اكتشاف أسرار النجوم البيضاء المضيئة في الظلام
كشف علماء الفلك عن 84 مصدراً للأشعة السينية شديدة النعومة في مجرات مجاورة قد تمثل الأقزام البيضاء التي تستعد للانفجار وتملأ الفجوة في فهمنا لانفجارات السوبرنوفا من النوع Ia على وورلد برس عربي.

ثمانية وثمانون عاماً مضت على إطلاق مصطلح "النجم القزم الأبيض" في الأدبيات الفلكية، لكنّ الأسرار التي تخبّئها هذه النجوم الميتة لا تزال تُفاجئ العلماء. الشهر الجاري، كشف فريقٌ من علماء الفلك عن 84 مصدراً للأشعة السينية شديدة النعومة (Hypersoft X-ray Sources) في مجرّاتٍ مجاورة، كانت مختبئةً في الظلام الكوني طوال عقود لا لأنّها خافتة، بل لأنّ الكون نفسه يُخفيها.
النتائج نُشرت في مجلة Nature Astronomy، وتُمثّل خطوةً محتملة نحو حلّ إحدى أكثر الألغاز إثارةً في علم تطوّر النجوم: أين تختبئ الأقزام البيضاء التي تستعدّ للانفجار؟
مصادر تُشعّ بملايين أضعاف طاقة الشمس ولا نراها
المفارقة المذهلة في هذا الاكتشاف أنّ هذه المصادر ليست خافتةً البتّة. يقول مصطفى محبّ الله، عالم الفلك في جامعة Alabama والمشارك في الدراسة: "ما فاجأنا أكثر من أيّ شيءٍ آخر هو أنّها، رغم صعوبة رصدها الشديدة، قد تكون بالغة اللمعان."
تُطلق هذه المصادر طاقةً تتراوح بين مئات الآلاف وملايين المرّات من طاقة الشمس. المشكلة أنّ معظم هذه الطاقة يصدر في نطاق الأشعة فوق البنفسجية القصوى (Extreme Ultraviolet — EUV)، وهي أشعةٌ يمتصّها الغاز النجمي بين المجرّات قبل أن تصل إلى مراصدنا. ما يُسجّله تلسكوب Chandra التابع لـ NASA هو فقط ذيلٌ خافت من الأشعة السينية منخفضة الطاقة. يوضّح محبّ الله: "ما يراه Chandra ليس إلا الذيل الخافت منخفض الطاقة لتلك الانبعاثات."
بعبارةٍ أخرى: نحن نرى ظلّ الشيء، لا الشيء نفسه.
ستّ مجرّات، أربعة وثمانون مصدراً وربّما أكثر بكثير
رصد الفريق هذه المصادر في ستّ مجرّاتٍ مجاورة، من بينها مجرّة Andromeda ومجرّة M101، وتراوح عدد المصادر في كلٍّ منها بين 7 و21 مصدراً. وللتأكّد من أنّ هذه الإشارات ليست خلفيةً عشوائية، رصد كلٌّ من Chandra وتلسكوب XMM-Newton المصادرَ ذاتها في المواضع ذاتها عبر مشاهداتٍ متعدّدة، وتبيّن أنّ أقلّ من 3% منها يُحتمل أن تكون أجساماً غير ذات صلة في الخلفية الكونية.
غير أنّ الرقم الحقيقي قد يكون أكبر بكثير. فتلوّثٌ تراكمي أصاب كاشفات Chandra قلّل من حساسيّتها للأشعة السينية منخفضة الطاقة، ممّا يعني أنّ عدداً غير معروف من هذه المصادر لا يزال بعيداً عن متناول أدواتنا الراهنة.
الحلقة المفقودة في دورة حياة النجوم
الأهمية الحقيقية لهذا الاكتشاف لا تكمن في الأرقام، بل في ما قد تُفسّره. منذ سنوات، يواجه علماء الفلك معضلةً محيّرة: نُلاحَظ أعدادٌ كبيرة من انفجارات السوبرنوفا من النوع Ia وهي انفجاراتٌ نجمية تُستخدم مقياساً لقياس المسافات الكونية لكنّ الأقزام البيضاء التي يُفترض أنّها تسبق هذه الانفجارات نادراً ما تُرصد قبيل انفجارها.
الآلية المُقترحة معروفة: القزم الأبيض في نظامٍ ثنائي يسحب غازاً من نجمٍ رفيق، يتراكم الغاز على سطحه، ترتفع درجة الحرارة والضغط، وفي لحظةٍ ما يُشعل ذلك انفجاراً نووياً كارثياً. لكنّ الفجوة الرصدية ظلّت قائمة: أين هذه الأقزام وهي في طور التراكم الهادئ قبل الانفجار؟
قد تكون المصادر الجديدة جزءاً من الإجابة. تشمل الأجسام المحتملة ضمن هذه المصادر الأقزامَ البيضاء، والنجوم المستعرّة (Novae)، والنجوم النيوترونية، وحتى الثقوب السوداء التي تلتهم موادّ من محيطها. يقول محبّ الله: "إذا كان حتى جزءٌ من هذا التجمّع الكبير والأكبر على الأرجح مما اكتشفناه يتضمّن أقزاماً بيضاء تتراكم عليها موادّ وتحترق نووياً، فقد تُسهم في تقديم جزءٍ من الحلقة الرصدية المفقودة."
ماذا يعني هذا لعلم الكون؟
انفجارات السوبرنوفا من النوع Ia ليست مجرّد ظاهرةٍ فلكية مثيرة؛ إنّها أداةٌ قياسية يعتمد عليها علماء الكون لقياس التوسّع الكوني وتقدير ثابت هابل. فهم السلف النجمي لهذه الانفجارات أي الأقزام البيضاء قبيل الانفجار يُعزّز موثوقية هذه الأداة القياسية.
الاكتشاف الحالي يُلمح إلى أنّ الكون يحتوي على تجمّعٍ مخفيٍّ من هذه المصادر، أكبر ممّا رأيناه حتى الآن. مع تطوّر الأجيال القادمة من التلسكوبات الفضائية وتحسّن حساسيّتها في نطاقات الطاقة المنخفضة، قد يتّسع هذا الرقم 84 مصدراً ليكشف عن مجتمعٍ كوني بالغ الثراء، ظلّ يُشعّ في صمتٍ بينما كنّا نبحث في مكانٍ آخر.
أخبار ذات صلة

مخلوقات غريبة شوهدت تركب عناكب البحر العملاقة في منتصف الليل في المحيط

تأثير العواصف الشمسية على السكك الحديدية: اكتشاف تاريخي من عام 1848

خلايا دماغية بشرية تحلّ محلّ قشرة الفأر في تجربة علمية
