خروج آمن تحدي صناعة السينما المستقلة في مصر
فيلم Safe Exit للمخرج محمد حماد يواجه تحديات التمويل والرقابة ليصل إلى مهرجان الجونة بعرضه الوطني الأول بعد نجاحه في برلين ومراكش. قصة إنتاج ذاتي وإصرار على الحرية الفنية وسط صعوبات الصناعة في مصر مع وورلد برس عربي.

بعد رحلة مرّت بمهرجان برلين السينمائي (Berlinale)، يصل فيلم «Safe Exit» للمخرج المصري Mohammed Hammad إلى جمهوره في بلده. سيُعرض الفيلم عرضاً وطنياً أول في مهرجان الجونة السينمائي، حيث ينافس في مسابقة الفيلم الروائي الطويل. لكنّ الطريق إلى هذه القاعة لم يكن مفروشاً بالتسهيلات. يقول Hammad إنّ الحصول على تصاريح التصوير كان صعباً، وإنّ استوديوهات مصرية كثيرة تتجنّب أفلاماً من هذا النوع بسبب موضوعاتها. والفيلم ممَوَّل ذاتياً بالكامل.
وسبقت الجونة محطات أخرى. فقد نال «Safe Exit» عام 2025 جائزة أطلس لمرحلة ما بعد الإنتاج (Atlas Prize for Post-production) ضمن ورشات أطلس (Atlas Workshops) التابعة لمهرجان مراكش السينمائي. وفي 2026 عُرض لأول مرة عالمياً في قسم «بانوراما» في برلين.
كيف يُنتَج فيلم تتجنّبه الاستوديوهات؟
حين لا يجد المخرج جهة تموّل، يصنع جهته بنفسه. أسّس Hammad وزملاؤه شركة إنتاج جديدة باسم Pariedolia Productions لإنتاج «Safe Exit» وتوزيعه. ويصف Hammad هذا المسار بأنه تحدٍّ قائم:
«فيلم "Safe Exit" ممَوَّل ذاتياً بالكامل. أسّسنا شركة إنتاج جديدة هي Pariedolia Productions، ونحاول الآن توزيع الفيلم عبر هذه الشركة، وهذا بحدّ ذاته تحدٍّ. اخترنا هذا النموذج لأنّ استوديوهات كثيرة في مصر تميل إلى تجنّب هذا النوع من الأفلام، خصوصاً بالنظر إلى الموضوعات التي يتناولها. حتى الحصول على التصاريح اللازمة للتصوير كان صعباً جداً. لكنني، مع منتجتي Kholoud Saad، كنت أعرف أنني بحاجة إلى صنع هذا الفيلم، تماماً كما صنعنا "Withered Green"».
شاركت Kholoud Saad في إنتاج الفيلم مع Hammad. وتقف إلى جانبهما أسماء من خارج مصر ومن داخلها. المنتجة المشاركة الرئيسية هي Dora Bouchoucha مع شركة Nomadis Images التونسية، ويشاركها Ibrahim El-Battout، الذي لازم المشروع منذ بدايته مستشاراً. يقول Hammad:
«المنتجة المشاركة الرئيسية هي Dora Bouchoucha مع Nomadis Images من تونس. وIbrahim El-Battout، أحد "عرّابي" السينما المستقلة في مصر، منتج مشارك أيضاً. كان Ibrahim معي منذ البداية، ومستشاراً كذلك، وأثق به ثقة كاملة. عملنا معاً على مرحلة ما قبل الإنتاج بالتعاون مع Kholoud. وIbrahim من أبرز صنّاع السينما المستقلة في مصر، إلى جانب Khairy Beshara وYousry Nasrallah، وقد رافقنا طوال التصوير، كل يوم».
ماذا جرى بعد «Bullets & Bread»؟
لا يمكن فهم «Safe Exit» دون المرور بمشروع سبقه وتوقّف. فبعد فيلمه الأول «Withered Green» انصرف Hammad إلى فيلم الطريق «Bullets & Bread». وكان «Withered Green» قد عُرض أول مرة في مهرجان لوكارنو عام 2016 بحسب افتتاحية المقابلة الأصلية، بينما يذكر أحد أسئلتها عام 2014 تاريخاً لعرضه الأول. ونال الفيلم جائزة أفضل مخرج في مهرجان دبي السينمائي وعدة جوائز في القاهرة.
