طوابير الوقود وتأثير الحرب على انتخابات روسيا القادمة
حرب الطائرات المسيّرة وطوابير الوقود تؤثر على حياة الروس قبيل انتخابات برلمانية وسط تراجع شعبية بوتين وشطب حزب معارض يطالب بالسلام في ظل أجواء توتر وقلق متصاعد يعكس واقعاً جديداً في روسيا وورلد برس عربي





طوابير الوقود وسماء الطائرات المسيّرة: كيف يدخل الروس انتخاباتهم البرلمانية؟
في صيف عام 2026، لم تعد الحرب التي شنّتها روسيا على أوكرانيا قبل أربع سنواتٍ ونصف حكرًا على الجبهات البعيدة وشاشات التلفزيون. باتت تطرق أبواب المصافي والمستودعات، وتُطيل طوابير محطات الوقود، وتُلقي بظلالها على رحلاتٍ ألغاها مواطنون لم يكونوا يتوقّعون أن تطالهم الحرب في عقر دارهم — وذلك قُبيل انتخاباتٍ برلمانية مقرّرة بين 18 و 20 سبتمبر 2026، هي الأولى منذ اندلاع الحرب الشاملة.
أرقامٌ تروي ما تصمت عنه موسكو
الأرقام وحدها كافيةٌ لرسم حجم التحوّل. بين يونيو وأغسطس 2026، اعترضت الدفاعات الروسية أكثر من 43,300 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق روسيا وشبه جزيرة القرم. هذا الرقم يفوق بخمسة أضعافٍ تقريباً ما سُجّل في الفترة ذاتها من عام 2025، حين بلغ نحو 7,700 طائرة. بمعنى آخر: الحرب لم تتصاعد تدريجياً، بل قفزت قفزةً حادّة خلال صيفٍ واحد.
بدأت الموجة الكبرى في 3 يونيو 2026، حين استُهدف محطّة نفطية قرب سانت بطرسبرغ. ومنذ ذلك الحين، طالت الهجمات مصافي النفط ومستودعات عملاقَي التجزئة الإلكترونية Wildberries و Ozon في أرجاء متفرّقة من البلاد. ما يعنيه هذا للمواطن الروسي العادي ليس مجرّد أرقامٍ في نشرات الأخبار، بل طوابير طويلة أمام محطات الوقود، ورحلاتٌ ملغاة، وقلقٌ متصاعد يصعب التعبير عنه في فضاءٍ عام مُقيَّد.
مارغريتا تيريخوفا، متقاعدةٌ من موسكو، وصفت ما عاشته بكلماتٍ بسيطة تختزل الصدمة الجماعية: «كنّا نعيش حياةً طبيعية، ثم فجأةً أصبح الأمر هكذا». أمّا ناتاليا باجينوفا في سيبيريا، فقد انتظرت يومين كاملين في طابور للحصول على البنزين. وكسينيا سميرنوفا ألغت رحلتها الجوية إلى البحر الأسود واختارت القطار بديلاً.
شعبيّة بوتين تتراجع وحزبٌ يُشطب من قوائم الاقتراع
في هذا السياق، رصد مركز Levada — وهو مركز استطلاعٍ مستقل — انخفاضاً في شعبية الرئيس فلاديمير Putin؛ إذ تراجعت نسبة تأييده من 87% في سبتمبر 2025 إلى 76% في أغسطس 2026. والرقم لا يزال مرتفعاً بمقاييس أي ديمقراطية غربية، لكنّ الاتجاه التنازلي يحمل دلالةً لا يمكن تجاهلها في بلدٍ يُحكم فيه الكرملين قبضته على كلّ مقاييس الرأي العام.
دينيس فولكوف، مدير مركز Levada، يضع هذا التراجع في سياقه الأعمق: «الناس لا يريدون أن يتوسّع الصراع وأن يُجرَّ إليه مزيدٌ من الأشخاص رغماً عنهم، وهذا يُولّد قلقاً وتوتّراً بعينه». يُشير فولكوف إلى أن الذاكرة الجمعية لا تزال مثقلةً بتعبئة سبتمبر 2022، حين استُدعي 300,000 رجل للخدمة العسكرية في قرارٍ أثار موجة واسعة من الاستياء. واليوم، تتداول الشائعات عن تعبئةٍ جديدة، مما يُضاعف حدّة القلق في المجتمع.
