رامي شعث يواجه الترحيل رغم نضاله من أجل فلسطين
يواجه رامي شعث، الناشط الحقوقي الفلسطيني، خطر الترحيل من فرنسا بعد أن تم احتجازه في مصر. كيف تحولت حياته من الاحتفاء إلى التهديد؟ اكتشف تفاصيل قصته المعقدة وتحدياته في ظل القمع المتزايد للنشاط المؤيد لفلسطين.

رامي شعث: من ضيف فرنسا المحتفى به إلى مهدَّد بالترحيل
في يناير 2022، وصل رامي شعث إلى باريس بعد أن قضى 900 يوم خلف القضبان في أحد السجون المصرية. استقبلته زوجته الفرنسية وحشدٌ من المؤيدين بالتصفيق والهتافات، فيما أُرغم على التنازل عن جنسيته المصرية ثمناً لحريته.
كتب الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron آنذاك، وكان قد ضغط على نظيره المصري عبد الفتاح السيسي من أجل الإفراج عنه: «أشاركُ زوجتَه شعورَها بالارتياح، وأشكر كل من أدّى دوراً إيجابياً في هذه النتيجة السعيدة».
أربع سنوات مرّت على ذلك المشهد، وها هو رامي شعث اليوم يواجه الترحيل من فرنسا بوصفه «تهديداً خطيراً للنظام العام».
جلسة الخميس في نانتير
يمثل شعث، يوم الخميس، أمام لجنة الترحيل في مدينة نانتير حيث يقيم لتقييم ما إذا كان ينبغي إبعاده عن فرنسا. غير أن قرار اللجنة لن يكون ملزماً، إذ يحق للسلطات تجاهله.
قال شاث، المولود في غزة المحاصرة، في تصريحات: «لا يمكنهم إعادتي إلى غزة؛ أولاً لأنها منطقة حرب، وثانياً لأنني مستهدَف من قِبَل الإسرائيليين. وفي كلتا الحالتين، لن يسمح القانون الأوروبي بترحيلي إلى فلسطين. وبالطبع، أعرف مصريين كثيرين، لكنهم لا يستطيعون ترحيلي إلى مصر».
وأشار إلى احتمال إرساله إلى دولة ثالثة «فقد أجد نفسي في ليبيريا أو غامبيا» لكنه يرجّح أن يظل في منطقة رمادية: عاجزاً عن تجديد إقامته في فرنسا، مضايَقاً من السلطات، محروماً من الخدمات الأساسية.
ناشط بارز في مرمى الاتهامات
يستند التهديد بالترحيل إلى نشاط شعث الحقوقي المؤيد لفلسطين. فهو كان من أبرز وجوه انتفاضة الربيع العربي عام 2011 ضد حسني مبارك، وتولّى تنسيق الفصل المصري لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) على إسرائيل.
استقر شعث في فرنسا عام 2022 بتأشيرة لمدة عام واحد، وتقدّم بطلب تجديدها في سبتمبر 2023 دون أن يتلقى أي رد. ومنذ ذلك الحين، تقدّم بـ10 طعون عاجلة لتجديد الإقامة، كلّها دون جدوى. وفي 30 أبريل، تسلّم إشعاراً رسمياً بفتح إجراءات الترحيل بحقه.
وثيقة صادرة عن مقاطعة نانتير سردت مبررات هذه الإجراءات، مستندةً في معظمها إلى خطابات شاث وأحاديثه ومشاركاته العامة، ومن بينها: صلاته بـ«شخصيات القضية الفلسطينية في فرنسا»، واستخدامه عبارة «الاحتلال الإجرامي الإسرائيلي لغزة»، وإعلانه صراحةً معاداتَه للصهيونية ودعمَه لحل الدولة الواحدة في فلسطين.
ردّ شعث على ذلك بدهشة واضحة: «يا إلهي، هل أنتم جادّون؟ منذ 40 عاماً وأنا لم أُلقِ خطاباً واحداً دون أن أهاجم فيه الصهيونية. واليوم تكتشفون أنني معادٍ للصهيونية؟ لا يُصدَّق».
ومن بين الاتهامات أيضاً أنه ألقى «خطاباً عسكرياً» وهو يرتدي «زياً عسكرياً». لكن شعث أشار إلى أن مقطع الفيديو المُستشهد به يُظهره جالساً يُلقي محاضرة، مرتدياً بنطلون بيج من Uniqlo.
كذلك أُخذ عليه مطالبتُه إيران بالتدخل لوقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، التي أودت حتى الآن بحياة أكثر من 72,000 شهيد فلسطيني وحوّلت معظم القطاع إلى ركام.
علّق شعث: «نعم، هذا صحيح. لكنني أيضاً ألقيت ستة خطابات أخرى طالبت فيها فرنسا بإرسال جيشها لضرب الطائرات الإسرائيلية التي تواصل الإبادة في غزة. هذا هجومٌ كارثي، عنصري، إجرامي، وخارج عن القانون، يستهدف كل من يتحدث عن فلسطين».