أما «Bullets & Bread» فقد حصل نصّه على جائزة Red Sea Lodge لمشروع عربي عام 2020، وكانت شركة Film Clinic من منتجيه. غير أنّ الرقابة رفضته بعد اكتمال السيناريو ومعاينة مواقع التصوير. يروي Hammad:
بعد فيلم Withered Green (أخضر يابس)، بدأتُ العمل على فيلمٍ باسم "الطريق والخبز" (Bullets & Bread). كان مشروعاً ضخماً من أفلام الطريق، وكانت شركة Film Clinic من بين منتجيه. لكن بعد أن أنهيتُ كتابة السيناريو وشرعتُ في معاينة مواقع التصوير، رُفض الفيلم من قِبل الرقابة، ليتوقّف مشروعي الجميل بعد أربع سنوات من العمل الشاق. بعد هذه الصدمة، لم أعد قادراً على الكتابة، حتى اتصلتُ بالمخرج الكبير داود عبد السيد (Daoud Abdel Sayed)، فنصحني قائلاً: "ابدأ مشروعاً آخر، واكتب فيلماً جديداً". قلتُ له في البداية إنّ الأمر غاية في الصعوبة وإنني لستُ بخير الآن. لكن بعد نحو شهر، بدأتُ في كتابة فيلم "خروج آمن" (Safe Exit)، واستغرق إنهاء السيناريو قرابة عامٍ آخر.»
وجملة Daoud Abdel Sayed، كما نقلها Hammad، كانت قصيرة:
«ابدأ مشروعاً آخر، اكتب فيلماً آخر».
هل غيّر الحوار مع الرقابة شيئاً؟
مع «Safe Exit» اختلف المشهد جزئياً. فقد سُمح للفيلم بالعرض في المهرجانات داخل مصر، بعد نقاشات مع جهاز الرقابة. ويرى Hammad أنّ هذه النقاشات ربما أثّرت في الفيلم إيجابياً، دون أن يتنازل عن مبدئه:
«اسمعوا، أحتاج إلى أن أكون حراً كمخرج، أعبّر عن وجهة نظري وأختار الموضوعات التي أريد معالجتها. أجرينا نقاشات طويلة مع مكتب الرقابة، وربما أثّر هذا النقاش في الفيلم تأثيراً إيجابياً. في الوقت الحالي منحونا إذناً بعرض الفيلم في المهرجانات داخل مصر، والجونة هي عرضنا الوطني الأول. أنا ممتنّ جداً للدعم الذي لقيناه من مهرجان الجونة السينمائي: هذه مصر، بلدي، ومن المهم جداً لي ولطاقم التمثيل والعمل أن نكون هنا. إنهم يؤمنون بالفيلم، وهي بالنسبة إلينا فرصة كبيرة».
من هم أبطال الفيلم؟
تدور الحكاية حول ثلاث شخصيات رئيسية: سمعان وفاطمة وعبد الله. وفي سؤال وجّه إلى Hammad وُصف عبد الله بأنه إرهابي إسلامي، ولم يتوسّع Hammad في الحديث عنه في المقتطفات المتاحة. أما سمعان وفاطمة فيتحدّث عنهما بحنوّ واضح، وهو يصف سمعان شاباً قبطياً قُتل والده في ليبيا على يد تنظيم «داعش» (ISIS)، ويعاني اضطراب ما بعد الصدمة المزمن. أما فاطمة فامرأة مسلمة بلا مأوى، أمّيّة وبلا أوراق ثبوتية:
«أحبّ شخصياتي، خصوصاً سمعان وفاطمة. إنهما نقيّان، نقيّان جداً. بالنسبة إلى الأقباط، يبلغ عددهم نحو 15 مليوناً في مصر. كثيرون منهم ناجحون جداً ومندمجون في المجتمع، لكن لديهم بالطبع قضاياهم الخاصة بحكم كونهم أقلية. غير أنّ سمعان لديه مشكلة أخرى: والده ذُبح في ليبيا على يد "داعش"، ونتيجة لذلك يعاني اضطراب ما بعد الصدمة المزمن. إنه يحاول التأقلم مع العالم الذي يعيش فيه، لكنّ الأهم أنه يحاول مواجهة نفسه وخوفه. لا يستطيع التعامل مع مشاعره، وهذا عكس فاطمة، الثرثارة جداً والعفوية. هي أمّيّة وبلا أوراق ثبوتية، ورغم اختلافهما الشديد فكلاهما على هامش المجتمع».
