كشف لغز إشارات راديوية خلف مجرتنا يكشف عن عنقود مجري غامض
كشف جديد عن تكوين راديوي خلف مجرّة درب التبانة يشبه مفتاح صول الموسيقي وهو بقايا اصطدام عنقودين مجريين أنتج عنقاء راديوية من بلازما قديمة. دراسة تكشف أسرار هذه الظاهرة وتفاصيلها الفلكية المعقدة في وورلد برس عربي.

ظلّت إشارة راديوية خلف مجرّة درب التبانة سنواتٍ تُعدّ نجماً نابضاً، ثم تبيّن أنها بقايا اصطدام عنقودين مجريين. هذا ما خلصت إليه دراسة جديدة عن تكوين يُعرف باسم «مفتاح صول» (Treble Clef)، وتصفه بأنه «عنقاء راديوية» وُلدت من إحياء بلازما قديمة بفعل التصادم.
يحمل التكوين الرمز VLSSJ0318.9+5755، وهو مصدر موجات راديوية يقع خلف «منطقة التجنّب». وجاء لقبه من شكله الذي يشبه رمز مفتاح صول في التدوين الموسيقي. ونُشرت الدراسة في مجلة Astronomy and Astrophysics بعنوان «The Treble Clef radio phoenix and its old nonthermal filaments»، وقادها أندريا بوتيون (Andrea Botteon) من المعهد الوطني للفيزياء الفلكية في إيطاليا (INAF).
لماذا يصعب رصد ما خلف مجرّتنا؟
«منطقة التجنّب» (Zone of Avoidance) مساحة من السماء تحجبها مجرّتنا، وتغطي نحو 20% منها وتحجب الضوء المرئي. وهي من أصعب مناطق السماء رصداً على الفلكيين. ولا يبقى لهم لاختراقها سوى الأشعة السينية والأشعة تحت الحمراء والموجات الراديوية، ولكل نطاق منها حدوده. وتجد مراجع عن هذه المنطقة في صفحة منطقة التجنّب.
ولا يُعدّ مرصد «تشاندرا» (Chandra) للأشعة السينية التابع لوكالة ناسا (NASA) أداةً مثالية لمسوح هذه المنطقة، لكنه يتمتع بدقة زاوية عالية. وتتيح هذه الدقة تحديد مصادر بعينها، ومنها النوى المجرّية النشطة والعناقيد المجرّية. وهذه الميزة هي ما احتاجته الدراسة هنا.
من نجم نابض إلى عنقود مجرّي: كيف تغيّرت الرواية؟
رُصد المصدر في عمليات رصد راديوية سابقة، واعتُقد في البداية أنه نجم نابض. ثم رُجّح لاحقاً أنه يقع في عنقود مجرّي شديد الحجب خلف المستوى المجرّي. وتصف الدراسة ذلك بالقول:
«هذا المصدر، الذي رُصد أيضاً في عمليات رصد راديوية سابقة، كان يُعتقد في الأصل أنه نجم نابض، لكن اقتُرح لاحقاً أنه يقع في عنقود مجرّي شديد الحجب خلف المستوى المجرّي»، بحسب مؤلفي الدراسة.
ولم تكن المسوح السابقة للمنطقة حديثة العهد، إذ يعود بعضها إلى سنوات خلت. غير أن الباحثين وجدوا صعوبة في تفسير ما رصدوه فيها. وحسم الأمر جمعُ بيانات من أكثر من نطاق:
بيانات سينية من «تشاندرا» ومن SRG/eROSITA (نبذة عن eROSITA).
بيانات راديوية من LOFAR، وهي شبكة أوروبية من التلسكوبات الراديوية (نبذة عن LOFAR).
بيانات بالأشعة تحت الحمراء من التلسكوب البريطاني للأشعة تحت الحمراء (United Kingdom Infrared Telescope).
وفي الصورة المركّبة التي نشرها الفريق، تظهر البيانات السينية باللون الأزرق، وتحت الحمراء بالأبيض، والراديوية بالأحمر.
رصد «تشاندرا» وeROSITA غازاً منتشراً بالغ السخونة في المنطقة، تبلغ حرارته ملايين الدرجات ويُصدر أشعة سينية. وبهذه البيانات حدّد الفريق للمرة الأولى الخصائص الرئيسية للعنقود المضيف، وتشمل الانزياح الأحمر والكتلة ودرجة الحرارة واللمعان السيني والحالة الديناميكية. ويقول المؤلفون:
