وورلد برس عربي logo

أزمة الهجرة في سبتة تكشف أبعاد الأزمة المغربية الإسبانية

أزمة هجرة غير مسبوقة تضرب سبتة مع دخول عشرات الآلاف من المغرب وسط اتهامات بتواطؤ السلطات وتداعيات سياسية وإنسانية مأساوية. تعرف على تفاصيل الأزمة وشهادات المهاجرين عبر وورلد برس عربي.

شاب مهاجر يركع في مياه شاطئ سبتة متضرعاً وسط أزمة الهجرة غير النظامية من المغرب إلى إسبانيا.
صبي على الشاطئ عند حدود المغرب وسبتة، في 31 يوليو 2026 (وكالة فرانس برس)
التصنيف:أفريقيا
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

تواجه مدينة سبتة الإسبانية منذ أيام أزمةً غير مسبوقة في تاريخها الحديث. وفق أحدث الأرقام المتاحة، دخل نحو 72,000 شخص الإقليم بصورة غير نظامية قادمين من المغرب خلال الأسبوع الماضي، فيما أعلنت الحكومة الإسبانية أن 70,000 شخص منهم أُعيدوا حتى الآن.

بدأت موجة العبور الاستثنائية هذه في 31 يوليو، يوم عيد العرش المغربي، وما زالت التساؤلات تتصاعد حول أسبابها الحقيقية دون أن تتضح إجابات شافية أو تُحدَّد مسؤوليات واضحة. يذهب بعضهم إلى أن ما جرى كان ردّ فعل مغربياً متسرّعاً على زيارة رئيس الوزراء الإسباني Pedro Sanchez الأخيرة للجزائر، فيما يُلمح آخرون إلى تورّط إسرائيلي أو أمريكي على خلفية الموقف الإسباني الثابت من الإبادة الجارية في غزة والحرب على إيران.

غير أن ما لا يقبل الجدل هو أن آلاف البشر، من بينهم نحو 8,000 طفل، وجدوا أنفسهم أمام خيارٍ وحيد: المجازفة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل. وقد لقي ما لا يقل عن 141 شخصاً حتفهم خلال العبور، ويُرجَّح أن يرتفع هذا العدد.

أصدرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) بياناً وصفت فيه المشاهد المأساوية على الحدود بأنها "تعكس اليأس العميق لدى الشباب، الذي تُغذّيه انعدام الآفاق والفساد المستشري وصعود الاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية وشُحّ فرص العمل وتردّي الظروف المعيشية". وحمّلت الجمعية "الدولة المغربية المسؤولية الكاملة" عن هذا النزوح الجماعي، مشبّهةً المشهد بما يُشاهَد في مناطق الحروب والنزاعات.

في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية المغربية في 1 أغسطس أن الارتفاع الحادّ في أعداد المهاجرين جاء نتيجة تفسيرٍ خاطئ لبيانات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، مستغلّاً إياها شبكات الاتجار بالبشر التي استثمرت قراراً أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو يحظر الإعادة الفورية للمهاجرين الواصلين عن طريق البحر.

تعترض على هذا الطرح Carla Hobbs، رئيسة مكتب مدريد وباحثة السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، إذ تقول: "كان من الصعب جداً أن يحدث هذا دون تواطؤ مغربي."

وبينما تُقرّ Hobbs بأن القرار القضائي وما أعقبه من حملة انتشار واسعة على الإنترنت كان على الأرجح المحرّك الفوري للأزمة، تُشير في الوقت ذاته إلى توقيتها. فقبل عشرة أيام فحسب من اندلاع الأزمة، كان Sanchez قد زار الجزائر، التي تخوض خلافاً مع المغرب بسبب دعمها لمطالب جبهة البوليساريو بالاستقلال في الصحراء الغربية.

وتقول Hobbs : "تراجع الرقابة على الحدود، وشهادات المهاجرين أنفسهم بأن السلطات شجّعتهم على العبور، وانسجام ما جرى مع نمطٍ راسخ من الإكراه المغربي عبر ورقة الهجرة كل ذلك يُشير إلى تواطؤ مغربي."