يؤدي Marwan Waleed دور سمعان. وهو وجه جديد نسبياً لم يظهر إلا في مسلسل واحد. وتؤدي Noha Foad دور فاطمة، وقد بطلت فيلم Hammad القصير «Pale Red» عام 2010. يقول Hammad:
«Marwan Waleed، الذي يؤدي دور سمعان، وافد جديد نسبياً لم يظهر إلا في مسلسل واحد. أما Noha Foad، التي تؤدي دور فاطمة، فصديقة مقرّبة منذ سنوات. أجرينا تسعة أشهر من البروفات معهما».
بدأت تلك الأشهر التسعة بعيداً عن النص:
«أولاً، كان الهدف أن يعتادا العيش معاً والحديث معاً. أن يمشيا في شوارع وسط القاهرة، ويجلسا لشرب القهوة، وتتكوّن بينهما صداقة. وبعد ذلك فقط حدّثتهما عن القصة وعن شخصيتيهما».
وجرت الشهران الأخيران من البروفات في مواقع التصوير نفسها:
«لكنّ الأهم بالنسبة إليّ في البروفات أنها جرت في المواقع الرئيسية التي صوّرنا فيها. الشهران الأخيران من البروفات كانا في المواقع الفعلية، فشعر الممثلان بأنهما في بيتهما هناك».
أما الصورة فتولّاها Mohammed El Sharqawy، مدير التصوير الذي صوّر «Withered Green» و«Safe Exit» معاً. ويصف Hammad تعاونه معه:
«عملتُ مع محمد منذ أفلامنا القصيرة. نعمل دائماً معاً. أحبّ المظهر القاسي، الخشن. إنه قريب جداً من المظهر الطبيعي، باستخدام مصادر الضوء المتاحة. في "Safe Exit" هناك مشاهد أكثر ألواناً لأنّ شخصية فاطمة تستدعي الألوان. هي تقف في مواجهة روتين سمعان وغرفته الشاحبة ومكان عمله. أنا منجذب إلى هذه الملمس الخشن، و"Safe Exit" فيلم قاسٍ جداً، لكننا وضعنا أيضاً بعض النعومة في مشاهد معيّنة، خصوصاً مع فاطمة».
ولأنّ الفيلم، بوصف مخرجه، قاتم وجادّ، فقد أدخل فيه شيئاً من التخفيف الكوميدي:
«أؤمن بالتخفيف الكوميدي، لأنّ الفيلم شديد القتامة. ربما نستطيع أن نرسم بعض الابتسامات على وجوه الجمهور، خصوصاً مع فاطمة، ولكن أيضاً مع سمعان، الذي هو مثل روبوت».
ما بعد الجونة
حين يُسأل Hammad عن مسيرته يميّز بين فيلميه بلا ادّعاء، ويترك السؤال عن الثالث مفتوحاً:
«أنا سعيد جداً بـ"Withered Green" وسعيد جداً بـ"Safe Exit"، لكنّ "Withered Green" كان أنا في تلك المرحلة من العمر، و"Safe Exit" هو أنا الآن. لا أعرف شيئاً عن الفيلم الثالث (يضحك). لكنّ ما تعلّمتُه هو كيف أجعل الناس يشعرون بالتسلية. فمع السينما يظل مهماً أن تكون ممتعة. ورغم أنّ "Safe Exit" قاتم ويعالج موضوعاً جادّاً وحسّاساً جداً، فما زال بإمكاننا أن نجعل جزءاً منه ممتعاً!».
لم يُعلن بعدُ موعد العرض في الجونة. وإلى أن يُعرف، يبقى أمام الفيلم سؤالان: كيف سيصل إلى الصالات عبر شركة وُلدت لتوزيعه، وما الذي سيجده مخرجه حين يواجه جمهوراً في بلده بعد أن واجه الرقابة والتصاريح وإغلاق الأبواب؟
أخبار ذات صلة

نتفليكس تُعيّن بيتر رايس رئيساً للمحتوى بعد رحيل بيلا باجاريا

اكتشاف الأفلام المنسيّة: مدير الفن في الجونة يضع البحث في الصدارة

منتدى آسيا للتلفاز يطلق منطقة الذكاء الاصطناعي والدراما القصيرة
