قوى سنية تتقارب في مكة لتشكيل تحالف جديد
صورة تاريخية في مكة تجمع قادة تركيا والسعودية وباكستان بعد توقيع اتفاقية دفاعية مشتركة تكشف تحولات كبيرة في علاقات القوى السنية بين أنقرة والرياض بعد صراعات طويلة وأزمات عميقة. قراءة معمقة في وورلد برس عربي.

صورةٌ لافتة جمعت هذا الأسبوع في مكة المكرمة ثلاثة قادة مسلمين خلال صلاة الجمعة: الرئيس التركي Recep Tayyip Erdogan، وولي العهد السعودي الأمير Mohammed bin Salman، ورئيس الوزراء الباكستاني Shehbaz Sharif. المشهد في حدّ ذاته رسالة: ثلاث دول تُعلن، بلغة الطابع الديني في أقدس بقاع الإسلام، أنّ مرحلة جديدة بدأت.
جاءت هذه الصورة الرمزية في أعقاب توقيع تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان على اتفاقية دفاعية مشتركة وصفها المراقبون بأنّها تاريخية، إذ تجمع القوى الثلاث لأوّل مرة تحت مظلّة أمنية واحدة في إطار ثلاثي. وإذا كانت باكستان تربطها علاقات وثيقة مع الطرفين منذ عقود، فإنّ المسار التركي-السعودي كان أكثر تعقيداً وتقلّباً بكثير.
قوّتان سنّيتان في مواجهة تاريخية
لم يكن التنافس بين أنقرة والرياض وليد اليوم. فمنذ تأسيس الدولتين في مطلع القرن العشرين، تتصارع روايتان حول من يحقّ له قيادة العالم الإسلامي السنّي. قبل ذلك، خاضت قوّات آل سعود حرباً ضدّ الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، وسيطرت على مساحات واسعة من الأراضي قبل أن يردّ العثمانيون بحملةٍ عسكرية قاسية.
بعد انهيار السلطنة العثمانية إثر الثورة العربية عام 1916، تمكّن الملك عبد العزيز من توحيد الجزيرة العربية والسيطرة على مكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1924، بعد أن ظلّتا تحت الحكم العثماني ما يزيد على 350 عاماً. أرست هذه الخلفية التاريخية توتّراً خفياً ظلّ يُطلّ برأسه بين الحين والآخر، حتى بعد أن أقامت الدولتان علاقاتٍ رسمية في ثلاثينيات القرن الماضي.
في العقود التالية، سار البلدان جنباً إلى جنب في محطّات كبرى: دعما معاً العراق خلال حرب الخليج الأولى، وإن كان الدعم السعودي أكثر علنيةً، ووقفا إلى جانب الولايات المتحدة في حرب الخليج عام 1991. غير أنّ جمرة التوتّر لم تنطفئ تماماً، وكان الإرث العثماني في الأراضي السعودية مادّةً دائمة للاحتكاك. ففي عام 2002، أدانت وزارة الثقافة التركية هدم قلعة أجياد التي يمتدّ عمرها إلى 220 عاماً، والمطلّة على المسجد الحرام في مكة. ووصف مراد سوكمينوغلو، رئيس البرلمان التركي آنذاك، ما جرى بأنّه «سلوكٌ آثم يتعارض مع القيم الأخلاقية للإسلام». ردّت الرياض بأنّ القرار يندرج ضمن ممارسة سيادتها، وأنّ الموقع خُصِّص لإيواء الحجّاج، وعلى أنقاض القلعة أُقيم لاحقاً برج ساعة مكة، أحد أطول المباني في العالم.
الربيع العربي: منعطف الافتراق
أفضى الربيع العربي عام 2010 إلى كسر هذا التوازن الهشّ. صحيحٌ أنّ البلدين دعما معاً إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، لكنّ مقاربتهما للثورات الإقليمية تباينت تبايناً حادّاً.
في مصر، وقفت تركيا إلى جانب محمد مرسي، أوّل رئيس منتخب ديمقراطياً، ورفضت بشدّة انقلاب 2013 الذي قاده عبد الفتاح السيسي، الحليف المقرّب من الرياض. بعد الانقلاب، فتحت أنقرة أبوابها للمعارضة المصرية وأتاحت لمنصّات إعلامية معارضة العمل من أراضيها. وظلّ Erdogan سنواتٍ طويلة يرفض الاعتراف بشرعية السيسي ويطالب بالإفراج عن 65 ألف معتقل سياسي.
امتدّ الخلاف إلى ملفّات أخرى. حين فرضت المملكة العربية السعودية وكلٌّ من الإمارات والبحرين ومصر حصاراً على قطر عام 2017، اختارت أنقرة الوقوف إلى جانب الدوحة. وفي ليبيا، دعمت تركيا حكومة الوفاق المعترف بها دولياً في طرابلس، فيما انحازت الرياض ابتداءً إلى المشير Khalifa Haftar في الشرق. بلغت حدّة الخطاب ذروتها مطلع عام 2018، حين وصف Mohammed bin Salman تركيا بأنّها جزءٌ من «مثلّث الشرّ» إلى جانب إيران وجماعات دينية متطرّفة.