"الشرطة الإسبانية والمغربية ساعدتنا على العبور"

حمزة، شاب من القنيطرة في التاسعة عشرة من عمره، قطع نحو 41 كيلومتراً سيراً على الأقدام من تطوان حتى سبتة، وروى كيف كان حرّاس الحدود المغاربة يحثّون المهاجرين على المضيّ قُدُماً: "وقف أفراد الأمن المغاربة على الهامش يراقبوننا ونحن نعبر؛ كانوا يقولون لنا: 'هيّا، أسرعوا، ادخلوا الماء.'"

وأوضح حمزة أن العنف لم يكن يقع إلا حين يتردّد المهاجرون: "عندها كانت الشرطة المغربية تضرب المهاجرين بالعصا"، وتصيح فيهم: "إن لم تريدوا العبور، ارجعوا إلى بيوتكم."

أما الحرّاس الإسبان فكانوا هم الآخرون متعاونين: "كانوا يقولون: 'أعطني يدك، قم، اصعد!'"

ورفض حمزة فكرة العودة قطعياً: "حتى لو حاولوا إجباري، لن أعود أبداً. المغرب لم يعطني شيئاً." وأضاف رغم حمله شهادات دراسية: "المغرب لا يُقدّرها. يمكنك أن تعمل بضعة دراهم حتى في المدن الكبرى؛ لهذا فررنا."

أسماء، 23 عاماً من الدار البيضاء، وصلت إلى سبتة بالسيارة بعد أن شاهدت منشورات على Instagram تتحدث عن العبور. وتتّفق مع حمزة في أن السلطات كانت متساهلة: "الشرطة المغربية تعاملت مع المهاجرين بشكل جيد؛ لم يضربونا طالما لم تتسبّب في مشاكل، كانوا يتحدّثون إليك بهدوء وتعقّل."

وتؤكد أسماء أن الناس "يغادرون بمحض إرادتهم؛ الشرطة لن تمسك بك أو تضربك".

يتألّف هذا الموج الأخير من المهاجرين في معظمه من شباب مغاربة أمثال أسماء وحمزة. وتُشير Hobbs إلى أن ذلك يمثّل تحوّلاً استراتيجياً عن النمط التاريخي لمحاولات العبور، التي كانت تقودها في الغالب مجموعات من جنوب الصحراء الكبرى تواجه مقاومة من الشرطة المغربية.

ومستحضرةً شبهاً لافتاً مع أزمة 2021 حين دخل آلاف المهاجرين سبتة في خضمّ خلافٍ دبلوماسي بين إسبانيا والمغرب حول الصحراء الغربية، تُشير Hobbs إلى أن تقارير The New York Times الأخيرة تُظهر أن "الشرطة المغربية لم تسمح لمهاجري جنوب الصحراء بالعبور، بينما سمحت للمغاربة بالمرور إلى سبتة."

حلمٌ تحوّل إلى كابوس

يونس، شابٌّ مغربي آخر، شقّ طريقه كآلاف غيره مفعماً بالأمل. فرغم حمله شهادة جامعية وإتقانه لغاتٍ عدة، يقول إنه لم يجد في المغرب ما يُبقيه.

"شعرت أنني في سبتة سأجد أخيراً فرصة في الحياة"، قال.

وبينما كان يسبح في آخر مسافة قبل الوصول إلى سبتة، شهد مصرع ثلاثة مراهقين في الماء. وتساءل بحسرة: "من يدري إن كان ذووهم يعلمون بما حدث."

لحظة وصوله إلى سبتة، انتابه "فرحٌ لا يوصف"، غير أن هذا الشعور لم يدم طويلاً، إذ تعرّض للضرب على يد السلطات. وسرعان ما لاحظ أن المحلات التجارية كلّها مغلقة ولا ماء متاح: "الناس يعانون؛ وصل بعضهم وسقطوا مغشياً عليهم، وهُدِّد آخرون بالأسلحة."

