بناء القوة الذاتية الفلسطينية في مواجهة التحديات
في ظل تآكل المشروع الوطني الفلسطيني، يتطلب الوضع الراهن مراجعة جادة لبناء مستقبل جديد يتجاوز الانقسامات. كيف يمكن للفلسطينيين استعادة قوتهم وتحقيق الحرية والكرامة؟ اكتشف الأدوات اللازمة في هذا التحليل العميق.

التحديات الراهنة للمشروع الوطني الفلسطيني
-في ظل تآكل المشروع الوطني الفلسطيني، وغياب برنامج سياسي موحد وقيادة فاعلة، وتشرذم الجسم السياسي الفلسطيني، وما يرافق كل ذلك من تيهان وتشتت، يقف الفلسطينيون اليوم على مفترق طرق تاريخي ووجودي.
أهمية إعادة النظر في الهوية الفلسطينية
في هذه اللحظة لحظة تتسم باتساع "المناطق الرمادية" والغموض، والتي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من النظام الاستعماري وهياكل سيطرته وهيمنته أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى مناقشة وتحليل وتوضيح الأوراق التي لا يزال الفلسطينيون يمتلكونها.
أدوات مواجهة محاولات الإبادة
هذه هي الأدوات التي يمكن أن تنقل الفلسطينيين من حالة الهزيمة والضعف والتوهان، إلى وضع أفضل لمواجهة محاولات إسرائيل المستمرة لمحو الهوية والوجود الفلسطيني.
ضرورة المراجعة الذاتية للنظام السياسي الفلسطيني
شاهد ايضاً: إسرائيل تغلق خمس وسائل إعلام فلسطينية في القدس
وهذا يتطلب، بالضرورة، عملية جادة وصادقة من المراجعة الذاتية والنقد الذاتي وهو شرط أساسي لبناء مستقبل مختلف، مستقبل جديد جوهري يتلاءم مع حقائق اللحظة الراهنة، ومع عواقب الإبادة الجماعية، ومع الفشل السياسي الجماعي للحركة الوطنية الفلسطينية.
سياسات الإقصاء وتأثيرها على الوحدة الفلسطينية
فقد فشلت هذه الحركة الوطنية على مدى العقود الثلاثة الماضية في تأسيس جسم سياسي فلسطيني قادر على المناورة والتكيف بشكل مبدئي ورؤيوي مع التحولات البنيوية الجارية إقليميًا وعالميًا.
والأهم من ذلك أن هذه الحركة فشلت في بناء إطار وطني جامع وموثوق وشرعي وفعال، يجتمع تحت مظلته الفلسطينيون على اختلاف توجهاتهم السياسية؛ مظلة سياسية تمثيلية واسعة بما يكفي لاستيعاب الرؤى السياسية المختلفة.
ولا تعني الوحدة أن تذوب الأفكار الفلسطينية وتذوب في برنامج سياسي واحد. فمثل هذا المفهوم يتناقض مع التعددية السياسية. بل إن الوحدة تكمن في التفاعل والتقاطع والاختلاف بين البرامج السياسية في سياق هدف مشترك لمستقبل متحرر يضع الحرية والكرامة وتقرير المصير والعودة كأهداف جماعية.
إن سياسات الإقصاء التي تتقاطع مع الهدف الاستعماري المتمثل في التجزئة قد اتبعتها عمليًا الجهات الفاعلة المهيمنة داخل الحركة الوطنية الفلسطينية ولا سيما خلال العقدين الماضيين من خلال مأسسة الانقسامات الفلسطينية الداخلية وترسيخها، وما نتج عنها من إضعاف للمشروع الوطني.
المسؤولية السياسية في مواجهة الانقسام
وبالتالي، وفي ضوء ما اتضح خلال العامين الماضيين وبالنظر إلى الطرق التي انخرطت فيها حركتا فتح وحماس في التحولات الإقليمية الجارية فإن المساءلة والمحاسبة السياسية للقوى التي تقف وراء الانقسام الفلسطيني ليست ترفًا. بل هو عنصر أساسي في أي عملية تحولية، بما في ذلك إعادة إعمار غزة، إذا كان الهدف هو تدشين مرحلة سياسية جديدة تتعلم من الماضي وتبني على الشرعية والتمثيل ومركزية الشعب في السياسة.
توفر اللحظة الراهنة، والشكل الذي لا يزال يتبلور لعملية إعادة الإعمار في غزة، مدخلاً حاسمًا يجب عدم التفريط به. إنها فرصة للمساءلة، ولوضع أسس جديدة للممارسة السياسية الفلسطينية الجماعية.
فرص إعادة الإعمار كمدخل للمساءلة
يجب أن تترافق عملية إعادة الإعمار المادي والجسدي مع إعادة إعمار سياسي جاد: إعادة بناء السياسة والحكم الفلسطيني بطرق تعيد تعريف طبيعة المؤسسات السياسية والقيادة والرؤية والحوار الوطني.
إعادة بناء السياسة والحكم الفلسطيني
وهذا يتطلب أيضًا إعادة التفكير في الخطاب السياسي، واستراتيجيات العمل السياسي، وأشكال المقاومة وأدواتها، وأدوار المؤسسات والمجتمع المدني، على مسارٍ يقرِّب الفلسطينيين من الحرية بدلًا من مجرد تكييف السياسات والإجراءات لتحسين ظروف العيش في ظل الاستعمار.