في الأثناء، جرى في 10 أغسطس 2026 شطب حزب Yabloko الليبرالي المعارض من قوائم الاقتراع البرلمانية. الحزب الذي يرفع راية السلام ويطالب بإنهاء الحرب كان قد سُمح له في البداية بالمشاركة، قبل أن يُستبعد في اللحظات الأخيرة. ردّ الفعل الشعبي كان لافتاً: تلقّى الحزب نحو 8,000 طلب انتساب جديد في الأيام التي أعقبت القرار. كيريل غونتشاروف، رئيس مكتب Yabloko في موسكو، يقرأ في هذا الزخم ما هو أبعد من مجرّد تعاطفٍ مع حزب مُقصى: «سياق صيف 2026 هو أن ثمّة طلباً حقيقياً على السلام».
انتخاباتٌ في ظلّ سماءٍ مغلقة
الانتخابات البرلمانية المقبلة ليست انتخاباتٍ بالمعنى التنافسي المعهود في الديمقراطيات الغربية. نيكولاي بيتروف، الباحث الأوّل في مركز NEST الذي أسّسه ميخائيل خودوركوفسكي، يصفها بصراحة: «الانتخابات، كما في الأيام السوفيتية، ينبغي أن تُظهر الولاء التامّ لجميع المواطنين». غير أنّه يُلمح في الوقت ذاته إلى أن الأجواء الراهنة قد تُفضي إلى مفاجآت: «الانتخابات هي وقتٌ يُفترض فيه بالناس أن يتأمّلوا أنفسهم وبلدهم، وإلى أين يسير، وماذا يمكن فعله حيال ذلك». ويُضيف: «أشياءٌ غير متوقّعة، ومزعجة، ومؤلمة للسلطات قد تحدث».
كريس ويفر، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات Macro-Advisory Ltd.، يرصد تحوّلاً في النبرة اليومية داخل روسيا: «الناس يتذمّرون أكثر، ويتحدّثون أكثر». وهو ملاحظةٌ بسيطة، لكنّها ذات ثقل في مجتمعٍ اعتاد على الصمت العلني.
أمّا على صعيد السماء الروسية، فقد وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحذيراً لافتاً للمسافرين والعالم معاً: «رغم أن السلطات الروسية لا تُبلّغ الناس بذلك على النحو الصحيح، فإن المجال الجوي الروسي سيُغلق فعلياً — الحرب التي شنّتها روسيا تُغلق سماءها. في الوقت الراهن، سماء روسيا للطائرات المسيّرة — لا للطيران المدني». الكلمات تحمل طابع الإعلان الرسمي لواقعٍ يعيشه المواطنون الروس فعلاً، حتى حين تتجنّب وسائل إعلامهم الحكومية الإقرار به.
ما الذي يتغيّر حقاً؟
ثمّة فارقٌ جوهري بين أن تسمع عن حربٍ وأن تقف ساعتين في طابور لتملأ خزّان سيارتك. روسيا تعيش اليوم هذا الانتقال بصورةٍ متسارعة. الهجمات الأوكرانية لم تُغيّر موازين الميدان العسكري وحده، بل اخترقت الحياة اليومية لمواطنين في موسكو وسيبيريا على حدٍّ سواء، وأعادت طرح أسئلةٍ كانت مؤجَّلة: إلى متى؟ وبأيّ ثمن؟
الانتخابات البرلمانية المقرّرة في 18-20 سبتمبر 2026 لن تُجيب على هذه الأسئلة، في ظلّ منظومةٍ انتخابية تُقصي أصوات المعارضة وتُحكم السيطرة على المشهد السياسي. لكنّ الأسئلة ذاتها باتت تُطرح بصوتٍ أعلى مما كانت عليه في أي وقتٍ مضى منذ بدء الحرب — وهذا وحده يكفي لجعل هذا الصيف مختلفاً.
أخبار ذات صلة

الهجمات الروسية تحصد أرواحاً في أوكرانيا مع اقتراب المحادثات الأمريكية

الضربات الروسية تودي بحياة مدنيين أوكرانيين وسط تصعيد متبادل بين موسكو وكييف

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية محاولة هجوم بطائرات مسيّرة على مطار لايبتسيغ