مقتل خاشقجي: القاع الذي لا أعمق منه
لم تشهد العلاقات بين البلدين في تاريخهما الحديث أزمةً أشدّ وطأةً ممّا أحدثه مقتل الصحفي السعودي Jamal Khashoggi. اغتيل خاشقجي، الذي عمل في وقتٍ سابق صحفياً، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر 2018 على أيدي عناصر سعودية. وجّه المدّعون الأتراك لاحقاً اتّهاماتٍ لعشرين سعودياً استناداً إلى سجلّات الهواتف وبيانات الدخول والخروج وشهادات الشهود وفحص أجهزة الضحية. وأكّد Erdogan أنّ عملية الاغتيال جاءت بأوامر من «أعلى المستويات» في الحكومة السعودية.
ردود الفعل كانت متبادلة وحادّة: حجبت المملكة بثّ القناة التلفزيونية الرسمية التركية ووكالة الأنباء التركية، فردّت أنقرة بحجب مواقع إخبارية سعودية وإماراتية. وأطلقت الرياض مقاطعة غير رسمية للبضائع التركية، أسفرت عن انهيار الصادرات التركية إلى المملكة بنسبة 92% على أساس سنوي في عام 2021، في ظلّ ضغوط ممنهجة على الشركات المحلية لوقف التعامل مع المورّدين الأتراك.
التقارب الإقليمي: عام 2022 نقطة تحوّل
انعكست على العلاقات التركية-السعودية موجة التهدئة الإقليمية الأشمل التي قادها ولي العهد السعودي. في يونيو 2022، زار Mohammed bin Salman أنقرة للمرّة الأولى منذ مقتل خاشقجي، والتقى بـ Erdogan في القصر الرئاسي، حيث اتّفق الطرفان على تعميق التعاون في السياسة النقدية والدفاع والطاقة والسياحة. سبق ذلك قرارٌ من القضاء التركي بإحالة قضية خاشقجي إلى المملكة، وهو ما طالبت به الرياض شرطاً لاستئناف العلاقات.
جاء هذا التقارب في سياق أوسع شمل إنهاء الحصار على قطر، وفتح قنوات مع الحوثيين في اليمن، واستعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران بوساطة صينية. وفي الوقت ذاته، أصلحت أنقرة علاقاتها مع مصر والإمارات، وكانت الحاجة الاقتصادية حاضرةً بقوّة في الحسابات التركية: اقتصادٌ هشّ وانهيارٌ حادّ في قيمة الليرة جعلا الانفتاح على دول الخليج النفطية ضرورةً لا رفاهية.
منذ ذلك التطبيع، توالت الاتفاقيات بين البلدين في مجالات التكنولوجيا والدفاع والطاقة المتجدّدة. وفي صيف 2023، وقّعت المملكة العربية السعودية على أكبر صفقة دفاعية في تاريخ تركيا، بموجبها تشتري الرياض طائرات مسيّرة تركية الصنع.
تقاطع المصالح: من سوريا إلى الصومال
في المرحلة الراهنة، يتّسع نطاق التوافق التركي-السعودي ليشمل ملفّات إقليمية متعدّدة. في سوريا، يدعم البلدان الحكومة الجديدة بقيادة Ahmed al-Sharaa، وكلاهما من أقرب حلفاء دمشق، وقد اشتركا في الضغط على واشنطن لرفع العقوبات عن سوريا. وفي ليبيا، رغم أنّهما وقفا في مراحل سابقة في خندقين متقابلين، يبدو أنّهما باتا يدعمان الحكومة المعترف بها دولياً.
أمّا في السودان المنكوب بالحرب، فيقف البلدان إلى جانب القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان، في حين تُعدّ الإمارات الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع. والصومال ساحةٌ أخرى تجد فيها أنقرة والرياض نفسيهما في مواجهة أبوظبي: الأولتان تدعمان الحكومة المركزية، بينما تُساند الإمارات مساعي أرض الصومال للحصول على اعتراف دولي.
يبدو جلياً أنّ التنافس السعودي الأبرز لم يعد مع قطر أو تركيا، بل مع الإمارات، الحليف الخليجي السابق. وقد تجلّت هذه التوترات علناً لأوّل مرة في اليمن نهاية ديسمبر الماضي. وتتّجه أنقرة نحو مزيدٍ من التوافق مع الرياض في ظلّ هذه التوترات، وإن كانت مستبعَداً أن تُعلن انحيازها صراحةً نظراً لعمق ارتباطاتها المالية مع أبوظبي.
أخبار ذات صلة

باكستان وحلفاؤها الخليجيون: اتفاق دفاعي يعيد رسم موازين الشرق الأوسط

الجيش اليمني يشنّ هجوماً على الحوثيين وتركيا تُقرّ قانون السلام الكردي

الاستيطان الإسرائيلي: تهديدٌ مباشرٌ لبقاء الفلسطينيين