إعادة التفكير في الخطاب السياسي وأدوات المقاومة
وللشروع في مثل هذه العملية التحويلية، لا بد من تحديد مواقع وركائز القوة الذاتية الفلسطينية، والاستثمار فيها. وهذا يتجاوز الأهمية المركزية للحضور والوجود والصمود الفلسطيني في مواجهة محاولات الاقتلاع الإسرائيلية المستمرة.
تعزيز القوة الذاتية الفلسطينية
فالحضور والوجود والصمود في حد ذاتها تتطلب التعزيز والتغذية والتقوية، بما يمكّنها من التطور من موقف رد الفعل إلى قوة مولدة؛ من الثبات الساكن إلى الفعل الملتزم. تتطلب القدرة التحويلية لهذه الصفات قيادة ذات رؤية، وآليات مؤسسية وقنوات للعمل السياسي الفعال.
التحول من رد الفعل إلى الفعل الملتزم
يمتلك الفلسطينيون، بوصفهم مجتمعاً حركياً اجتماعياً، مجتمعاً يتسم بالديناميكية الاجتماعية، مزايا تنافسية قادرة في جوهرها على تحويل القوة إلى فعل عندما تتوفر شروط معينة: القيادة والمؤسسات الفاعلة والرؤية والمشاركة والمساءلة.
المزايا التنافسية للمجتمع الفلسطيني
وهذه ليست مُثُلًا بعيدة المنال؛ فهي ببساطة تتطلب إعادة توجيه بوصلة العمل السياسي الفلسطيني نحو موقفٍ ملتزمٍ وصادمٍ وواثقٍ من نفسه، مستندًا إلى مصادر قوة داخلية محددة بوضوح.
إعادة توجيه العمل السياسي الفلسطيني
وبعد عامين من الإبادة الجماعية، تبدو مهمة بناء "منظومة القوة الذاتية الفلسطينية" أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. هذه المنظومة، التي ينبغي أن تنبثق من العمل الجماعي، يجب أن تؤطر نقاط القوة الفلسطينية القائمة: رأس المال البشري والاجتماعي، والمجتمع المدني المنخرط والفاعل، وآليات الصمود والمقاومة، والممارسات الريادية في مختلف القطاعات، والفئات الاجتماعية المهمشة القادرة على قيادة التغيير، وغيرها.
بناء منظومة القوة الذاتية الفلسطينية
بعد تجارب متكررة من الهزيمة والضعف والارتباك، يمكن لمثل هذه المنظومة أن تكون بمثابة خطوة حيوية نحو بناء "قائمة أمل" وسط آلام هائلة.
خطوات نحو "قائمة أمل" فلسطينية
شاهد ايضاً: الأردن ومصر ينددان بتصريحات السفير الأمريكي التي تقول إن إسرائيل يمكن أن تسيطر على جميع الشرق الأوسط
ويمكن أن تصبح هذه "القائمة" نقطةً مرجعيةً لتنشيط العمل الفلسطيني، وتسليط الضوء على مجالات القوة الداخلية المفتوحة للاستثمار والتطوير، وتذكير الفلسطينيين أنفسهم بالقدرات التي يمتلكونها والتي سعت الجهات الفاعلة الدولية والمحلية إلى تجريدهم منها على مدى عقود.
لقد حان الوقت لاستعادة مصادر القوة من الناحية العملية والملموسة، بما يمكّن من إحداث تغيير تحويلي مستدام على المدى الطويل. إن إعادة الإعمار المادي والمادي أمرٌ مهم، ولكن كما أظهرت التجربة مرارًا وتكرارًا، فإن المباني عرضة للتدمير السريع من قبل القوى الاستعمارية. ومن ناحية أخرى، فإن مصادر القوة العضوية المتجذرة في القدرات الفلسطينية تزداد قوةً عندما تتحول من مجرد أدوات للبقاء إلى عوامل تغيير فاعلة.
استعادة مصادر القوة الفلسطينية
ولتحقيق الاستراتيجيات المذكورة أعلاه، هناك حاجة إلى ركيزة ثالثة: ميثاق أو ميثاق تنظيمي لغزة، من شأنه أن يحدد المبادئ التوجيهية والأسس التنظيمية وآليات المساءلة ورؤية مملوكة محليًا لمستقبل غزة، بالاعتماد على عمل المجتمع المدني الفلسطيني على مدى العامين الماضيين. يمكن أن تساعد هذه الوثيقة في رسم مسار بديل للخطط التي تضعها إدارة ترامب حاليًا للفلسطينيين في غزة وخارجها.
أهمية ميثاق غزة في المستقبل السياسي
يمكن أن يشكل ميثاق غزة هذا فصلًا واحدًا من "ميثاق حرية" أوسع نطاقًا لحوار وطني فلسطيني شامل يرتكز على التفكير النقدي. ومن شأن مثل هذا الحوار أن يتبنى نهجًا شاملًا لإعادة الإعمار، وهو نهج يتضمن بالضرورة إعادة بناء الوكالة السياسية التي تتمحور حول الشعب والمشاركة الشعبية، بينما نتحرك نحو مستقبل يقرر فيه الفلسطينيون مصيرهم بأنفسهم.
أخبار ذات صلة

هل تسير الولايات المتحدة وإيران نحو صراع مسلح أم اتفاق مفاجئ؟

مستوطنون إسرائيليون ينضمون إلى جولة "سفاري" لزيارة الأسرى الفلسطينيين

زعيم إيران "يوكل" رئيس الأمن بإدارة البلاد في حالة الحرب أو الاغتيال