مسيرة مهنية لافتة
ما يجري في فرنسا لا يمكن عزله عن سياق أوسع؛ فكثير من دول أوروبا الغربية شهدت منذ أكتوبر 2023 موجة من القمع الممنهج للنشاط الحقوقي المؤيد لفلسطين. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الجامعات، حيث يحذّر الناشطون والطلاب والأساتذة والنقابات من تصاعد الضغط على كل من يُعرب عن دعمه للفلسطينيين. باتت التظاهرات والخطابات العامة والاعتصامات في المباني تُجرَّم، وتُفضي إلى جلسات تأديبية وعقوبات إدارية وملاحقات قانونية، وأحياناً إلى سجلات جنائية.
مشروع قانون كان مقرراً مناقشته في البرلمان الفرنسي الشهر الماضي كان سيُجرّم انتقاد إسرائيل، بما في ذلك إنكار وجودها والمقارنة بينها وبين ألمانيا النازية. وقد سُحب النص في نهاية المطاف من جدول الأعمال البرلماني، لكن الحكومة يُتوقع أن تُقدّم مشروعاً مماثلاً خلال هذا الصيف، وكان من شأن التشريع المقترح توسيع الجرائم المرتبطة بالإرهاب لتشمل ما وصفه النص بالتحريض «الضمني».
ولرامي شعث مسيرة مهنية بارزة لا يمكن تجاهلها: فهو نجل كبير المفاوضين الفلسطينيين ورئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق نبيل شعث، وقد عمل مستشاراً لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وكان ضمن الفريق التفاوضي للسلطة الفلسطينية، وألقى خطابات أمام مجلس الشيوخ الفرنسي ووزارة الخارجية. بل إن مدينة نانتير ذاتها التي يقيم فيها اليوم منحته لقب المواطن الفخري عام 2021.
كل هذا لم يقِه من الوقوع في شَرَك المناخ المعادي للفلسطينيين الذي يتشكّل في فرنسا.
«جمهورية موز»
أعلن ذوو شعث وأصدقاؤه ومؤيدوه، يوم الأحد، إطلاق حملة لمناهضة ترحيله، تحت عنوان ****، في إشارة إلى اعتقاله السابق في مصر بين عامَي 2019 و2022، حين اتُّهم بـ«مساعدة جماعة إرهابية على تحقيق أهدافها». وإن كانت الحملة الأولى قد حظيت بدعم المؤسسة الفرنسية، فإن الثانية موجَّهة ضدها مباشرةً.
في نوفمبر 2023، بلّغ عنه لوران نونيز المحافظ السابق لباريس والذي يشغل اليوم منصب وزير الداخلية إلى القضاء بتهمة «التمجيد بالإرهاب»، وذلك على خلفية خطاب قال فيه شعث إن «الشعب الفلسطيني، كسائر الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، يحق له الدفاع عن نفسه والمقاومة». وقد أغلق مكتب المدعي العام في باريس هذه القضية بعد 11 شهراً.
يؤكد شعث أنه يرفض العنف والعنصرية بجميع أشكالهما بما فيها معاداة السامية، ويرى أن كل ما يُوجَّه إليه من اتهامات لا يهدف إلا إلى إسكاته أو دفعه إلى مغادرة فرنسا، حتى وإن لم تصمد أيٌّ من التهم في نهاية المطاف.
قال: «بالطبع، إن واصلوا هذا القرار التعسفي ووضعوني قيد الإقامة الجبرية... سأقاومه، لكنني لن أقضي حياتي في هذه الأوضاع. ربما يدفعني ذلك في نهاية المطاف إلى المغادرة».
الإشعار الذي تسلّمه شعث يتضمن وضعه قيد الإقامة الجبرية وتقييد تنقلاته داخل بلديته، مع إلزامه بالتوقيع في مركز الشرطة المحلي «صباحاً ومساءً».
أكد شعث أنه سيستنفد كل سبل الطعن القانونية المتاحة، وصولاً إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إن لزم الأمر.
وختم بحزم: «لن أعيش تحت الترهيب. إن أصرّوا على أن يتصرفوا كجمهورية موز، فسأُصرّ أنا على المضي في الطريق القانوني. يريدون إسكاتي عن غزة وفلسطين، وهذا لن يحدث».
أخبار ذات صلة

إسرائيل تُدرج في «قائمة الأمم المتحدة السوداء» لجرائم العنف الجنسي في مناطق النزاع

استخدام القوة ضد ناشطي فلسطين في محاكمة ألمانية تحت المجهر

مليزيا تُحضّر دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضدّ إسرائيل بتهمة تعذيب ناشطي أسطول غزة
