فيلم القتلة يثير جدلاً حاداً حول حرية التعبير في السينما
فيلم The Assassin(s) للمخرج هور جين-هو يثير جدلاً حاداً في مهرجان سنغافورة بسبب تناوله حادثة تاريخية مثيرة للجدل في كوريا الجنوبية. الفيلم يواجه ضغوط سياسية وتهديدات رغم تأكيد صانعيه على حرية التعبير والفن. تابع التفاصيل على وورلد برس عربي.

في الحادي والعشرين من أكتوبر، حين تُطفأ الأضواء في قاعة العرض بمهرجان سنغافورة السينمائي الدولي (SGIFF)، سيكون المخرج الكوري الجنوبي هور جين-هو جالساً في الصالة، إلى جانب الممثلَين شيم أون-كيونغ وبارك سونغ-هون. أمامهم، على الشاشة، فيلمٌ واحد يحمل عنواناً بصيغة الجمع المشروط: «The Assassin(s)» القتلة، أو ربما قاتلٌ واحد لم يُسمَّ بعد. هذا العرض الافتتاحي، الذي بدا في البداية مجرّد اختيارٍ فنّي من لجنة تحكيمٍ مستقلة، تحوّل خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من أكثر معارك حرية التعبير حدّةً في السينما الآسيوية هذا الموسم.
فقد طالب جميع النواب التسعة ومئة في حزب قوة الشعب الكوري المحافظ (PPP) إدارة المهرجان السنغافوري بسحب الفيلم من برنامجه، في رسالةٍ أرسلها رئيس الكتلة البرلمانية جيونغ جيوم-سيك مساء الثلاثاء إلى المدير التنفيذي للمهرجان جيريمي تشوا. لكن سنغافورة لم تتراجع: أعلنت إدارة المهرجان، مساء الأربعاء، أنها تُدرك "النقاش الدائر حول الفيلم"، وأن اختياره جاء "عبر عملية تحكيمٍ مستقلة للمهرجان، لقيمته الفنية ومساهمته في السينما الآسيوية المعاصرة" على حدّ تعبير بيان المهرجان الرسمي.
حادثة 1974 التي رفضت أن تبقى تاريخاً مغلقاً
جذر الخلاف يعود إلى الخامس عشر من أغسطس 1974، حين سقطت يوك يونغ-سو، زوجة الرئيس الكوري الأسبق بارك تشونغ-هي، برصاصةٍ في المسرح الوطني خلال احتفالات يوم التحرير. التحقيق الرسمي آنذاك حمّل مون سي-كوانغ المسؤولية منفرداً، وقال إنه تصرّف بتعليماتٍ من بيونغ يانغ ومنظمة "تشونغريون" الموالية لكوريا الشمالية في اليابان.
فيلم هور جين-هو لا يُسمّي أي جانٍ. بطله يحقق في الحادثة من زاوية مفتش شرطة يؤدي دوره الممثل يو هاي-جين، شاهد عيانٍ على إطلاق النار ومن يتولى قيادة التحقيق، فيما يؤدي بارك هاي-إيل دور رئيس قسم الشؤون الاجتماعية في صحيفة، ويظهر لي مين-هو في دور صحفيٍّ مبتدئ. النهاية المفتوحة تحديداً هي ما أشعل الجدل: يرى منتقدو الفيلم أن هذا الغموض يفتح الباب لربط بارك تشونغ-هي نفسه، أو حكومته، بمقتل زوجته وهو ما جاء صراحةً في رسالة الحزب، التي وصفت هذا التأويل بأنه يُحرّف التاريخ "بطريقةٍ تتعارض جذرياً مع المشاعر العامة في جمهورية كوريا".
استطلاعٌ شمل 1017 شخصاً بالغاً وجد أن 58.2% منهم اعتبروا الفيلم تشويهاً للتاريخ، مقابل 27.6% فقط رأوا في المسألة قضية حرية إبداع. الرسالة استشهدت أيضاً باعتراضات بارك جي-مان، رئيس مجلس إدارة مجموعة EG Group ونجل بارك ويوك، فيما طالبت مؤسساتٌ مرتبطة بالزوجَين الراحلَين بالاعتذار ووقف العروض نهائياً.
لكن صانعي الفيلم قدّموا رواية مختلفة لما فعلوه: وصفوه بأنه "حكاية متخيَّلة" تمزج أحداثاً واقعية بشخصياتٍ من ابتكار الخيال، ونفوا أي نيةٍ لحسم التاريخ أو تزوير الوقائع أو تمرير أجندة سياسية. وفي بيانٍ صدر في 28 سبتمبر، أكّد المنتجون أن الفيلم "لا يحدّد في أي موضع أي شخصٍ بعينه بوصفه وراء الحادثة، وأن فرضياته وأطره الدرامية لم تُقدَّم كحقيقة تاريخية".
حين يتحوّل النقد إلى حصارٍ على الأشخاص
