تحكم إسرائيل المالي في غزة عبر المحافظ الإلكترونية
يكشف مقترح "مجتمع مخطط" في رفح عن تحول جذري في السيطرة الإسرائيلية على غزة، حيث يتم استبدال النقد بمحافظ إلكترونية تعزز المراقبة والتبعية. استعدوا لمناقشة تأثير هذا النظام الجديد على السيادة الاقتصادية الفلسطينية.

خطة المحفظة الإلكترونية في رفح
يمثل المقترح الذي تم الكشف عنه مؤخرًا الذي تقوده الولايات المتحدة لإقامة "مجتمع مخطط" في رفح بغزة نقلة نوعية جوهرية في آليات السيطرة التي تمارسها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يمثل تطورًا من نقاط التفتيش العسكرية المادية إلى تعميق الاحتلال المالي.
تحول الاقتصاد من النقد إلى المحافظ الإلكترونية
هذه البنية الجديدة، التي ستستبدل الاقتصاد القائم على النقد بـ "محافظ الشيكل الإلكترونية"، مصممة لدمج الفلسطينيين مباشرة في شبكة نقدية تسيطر عليها إسرائيل. وهكذا ستصبح أنظمة الدفع أداة أساسية للمراقبة والتبعية والتهدئة السياسية.
آليات الرقابة المالية في خطة غزة
وبحسب الوثائق المسربة الصادرة عن مركز التنسيق المدني العسكري بقيادة الولايات المتحدة، والتي حصل عليها موقع دروب سايت نيوز، فإن "مجتمع غزة المخطط الأول" يتمحور حول عدة آليات رقابة متكاملة، بما في ذلك المراقبة البيومترية ونقاط التفتيش والمراقبة المالية من خلال المحافظ الإلكترونية.
ومن شأن هذا الإطار أن يمكّن السلطات الإسرائيلية من مراقبة عمليات الشراء وتحديد الشبكات الاقتصادية التي قد تحول الموارد إلى "قنوات حماس المالية". ومن شأن هذا الاعتماد الهيكلي على النظام المالي الإسرائيلي أن يزيل فعليًا أي سيادة مالية فلسطينية متبقية.
التبعيات الاقتصادية والسياسية
يتبع إدماج المحافظ الإلكترونية كجزء من خطة إعادة إعمار غزة نمطًا أوسع نطاقًا من الاستفادة من التبعيات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية محددة.
وقد وُضعت الأسس لهذا التحول خلال أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة، والتي دمرت الغالبية العظمى من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي في القظاع.
وعلى عكس الشيكل الرقمي الذي اقترحه بنك إسرائيل، والذي يهدف إلى تحديث المدفوعات المحلية مع حماية الخصوصية، من المرجح أن تعمل المحافظ الإلكترونية في غزة بشكل واضح كأدوات مراقبة مرتبطة بالتدقيق العسكري وتحديد الهوية البيومترية.
دور بنك فلسطين في السيطرة المالية
إن دور بنك فلسطين في هذا المخطط يستحق التدقيق. يشير الاقتراح إلى أن "من شأن وجود فرع لبنك فلسطين في المجتمع المحلي أن يوفر تجارة آمنة وشفافة". وهكذا ستتحول المؤسسة الفلسطينية التي لديها عشرات الفروع في جميع أنحاء الأراضي المحتلة وشريان الحياة خلال الحرب، باعتبارها العمود الفقري المؤسسي لـ نظام المحفظة الرقمية PalPay إلى وسيط للسيطرة المالية الإسرائيلية.
المراقبة على سلسلة التوريد
يمتد جهاز المراقبة المتوخى في خطة مركز تنسيق المعاملات النقدية إلى ما هو أبعد من المحافظ الفردية ليشمل سلسلة التوريد بأكملها، مما يتطلب من إسرائيل مراقبة التجار والبضائع لمنع "تحويلها". علاوة على ذلك، فإن عدم الوضوح بشأن مكان الاحتفاظ بالأموال يشير إلى إمكانية توجيهها من خلال المؤسسات المالية الإسرائيلية المرتبطة بالجيش الإسرائيلي، مما يمنح السلطات الإسرائيلية السلطة التقديرية لتجميد الحسابات أو منع المعاملات.
التمويل الخليجي والاستراتيجية الأمريكية
تشير البنية الجيوسياسية الكامنة وراء هذا المشروع إلى تقاطع رأس المال الخليجي والاستراتيجية السياسية الأمريكية، حيث يتم توجيه التمويل الإماراتي من خلال "مجلس السلام" التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يُطلق على المجتمع الجديد المقترح اسم "المجمع الإماراتي".
مشروع الممر الاقتصادي وتأثيره على غزة
وتتماشى هذه الاستراتيجية مع إحياء مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. ويهدف مقترح غزة إلى دمج القطاع في شبكات التجارة الإقليمية. غير أن مشاركة غزة في مشروع الممر الاقتصادي الدولي يتطلب التنازل عن السيادة النقدية، وقبول المراقبة البيومترية، وإجراء جميع عمليات التجارة من خلال أنظمة يشرف عليها الجيش الإسرائيلي.