وتحوّل حلم يونس سريعاً إلى كابوس: "كان حلمي أن أدخل، والآن أُقسم بالله أنني أنصح كل والد ألّا يُرسل أبناءه إلى هنا"، محذّراً من خطر العنف.

لا تزال عائلاتٌ كثيرة تنتظر على الحدود، تترقّب أخباراً عن أحبّائها. نجاة، أمٌّ لستة أبناء، واحدة منهن. قالت أن ثلاثة من أبنائها حاولوا الوصول إلى سبتة؛ اثنتان من بناتها، في الثانية عشرة والثالثة عشرة من عمرهما، أخذتا معهما شهادات الميلاد وكتبتا رقم هاتف والدتهما قبل أن تفرّا.

وقالت الأم التي يعصرها القلق: "قلن لي إنهن سيتصلن بي، لكنني لم أسمع شيئاً. أريد فقط أن أعرف إن كنّ وصلن بسلام، وأن أعرف إن كان ابني البالغ 14 عاماً حياً أم ميتاً."

وأعربت نجاة عن خوفها الشديد على بناتها من خطر العنف الجنسي. وأضافت: "أعمل لأعتني بأطفالي؛ لا أريدهم أن يهاجروا هكذا. أحرم نفسي من أشياء كثيرة لأعطيها لأبنائي."

"يفرّون من الجحيم"

منظمة No Name Kitchen (NNK)، وهي منظمة غير حكومية تتحرّك حين تتحوّل مسارات الهجرة أو تنشأ اختناقات فيها، موجودة على أرض الواقع وتشهد ما تصفه بعمليات إعادة غير نظامية. ويقول Ric Fernandez، منسّق المنظمة، إن فرق الجيش تستخدم تكتيك "الشبكة"، "إذ تُشكّل سلاسل بشرية لدفع المهاجرين نحو الحدود بالدفع والركل والصراخ والإهانات، مهدِّدةً بمزيد من الضرب إن لم يتحرّكوا."

وأكد Fernandez أن المنظمة وثّقت بالفيديو حالات ضرب على يد الشرطة، مشيراً إلى أن ذلك يجري "ليلاً وبعيداً عن الأنظار، حين يرفض الناس الصعود إلى الشاحنات المستخدمة لعمليات الترحيل الجماعي."

ووصف الوضع بأنه "مروّع"، قائلاً إن أحداً لا الشرطة ولا الحرس المدني (Guardia Civil) ولا الجيش "لا يسأل الناس كيف حالهم، أو ما الذي يحتاجونه، أو لماذا جاؤوا إلى إسبانيا... رغم أننا نحسّ أنهم يفرّون من الجحيم، فإن الأولوية هي إعادتهم مباشرةً إليه."

يعمل فريق NNK على تعبئة الموارد وربط المهاجرين بأماكن الإيواء، وقد اضطرّ إلى مضاعفة فريقه المعتاد المؤلّف من 4 أشخاص ليصل إلى 18 عضواً. ومن أصعب التحدّيات التي يواجهها الفريق الوصول إلى الفئات الهشّة المختبئة في الجبال والمستودعات. وقال Fernandez: "لا تريد NNK أن تُتبعها الشرطة فتكون الطُّعم الذي يكشف عن أماكنهم. هذا ليس دورنا."

وأشار إلى أن جهداً قانونياً توثيقياً واسعاً جارٍ لتسجيل حالات الأشخاص الهشّين الذين يحقّ لهم طلب الحماية الدولية. وأضاف: "أكبر مخاوف NNK أنه بحلول الوقت الذي تُراجَع فيه تلك الحالات وتُثبَت قانونياً، يكون هؤلاء الأشخاص قد غادروا بالفعل أو أُعيدوا أو تعرّضوا لأسوأ العواقب. لكننا لن نستسلم."