«في هذه الورقة، نحدّد الخصائص الرئيسية للعنقود المضيف (الانزياح الأحمر والكتلة ودرجة الحرارة واللمعان السيني والحالة الديناميكية) للمرة الأولى، باستخدام رصدات سينية من Chandra وSRG/eROSITA».
وأكدت الدراسة للمرة الأولى أن عناقيد مجرّية شاركت في تكوين «مفتاح صول».
أين المجرّة الألمع، وماذا فعل ثقبها الأسود؟
يبدأ تحديد العنقود بتعيين «المجرّة الألمع في العنقود» (Brightest Cluster Galaxy، واختصارها BCG). وهي أسطع مجرّة منفردة فيه، ومن أكبر المجرّات كتلةً في الكون. وتتطابق هذه المجرّة عادةً مع ذروة الانبعاث السيني للعنقود، وهذا ما يجعل الأشعة السينية أداة لتحديد موقعها. وتجد تعريفاً أوسع في صفحة المجرّة الألمع في العنقود.
يقترح الباحثون أن العنقود مرّ بثلاث مراحل:
الانفجار الأول: ثار ثقب أسود فائق الكتلة في قلب هذه المجرّة، فدفع سحباً من الجسيمات المشحونة ومجالات مغناطيسية بسرعات نسبوية. أنتج هذا الانفجار في البداية ضوءاً سينياً، خبا مع فقدان الجسيمات طاقتها.
التصادم: اصطدم عنقودان مجريان، فانضغطت السحابة وأُعيدت إليها الطاقة. لمعت الجسيمات من جديد، لكنها لم تستعد مستواها السابق من الطاقة، فأطلقت موجات راديوية بدل الأشعة السينية. وربما أسهمت في ذلك موجات صدمية ولّدها اصطدام مجموعات مجرّية.
الحاضر: يرجّح الفريق أن الاندماج الأول وقع قبل عدة مئات من ملايين السنين، وأن العنقودين يتحرّكان الآن في اتجاهين مختلفين.
ويلخّص المؤلفون التصوّر بقولهم:
«نقترح سيناريو تكوين مبسّطاً تنشأ فيه العنقاء الراديوية من بلازما نسبوية متقادمة، قذفتها المجرّة الألمع في العنقود في البداية، ثم أعاد اندماج العنقود إحياءها».
ومن هنا جاء اسم «العنقاء الراديوية»، إذ يشير إلى لمعان المصدر الذي عاد بعد خفوت. وتقدَّم هذه الفرضية بوصفها أبسط من التفسيرات الأخرى المطروحة.
ما الذي لا يزال مفتوحاً؟
يخلص الفريق إلى نتيجة محددة:
«نخلص إلى أن هذا المصدر عنقاء راديوية تنتمي إلى عنقود مجرّي ضخم يشهد اندماجاً في منطقة التجنّب».
أما شكله المعقّد فيبقى في إطار التخمين. فالمؤلفون يرجّحون أن حركة الغاز داخل العنقود أثناء الاندماج الجاري هي ما يرسم هذا الشكل، وأنها قد تفسّر أيضاً هالةً راديوية مرشّحة رُصدت بصورة أولية في مركز العنقود:
«نرجّح أن شكله المعقّد تصوغه حركات الغاز المتولّدة في الوسط داخل العنقود خلال الاندماج الجاري، وهي على الأرجح المسؤولة أيضاً عن الهالة الراديوية المرشّحة التي رُصدت بصورة أولية في مركز العنقود».
و وصف الباحثون الهالة بأنها مرشّحة ومرصودة بصورة أولية، ما يعني أن الأمر لم يُحسم بعد. ويمكن الاطلاع على الورقة البحثية الكاملة عبر الدراسة المنشورة في Astronomy and Astrophysics. ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الرصدات اللاحقة: هل تؤكد الهالة المرشّحة أن حركات الغاز هي التي ترسم هذا الشكل؟
أخبار ذات صلة

كواكب غريبة: علماء يكتشفون "جواهر" في غلاف كوكب "الإسفنج" الملتهب

نكهة النيوترينوات تحدّد مصير النجم الضخم

الكتل المظلمة ذاتية التفاعل تكشف نفسها عبر مجرّات بعيدة