كما أنه سيضع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي هي جزء من مجلس التنسيق الأمني، كراعٍ مالي للاحتلال وهو دور يتماشى مع استثمارات أبو ظبي السابقة في نقاط التفتيش في الضفة الغربية ومشاركتها الأوسع في اتفاقات إبراهام.
التداعيات على المجتمع الفلسطيني
يمد مشروع رفح التجريبي المنطق الاقتصادي لهذه الاتفاقات إلى غزة، باستخدام تمويل إعادة الإعمار والتكنولوجيا لخلق تبعية لا رجعة فيها مصممة لمنع المقاومة في المستقبل. وهذا يعكس التبعية المسلحة التي شوهدت في دول أخرى طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، مثل تقييد صادرات المياه إلى الأردن، وإمدادات الغاز إلى مصر، في محاولة لإسكات الانتقادات الموجهة إلى الأعمال العسكرية الإسرائيلية.
وعلى المستوى الجزئي في غزة، سيصبح كل مقيم في غزة جزءًا لا يتجزأ من الشبكات المالية الإسرائيلية، حيث تكون تكلفة المقاومة هي الإقصاء من التجارة.
تأثير الدفع الإلكتروني على المقاومة
من شأن التحول من الدفع النقدي إلى الدفع الإلكتروني أن ينطوي على آثار عميقة على قدرة الفلسطينيين على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. فالاقتصادات النقدية توفر إخفاء الهوية وتسمح للشبكات غير الرسمية بالعمل بشكل مستقل عن مراقبة الدولة. فخلال الحرب، كان اقتصاد غزة يعتمد على سماسرة النقد غير الرسميين الذين كانوا يتقاضون عمولات تبلغ حوالي 40 في المائة، لكنهم كانوا يوفرون السيولة الأساسية.
ومن شأن نظام المحفظة الإلكترونية أن يقضي على هذا القطاع غير الرسمي، مما يعرض جميع الشبكات الاقتصادية للمراقبة الإسرائيلية - وهي بنية يعززها سوق العمل الأسيرة في مجتمع رفح، حيث سيكون الدخل مرهونًا بالتعاون مع السلطات الإسرائيلية.
التعليم والثقافة تحت المراقبة
في الوقت نفسه، ستتبع المناهج التعليمية مبادئ "ثقافة السلام" على غرار دولة الإمارات العربية المتحدة، في حين ستوفر ما يسمى بقوة الاستقرار الدولية "الأمن"، مما سيؤدي إلى فرض رقابة خارجية على كل جانب من جوانب الحياة الفلسطينية.
احتمالات السيادة النقدية الفلسطينية
إن السيادة النقدية الفلسطينية ذات المغزى مستبعدة صراحةً في نموذج رفح. يمكن أن توفر الأنظمة المالية البديلة، مثل هيكلية "بريكس" أو آليات الدفع الصينية أو الروسية، طريقةً للتغلب على ذلك ولكن من دون الاعتراف السياسي وسيادة الدولة، لا يمكن للمؤسسات الفلسطينية الفردية الوصول إلى هذه الأنظمة.
نموذج الحوكمة الإسرائيلية في رفح
يحاكي مشروع إسرائيل مشروع معسكرات مكافحة التطرف في شينجيانغ، حيث جمعت الصين بين المراقبة البيومترية والإكراه الاقتصادي لإنتاج رعايا مطيعين. ويُنظر إلى مشروع رفح التجريبي على أنه حالة اختبار لنموذج حوكمة يمكن توسيع نطاقه ليشمل قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة وما وراءها - مما يسمح لإسرائيل بادعاء الانسحاب العسكري، مع الاحتفاظ بالمراقبة في الوقت الفعلي وسلطة معاقبة عدم الامتثال.
الآفاق المستقبلية للمشروع
سيشكل نجاح هذا المشروع أو فشله ديناميكيات أوسع نطاقًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبالنسبة للإمارات العربية المتحدة، فإنه يمثل حالة اختبار لدور رأس المال الخليجي في إدارة بيئات ما بعد الصراع بما يتماشى مع المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية. وإذا ما أثبتت البنية التحتية للمحفظة الإلكترونية قابليتها للتطبيق، فقد تصبح مخططًا لأنظمة مماثلة في جنوب لبنان أو سوريا، مما يوسع المنطق الاقتصادي لاتفاقات أبراهام.
تأثير التكنولوجيا على النشاط المالي
وعلى الرغم من التطور التقني لهذه الأنظمة، إلا أن التاريخ يشير إلى أن الفلسطينيين قد يتكيفون مع ذلك من خلال البحث عن آليات تحويل بديلة أو ترتيبات مقايضة، مما ينقل النشاط المالي إلى العمل السري.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن أن تكون السيطرة على البنية التحتية للمدفوعات والحياة النقدية بديلاً عن الشرعية السياسية. إن ما يجري بناؤه في رفح هو نموذج يتم فيه مقايضة البقاء على قيد الحياة بالخضوع للمراقبة. ولكن يبقى السؤال الاستراتيجي: هل سيقبل الفلسطينيون بنموذج إعادة الإعمار الذي يتطلب التنازل الدائم عن سيادتهم النقدية؟.
أخبار ذات صلة

جنود إسرائيليون متهمون باغتصاب معتقل فلسطيني يعودون للخدمة

إسرائيل تعيد فتح المسجد الأقصى مع تمديد ساعات اقتحام المستوطنين

نص بيان مجلس الأمن القومي الإيراني حول وقف إطلاق النار
