قيود التصدير على المعادن النادرة، وشراء المزيد من المنتجات الزراعية الأمريكية، والمساعدة في التوسّط لإنهاء النزاع العسكري بين إيران والتحالف الأمريكي-الإسرائيلي.
وللمرّة ذاتها، أساءت واشنطن قراءة الموقف الصيني من الشرق الأوسط. فبكين ليست مراقباً محايداً منعزلاً يسعى فحسب وراء مصادر الطاقة، كما أنّها ليست قوّةً تعديليةً تسعى إلى تفكيك النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة من جذوره.
بل إنّها تبني بمنهجيّة دوراً بديلاً: دور المرساة المستقرّة والمهندس الاقتصادي، مُقدِّمةً التنمية على الأيديولوجيا، والمصالحة على المواجهة.
وهذه مفاهيمٌ وأهدافٌ ظلّت المؤسسة التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية عاجزةً عن استيعابها، ولا أملَ في أن تُشكّل يوماً إرثاً فكرياً لإدارة Trump.
ثلاثيّة المبادئ
تقوم السياسة الصينية في الشرق الأوسط على ثلاثة مفاهيم استراتيجية متكاملة: عدم التدخّل في الشؤون الداخلية، وأولويّة التنمية في مواجهة التهديدات الأمنية، ودبلوماسية متوازنة ترفض الانحياز في المشهد القبلي والطائفي المعقّد للمنطقة.
وسياسة الولايات المتحدة في المنطقة كانت على مدى عقود النقيضَ التام لذلك. فكيف توقّع Trump ومستشاروه الحصول على مساعدة بكين انطلاقاً من هذه المقدّمات الخاطئة؟
يرتكز الموقف الصيني على إصراره الراسخ على مبدأَي السيادة وسلامة الأراضي. فخلافاً للولايات المتحدة التي ربطت تاريخياً انخراطها في الشرق الأوسط بتعزيز الديمقراطية أو تغيير الأنظمة، ترفض الصين رفضاً قاطعاً مخاطبة شركائها الإقليميين في شؤون حوكمتهم الداخلية.
وهذا الموقف ضرورةٌ تجارية بقدر ما هو قناعةٌ فلسفية. فمبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative - BRI) المشروع الصيني الكبير للبنية التحتية العالمية تستلزم قدراً من الاستقرار السياسي والقدرة على التنبّؤ في المعاملات، وهو ما تُدمّره عمليات تغيير الأنظمة في جوهرها.
أمّا إدارة Trump، فلم تقدّم شيئاً سوى انعدام القدرة على التنبّؤ.
حيث يرى الغرب منطقةً مشلولةً يحكمها الصراع، ترى الصين عقدةً محوريةً في شبكة الاتصال العالمية.
فالمنطقة هي "لوحة التوزيع" في مبادرة الحزام والطريق، إذ تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. ولذا ليس مستغرباً أن يكون هدف الصين الأوّل تهدئة التوتّرات التي تهدّد مسارات الشحن وإمدادات الطاقة.
وهذا يتجلّى حتماً في سياسة خارجية تفصل التجارة عن السياسة. سواءٌ في التعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي أو إيران أو إسرائيل، يبقى خطاب المسؤولين الصينيين ثابتاً: سنشتري نفطكم، ونبني موانئكم، ونمدّ شبكات 5G لديكم ولن نُعلّق هذه الشراكة على طريقة حكمكم أو اختياراتكم التحالفية.
وساطةٌ بلا عسكرة
مع تكاثر الأصول الصينية المادية من موانئ ومصافٍ وأعداد متنامية من العمّال في أرجاء المنطقة، لم يعد بمقدور بكين أن تظلّ متفرّجاً سلبياً على الحروب الإقليمية.
غير أنّ انخراطها في المجال الأمني يسير وفق نمطٍ مميّز: وساطةٌ بلا عسكرة.
وقد جسّد التقارب السعودي-الإيراني الذي رعته بكين عام 2023 هذا النهج بوضوح. فباستضافة المفاوضات وإضفاء ثقلها السياسي على الاتفاق، أسهمت الصين في إنهاء حربٍ بالوكالة امتدّت سنوات، مثبتةً أنّها قادرة على ضمان الأمن الإقليمي لا بحاملات الطائرات، بل بالحوار السياسي رفيع المستوى.
بيد أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل عملتا معاً خلال العامَين الأخيرَين على تعطيل ذلك التقارب. ومع ذلك، وعلى الرغم من إزعاجهما، يبدو أنّ المملكة العربية السعودية لا تزال تسعى إلى تفاهمٍ مع إيران.
وقد يؤكّد ذلك اقتراحُ ميثاق عدم اعتداء أطلقه الديوان الملكي السعودي في الأيام الأخيرة، وربّما أسهمت الدبلوماسية الصينية في هذا التطوّر.
وخلافاً للولايات المتحدة، تُقرّ الصين بأنّ للدول أنظمتها وتاريخها وتطلّعاتها المختلفة، وهو بالضبط ما يجعلها لا تفرض شروطاً مسبقة في تعاملها مع الدول الأخرى، بما فيها دول الشرق الأوسط.
وقد أكسب هذا النهج غير التدخّلي بكينَ قدراً من الثقة، لا سيّما في إيران، لا تستطيع الولايات المتحدة الاقتراب منه.
تراهن الصين على أنّ النخب الإقليمية، المنهكة من التجارب الديمقراطية الفاشلة والانتفاضات المدفوعة بوسائل التواصل الاجتماعي والحروب التي تشنّها القوى الكبرى، باتت مهيّأةً لمستقبلٍ مختلف. لن تتولّى بكين الشرطةَ في الشرق الأوسط، لكنّها ستنسجه بخيوط البنية التحتية والتجارة.
وإن يسّرت حواراً، فستفعله بشروطها هي، لا بشروط واشنطن.
وينبغي أن يكون واضحاً الآن للجميع أنّ شرقاً أوسطَ متعدّد الانتماءات، تُوازن فيه القوى الإقليمية علاقاتها بين القوى الكبرى المتنافسة وهو الترتيب الذي تُفضّله بكين بجلاء أكثر استقراراً بكثير ممّا يمكن أن تُفرزه سياسة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية الراهنة.
وهذه السياسة العدوانية على المستوى الإقليمي هي ما تصرّ إدارة Trump على المضيّ فيه، حتى على حساب أجندة "أمريكا أوّلاً" ذاتها.
فلا يجب أن يُفاجئنا إذن أن يعود Trump من بكين خالي الوفاض في ملفّ الشرق الأوسط، وفي الملفّ الإيراني تحديداً، فيما تصاعدت تهديداته ضدّ إيران في الساعات التي تلت عودته.
بعد أن أخفق في توظيف نفوذ بكين، لم يبقَ أمام Trump سوى الأداة الوحيدة التي يثق بها: التصعيد. لكنّ التصعيد في مواجهة دولةٍ اختارت الصين وروسيا وقسطٌ واسع من دول الجنوب العالمي ضمنياً عدم التخلّي عنها، هو استراتيجيةٌ لها سقفٌ — وواشنطن تقترب منه بسرعة.
أخبار ذات صلة

تمديد الولايات المتحدة حماية اللاجئين اللبنانيين حتى نوفمبر

رجل يطعن ثلاثة أشخاص في محطة قطار سويسرية في "عملية إرهابية" حسب السلطات

الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي يتوفى عن عمر 80 سنة