"الحكومة الإسبانية لن تنسى"

كانت إسبانيا والمغرب تعيدان بناء علاقاتهما تدريجياً بعد أن تدهورت عام 2021، حين سمحت مدريد لزعيم جبهة البوليساريو Brahim Ghali بتلقّي العلاج على أراضيها، ما أثار غضب الرباط على خلفية نزاع الصحراء الغربية.

وتتوقّع Hobbs أن تُفضي الأحداث الأخيرة إلى علاقات "ناعمة في الظاهر لكن متردّية في الباطن". وتُضيف أن الخطاب الرسمي "لا يلوم المغرب علناً قط"، إذ تحتاج إسبانيا إلى المملكة على المدى المتوسط والبعيد في ملفَّي الهجرة والأمن بشكل عام.

بيد أنها تُؤكد أن "هذه الخطوة في ملف الهجرة لن تُنسى من قِبَل الحكومة الإسبانية، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسبانية والصور التي تُقدّم وقوداً مثالياً لحزب Vox"، حزب اليمين المتطرف المناهض للهجرة في إسبانيا.

وفي وصفها للعلاقة الثنائية بوصفها علاقة غير متكافئة بعمق، قالت Hobbs: "لم يتبقَّ الكثير لمدريد لتتنازل عنه بعد أن غيّرت موقفها من الصحراء الغربية في أعقاب جولة الإكراه الأخيرة."

أما من منظور الرباط، فترى Hobbs أن "الاستجابة الأوروبية الفورية ستبدو مشجّعة للغاية إذ أكّدت أن الضغط عبر ورقة الهجرة لا يُكلّف شيئاً يُذكر، ولا يُفضي إلى أي استجابة أوروبية موحّدة. فلا يوجد أي سبب يدعو المغرب إلى عدم استخدام هذه الورقة مجدّداً."

أخبار ذات صلة

Loading...
متظاهرون يحملون لافتات تطالب بوقف جرائم الحرب في السودان، تعبيراً عن الاحتجاج ضد العنف في دارفور.

ضربة درون على محكمة في شمال دارفور تقتل 35 شخصاً على الأقل

شهدت دارفور تصعيداً خطيراً بضربة مسيّرة استهدفت محكمة عرفية، وأحكام إعدام غيابية ضد قيادات الدعم السريع بتهم جرائم حرب. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره على السودان الآن.
أفريقيا
Loading...
مهاجرون شباب يحتفلون بحماس بعد عبورهم الحدود إلى سبتة، الجيب الإسباني في شمال أفريقيا، وسط موجة هجرة كبيرة من المغرب.

الهجرة والسيادة: ما تحتاج معرفته عن سبتة الإسبانية وسياق الأزمة المغربية

تتصاعد موجة الهجرة نحو سبتة الإسبانية على الحدود المغربية، مع محاولات عبور خطيرة وسط توتر دبلوماسي متصاعد. اكتشف أسباب الأزمة وتفاصيل التدخل العسكري الإسباني الآن.
أفريقيا
Loading...
خريطة توضح موقع السودان وأطرافه مع إبراز الخرطوم كمركز للصراع المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع.

غارات بطائرات مسيّرة على مركبات مدنية تقتل 20 شخصاً على الأقل في السودان

تصاعدت ضربات الطائرات المسيّرة في السودان مستهدفة المدنيين ومركباتهم، ما أودى بحياة العشرات وأثار قلقاً دولياً. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره الإنساني العميق الآن.
أفريقيا
Loading...
حطام سيارات محترقة وحصان ميت على طريق في الأبيض، شمال كردفان، يعكس آثار القصف بالطائرات المسيّرة على البنية التحتية المدنية والحياة اليومية.

حصار قوات الدعم السريع في الأبيض: خيوط الدعم الإماراتي

تعاني مدينة الأبيض في شمال كردفان حصاراً خانقاً وغارات بالطائرات المسيّرة تستهدف محطات الوقود والكهرباء، مما يزيد من معاناة المدنيين ويهدد الأمن الغذائي والمائي. اكتشف المزيد عن الأزمة وتداعياتها الآن.
أفريقيا
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية