وورلد برس عربي logo

عشق كرة القدم في مخيمات اللاجئين الصحراويين

في مخيم السمارة للاجئين، يتحول ملعب ترابي إلى ساحة عشق لكرة القدم. مع اقتراب كأس العالم، يجتمع الشباب حول اللعبة التي تمنحهم الأمل والفرح في حياة المنفى. اكتشف كيف تشكل كرة القدم إيقاع حياتهم اليومية.

كأس العالم 2026: لماذا يدعم الصحراويون الجزائر وليس المغرب
Sahrawi children play football in the Smara refugee camp in Algeria's Tindouf province in February 2016 (Farouk Batiche/AFP)
التصنيف:رياضة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يتصاعد الغبار في هواء الصحراء كالدخان، يتطاير فوق ملعب كرة قدم منحوت من التراب المتصلّب. الوقت عصراً، والحرارة لم تخفّ بعد، لكنّ مجموعة من الشباب والمراهقين تجمّعت لخوض مباراتها الأسبوعية المعتادة. في كلّ مرة يركض فيها أحد اللاعبين خلف الكرة، تنبثق سحابة من الغبار تملأ الفضاء.

على هذا الملعب الترابي في مخيم السمارة للاجئين جنوب غرب الجزائر، يتجذّر عشق كرة القدم في النفوس. أما المتفرّجون على الجانبين، فحديثهم لا ينقطع عن موضوع واحد: كأس العالم الذي يُقام على بُعد آلاف الأميال.

يقول حفظ الله محمد، أحد الحاضرين: "أعتقد أن المنتخب الجزائري سيؤدّي بشكل جيد." بالنسبة لمحمد، كما هو الحال لكثيرين في مخيمات اللاجئين الصحراويين المترامية في الجزائر، فإن كرة القدم ليست مجرّد ترفيه، بل هي واحدة من القليل من الثوابت في حياة يرسمها المنفى. يقول صديقه خليل وهو يبتسم فيما تبدأ الفِرق في التجادل على التشكيلات: "نلعب على الأقل مرة في الأسبوع."

في جميع أنحاء المخيمات، تُشكّل كرة القدم إيقاع الحياة اليومية؛ يلعب الأطفال في الشوارع الترابية فيما تلتفّ العائلات حول أجهزة التلفاز الضخمة لمتابعة البطولات الكبرى. والآن، مع انطلاق كأس العالم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تتجه الأنظار بالكامل تقريباً نحو منتخب واحد: الجزائر.

دعم متجذّر في التاريخ

بالنسبة لكثير من الصحراويين، فإن دعمهم للجزائر مصدره التاريخ قبل كرة القدم. يقيم اليوم أكثر من 173,000 لاجئ صحراوي في مخيمات اللجوء على الأراضي الجزائرية، وفقاً للأمم المتحدة. فرّ معظمهم من الصحراء الغربية في أعقاب انسحاب إسبانيا من الإقليم في سبعينيات القرن الماضي، وما تلاه من اندلاع الحرب بين المغرب وجبهة Polisario الساعية إلى استقلال الصحراء الغربية.

الصحراء الغربية: خلفية وسياق

الصحراء الغربية رقعةٌ صحراوية شاسعة تبلغ مساحتها 266,000 كيلومتر مربع في شمال غرب أفريقيا، تحدّها المحيط الأطلسي والمغرب وموريتانيا والجزائر. سكّانها الأصليون هم الصحراويون الذين يتحدّث أغلبهم الحسّانية، وهي لهجة عربية.

استعمرت إسبانيا الإقليم في أواخر القرن التاسع عشر، وبات يُعرف بـ"الصحراء الإسبانية". وقد طالب المغرب بهذا الإقليم منذ أمد بعيد، وهو بدوره كان في جزء منه مستعمرة إسبانية.

في نوفمبر 1975، أرسل الملك الحسن الثاني ملك المغرب 350,000 مدني و25,000 جندي إلى الأراضي التي كانت لا تزال تحت السيادة الإسبانية، فيما عُرف بـ"المسيرة الخضراء".

خشيةَ أن يُزعزع الصراع مع المغرب الاستقرارَ الداخلي كما فعل مع القوى الاستعمارية الأوروبية الأخرى كفرنسا في الجزائر والبرتغال في أنغولا أقدمت إسبانيا على الانسحاب السريع من الصحراء الغربية، وأبرمت صفقة سرية مع المغرب وموريتانيا التي كانت هي الأخرى تدّعي روابط وثيقة بالمنطقة.

وُقّعت اتفاقية مدريد في الأسبوع الأخير من حياة الدكتاتور الفاشي الجنرال Francisco Franco، وأقصت الصحراويين وممثّلهم الرئيسي جبهة Polisario من المعادلة كلياً، إذ أُعطي ثلثا الإقليم للمغرب والثلث الباقي لموريتانيا.

حين دخل المغرب وموريتانيا إلى الصحراء الغربية عام 1975، اشتعلت الحرب مع جبهة Polisario، واضطر آلاف الصحراويين إلى الفرار إلى مخيمات اللجوء في الجزائر. وحلّ محلّهم مستوطنون مغاربة جرى تحفيزهم على الانتقال إلى الإقليم من قِبَل الرباط، وباتوا يُشكّلون الأغلبية في الصحراء الغربية اليوم.

هزمت Polisario المدعومة جزائرياً والساعية إلى استقلال الإقليم موريتانيا عام 1979. وتُعرف الأراضي التي انتُزعت في تلك الحرب لدى الصحراويين بـ"الأراضي المحرّرة"، وهي امتداد صحراوي شبه خالٍ من السكان يقع شرق الجدار الرملي المغربي الممتد على طول 2,700 كيلومتر.

انهار وقف إطلاق النار المُبرم عام 1991 في نوفمبر 2020، وتتواصل المواجهات المتفرّقة منذ ذلك الحين.

الجدول الزمني

1884: تُعلن إسبانيا في 26 ديسمبر الصحراءَ الغربية محميةً لها، وتواجه مقاومةً صحراوية فورية.

1956: يستقل المغرب عن فرنسا وإسبانيا في 2 مارس.

1957: يُقدّم المغرب في الأمم المتحدة أول مطالبة حديثة بالصحراء الغربية (إذ تضمّنت بعض المعاهدات في القرنين السابع عشر والثامن عشر مطالبات مغربية بأجزاء من الإقليم).

1958: تُنشئ إسبانيا في 10 يناير مقاطعة ما وراء البحار المعروفة بـ"الصحراء الإسبانية".

1966: تأسيس حركة التحرير، أو حركة تحرير ساقية الحمراء و وادي الذهب، التي ناضلت من أجل إنهاء الحكم الإسباني سلمياً وتقرير المصير للصحراء الغربية.

1970: تقمع القوات الإسبانية في 17 يونيو مظاهرةً لحركة التحرير في العيون بعنف شديد، ما أسفر عن سقوط عشرة شهداء على الأقل ومئات الجرحى، وتنحلّ الحركة إثر ذلك.

1973: تأسيس جبهة Polisario في 10 مايو لتمثيل الصحراويين.

1974: تُعلن إسبانيا في 20 أغسطس عزمها إجراء استفتاء لتحديد مصير الإقليم في النصف الأول من العام التالي، فيرفض المغرب الفكرة، وتطلب الأمم المتحدة رأياً استشارياً من محكمة العدل الدولية (ICJ).

1975

16 أكتوبر: تُصدر محكمة العدل الدولية (ICJ) قراراً استشارياً غير مُلزم مفاده أنه رغم وجود روابط قانونية بين الصحراء الغربية والمغرب وموريتانيا، فإن هذه الروابط لا "تُثبت أي رابطة سيادة إقليمية"، وأنها لا تنفي حق تقرير المصير "عبر التعبير الحر والحقيقي عن إرادة شعوب الإقليم".

31 أكتوبر: يجتاح المغرب الصحراء الغربية من الشمال.

6 نوفمبر: بدعوة من الملك الحسن الثاني، يعبر ما يُقدَّر بـ350,000 مغربي أعزل الحدودَ إلى ساقية الحمراء دعماً للمطالب الإقليمية، في الحدث الذي عُرف بالمسيرة الخضراء. وتتلقّى القوات الإسبانية أوامر بالسماح لهم بالمرور تجنّباً لسفك الدماء.

14 نوفمبر: تتراجع إسبانيا خشية الصدام مع المغرب عن دعمها لحق تقرير المصير الصحراوي. وبموجب اتفاقية مدريد، تُسلَّم الصحراء الغربية إلى المغرب (الثلثان الشماليان) وموريتانيا (الثلث الجنوبي). وعلى الرغم من أن الاتفاقية تنصّ على ضرورة مراعاة آراء السكان الأصليين، فإن أي ممثّل صحراوي لم يكن حاضراً في المفاوضات بإصرار مغربي.

1976: تُعلن إسبانيا انسحابها الرسمي من الصحراء الغربية في 26 فبراير. وبعد يوم واحد، تُعلن جبهة Polisario قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وتمضي في القتال ضد المغرب وموريتانيا معاً بدعم من الجزائر وليبيا، وقواتها مُعزَّزة باللاجئين.

1979: بعد ثلاث سنوات من هجمات جبهة Polisario التي أربكت استقرار البلاد، تضطر موريتانيا إلى الانسحاب وتتخلّى عن مطالبتها بالإقليم في 5 أغسطس، معترفةً بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. ويستولي المغرب على معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرة موريتانيا.

1980 وما بعدها: تتواصل المواجهات المتقطّعة بين المغرب وPolisario. يُشيَّد جدار رملي ضخم بين الصحراء الغربية وجنوب غرب المغرب لصدّ هجمات الصحراويين. سيمتد هذا "السدّ الرملي" في نهاية المطاف على طول 2,700 كيلومتر، وتستغرق إتمامه سبع سنوات.

1991: يُعلَن وقف إطلاق النار في 6 سبتمبر في إطار بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO)، التي تتولّى مراقبة وقف القتال وتتبّع تحركات القوات من الجانبين، وإعادة الأسرى واللاجئين، وتنظيم استفتاء عام 1992. وتعترف الأمم المتحدة بالصحراء الغربية بوصفها "إقليماً غير متمتّع بالحكم الذاتي".

1992: لا يُجرى أي استفتاء بسبب خلاف حول من يحق له التصويت.

1997: يفشل اتفاق هيوستن الذي نسّقه James Baker، ممثّل الأمم المتحدة و وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، في إعادة إحياء مسار الاستفتاء.

2003: يتعثّر مخطّط Baker الذي ترعاه الأمم المتحدة والمُراد به استبدال خطة التسوية، في مواجهة الرفض المغربي لأي استفتاء.

2020

13 نوفمبر: تُعلن جبهة Polisario انتهاء وقف إطلاق النار بعد استئناف المغرب عملياته العسكرية في المنطقة العازلة.

10 ديسمبر: تعترف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في إطار صفقة تطبيع مغربية-إسرائيلية.

في غضون ذلك، كان نحو 10,000 شخص يعيشون في الـ20 بالمئة من الصحراء الغربية التي تسيطر عليها Polisario، قبل أن يتجدّد النزاع بين الجبهة والمغرب عام 2020 ويفرّ معظمهم.

وبعد ما يقارب خمسة عقود من الانسحاب الإسباني، وُلدت أجيال من الصحراويين وترعرعت في مخيمات اللاجئين حول تندوف، حيث تبقى الجزائر الحليف الإقليمي الرئيسي لجبهة Polisario والدولة المضيفة الأساسية للاجئين.

خريطة الصحراء الغربية

شكّلت هذه العلاقة نسيج الحياة اليومية في المخيمات. تلقّى كثير من الصحراويين تعليمهم في مدارس وجامعات جزائرية، وتلقّوا رعايتهم الصحية في مؤسساتها، ونسجوا روابط عائلية وثقافية وسياسية تمتد عبر الحدود. وبالنسبة لكثيرين في المخيمات، لا تُعدّ الجزائر مجرّد دولة مضيفة، بل شريكاً راسخاً في النضال الوطني.

يقول إبراهيم سالم، أحد سكان المخيم: "دعمي للجزائر غير مشروط. الجزائر بالنسبة لنا ليست مجرّد جارة، بل دولة وقفت في وجه الظلم ومنحتنا الأمان حين احتجنا إليه .".

"الجزائر استقبلتنا بأذرع مفتوحة"

من بين المتحمّسين للجزائر في هذه البطولة، امرأة تُدعى الجالية، تجاوزت الستين من عمرها. تستحضر ذكرى وصولها إلى الجزائر فراراً من الحرب: "أتذكر أنني لم يكن لديّ أي مكان أذهب إليه، فاستقبلتنا الجزائر بأذرع مفتوحة." يُضيء وجهها حين تتذكّر فوز الجزائر بكأس أمم أفريقيا عام 2019: "حين فازت الجزائر بكأس أمم أفريقيا، احتفلنا بالزغاريد. تجمّع الناس وظلّوا يحتفلون حتى ساعات متأخّرة من الليل."