ما ميّز هذه الأزمة عن نقاشاتٍ فنية مماثلة هو سرعة انتقالها من ساحة التأويل التاريخي إلى ضغطٍ مباشر على من صنعوا الفيلم. ففي الأول من أكتوبر، ألغى مهرجان بوسان السينمائي الدولي (BIFF) فعالية "Actors House: Lee Min-ho"، وهي جلسة حوارية مع نجم الفيلم، بذريعة "ظروفٍ قاهرة" لم تُفصَّل أكثر. وفي اليوم التالي، سحبت شركة Hive Media Corp. طاقم الفيلم وممثليه من جميع فعاليات مهرجان بوسان لأسباب أمنية، بما في ذلك حفل الافتتاح وتحية الجمهور على المسرح الخارجي. في اليوم نفسه، أعلنت مجموعةٌ محافظة تنظيم اعتصاماتٍ يومية أمام منزل الممثل يو هاي-جين حتى نهاية الشهر.
هذا التصعيد دفع نقابتَين مهنيتَين كوريتَين إلى إصدار بيانَين منفصلَين مساء ذلك اليوم. نقابة منتجي السينما في كوريا (PGK) قالت إن الخلاف "تحوّل إلى تهديداتٍ ضد المنتجين والمخرج والطاقم والممثلين"، مضيفةً: "إن كشف التفاصيل الشخصية والعلاقات العائلية لأفرادٍ شاركوا في عملٍ فني، أو ممارسة الضغط على نشاطهم الطبيعي، يتجاوز حدود النقد المشروع، ولا يمكن تبريره بأي حال". أما نقابة المخرجين الكوريين (DGK)، فدافعت عن صانعي الفيلم بعبارةٍ أقرب إلى موقفٍ مبدئي: "يجب أن تظل السينما مكاناً تلتقي فيه الأفكار والأصوات المختلفة، حتى حين تثير الجدل"، وأضافت: "إذا اختفت هذه الحرية، يصبح من الصعب أن تُولَد أفلامٌ وحكاياتٌ جديدة".
الضغط لم يتوقف عند النقابات والمهرجانات. فالعضو السابق في مجلس بلدية سيول عن حزب قوة الشعب، لي جونغ-باي، طالب شرطة سيول بالتحقيق مع المخرج هور جين-هو، إلى جانب كيم وون-كوك الرئيس التنفيذي لشركة Hive Media Corp.، وكاتبَي السيناريو كوون كي-جون ولي جي-مين، بتهمة التشهير. كما حاول نواب الحزب استدعاء هور للمثول أمام جلسة التدقيق البرلماني السنوي، إلا أن الحزب الديمقراطي المعارض حجب هذا الاستدعاء بحجة حماية حرية الإبداع.
نجاحٌ تجاري وسط عاصفة سياسية
على الرغم من كل هذا الجدل أو ربما بسببه جزئياً لم يغب الفيلم عن شباك التذاكر منذ عرضه في كوريا بتاريخ 23 سبتمبر. بيانات المجلس الكوري للسينما أظهرت نحو 2.5 مليون تذكرة مُباعة، مع نسبة إشغال مقاعد بلغت حوالي 47% خلال عطلة عيد تشوسوك. والفيلم لم يكن غريباً عن الأضواء الدولية أصلاً: عُرض عرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو السينمائي، حيث حلّ وصيفاً ثانياً لجائزة اختيار الجمهور الدولية.
هذا السجل هو ما يستند إليه جيونغ جيوم-سيك حين يصرّ على أن حزبه "يحترم حرية الإبداع الفني واستقلالية المهرجانات" وفق تعبيره بينما يحذّر في الوقت نفسه من أن حفل افتتاحٍ أمام جمهورٍ دولي غير مطّلع على التاريخ الكوري الحديث قد "ينشر الضرر" خارج حدود كوريا. وهنا بالضبط يكمن جوهر الأزمة: فيلمٌ يُحاكم في بلده على ما يقوله عن التاريخ، ويُعرض في بلدٍ آخر على ما قد يفهمه عنه جمهورٌ لا يعرف تفاصيل ذلك التاريخ أصلاً.
سنغافورة اختارت أن تمضي قدماً. وبعد أسابيع من التصعيد الذي طال الكرسي الذي سيجلس عليه الممثلون في بوسان، والباب الذي طُرق أمامه يو هاي-جين كل يوم، يبقى السؤال معلّقاً فوق قاعة العرض في الحادي والعشرين من أكتوبر: هل يكفي استقلال لجنة تحكيمٍ فنية، في مهرجانٍ على بُعد آلاف الكيلومترات، ليحمي فيلماً من أن يُقرأ كموقفٍ سياسي قبل أن يُشاهَد كعمل سينمائي؟
أخبار ذات صلة

نتفليكس تُعيّن بيتر رايس رئيساً للمحتوى بعد رحيل بيلا باجاريا

اكتشاف الأفلام المنسيّة: مدير الفن في الجونة يضع البحث في الصدارة

منتدى آسيا للتلفاز يطلق منطقة الذكاء الاصطناعي والدراما القصيرة