غير أن تحت هذا الحماس جمراً لا يخمد؛ إذ يُذكّر دائماً بالسبب الذي يجعل دعم الجزائر يحمل هذا الثقل العاطفي الكبير: فالصحراويون لا يملكون منتخباً معترفاً به دولياً في Fifa أو في أي بطولة كبرى أخرى.

بالنسبة لكثير من اللاجئين الذين تم التحدّث إليهم، تظلّ ذكريات التهجير والحرب والانفصال عن الوطن في صلب هويتهم. ويرى إبراهيم أن النزاع المعلّق يُفسّر جزءاً كبيراً من سبب تماهي الصحراويين مع الجزائر في البطولات الدولية: "نحن كصحراويين لا نستطيع المشاركة رسمياً بعد. فالفخر الذي لا نستطيع التعبير عنه في الملعب، نمنحه بالكامل للجزائر. في كل بطولة، نكون مشجّعيها الأوفياء."

وقد رسّخت عقود من الروابط السياسية والإنسانية والاجتماعية بين اللاجئين الصحراويين والجزائر هذا الولاء العميق. بيد أن الحياة في المخيمات تسير وفق إيقاعاتها المعهودة: مباريات كرة القدم، والوجبات المشتركة، والأمسيات أمام شاشات التلفاز.

بالنسبة لخليل وحفظ الله، فإن خطّتهما لمتابعة البطولة محسومة سلفاً: "سنشاهد جميع مباريات الجزائر معاً، مهما تأخّر موعدها." أما الجالية، فأمنيتها بسيطة: "أدعو الله أن تُفرحنا الجزائر من جديد.".

أخبار ذات صلة

Loading...
أوكان بوروك مدرب غلطة سراي مبتسم خلال تدريب الفريق مرتدياً قميص النادي الأسود مع شعار بوما، مع خلفية ملعب كرة قدم مشمسة.

الرقم القياسي لا يتوقف! بوروك يتجاوز إرث تيريم

في 1481 يوماً على رأس غلطة سراي، أوكان بوروك يحقق ألقاباً تاريخية ويكسر الأرقام القياسية في الدوري التركي. اكتشف كيف يقود الفريق نحو مستقبل من الانتصارات والتاريخ. تابع التفاصيل معنا!
رياضة
Loading...
لاعب كرة القدم لامين يامال يؤدي سجود الشكر بعد تسجيل هدف لإسبانيا في كأس العالم، معبرًا عن إيمانه الإسلامي في الملعب.

كأس العالم 2026: لاعبون مسلمون يعيدون رسم نقاش الهوية الأوروبية

في قلب الملاعب الأوروبية، يثبت لاعبو كرة القدم المسلمون أن الإسلام جزء لا يتجزأ من نسيج القارة، متحدين التمييز ومُلهمين الأجيال. اكتشف قصصهم وتأثيرهم في كأس العالم الآن!
رياضة
Loading...
بابي ثياو مدرب المنتخب السنغالي السابق بتعبير جدي بعد وداع كأس العالم 2026 من دور الـ32.

سنغال تعلن رحيل نجمها بعد كأس العالم

انتهى عهد Pape Thiaw مع المنتخب السنغالي بعد وداع كأس العالم 2026، في خطوة تعكس تغيرات واسعة بين مدربي المنتخبات. اكتشف تفاصيل الإقالة وتأثيرها على مستقبل السنغال الآن!
رياضة
Loading...
ستاله سولباكن مدرب منتخب النرويج لكرة القدم خلال مؤتمر صحفي قبل مباراة ربع نهائي كأس العالم 2026 ضد إنجلترا في ملعب ميامي.

تحليل سولباكن: "البلد بأسرها تنتظر مواجهة إنجلترا"

في ربع نهائي كأس العالم 2026، يقود سولباكن منتخب النرويج بحماس استثنائي وتكتيك متقن يوازن بين قوة هالاند وكين. اكتشف كيف صنع هذا الجيل الاستثنائي التاريخ وكن جزءًا من الحماس!
رياضة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية