تراجع المساعدات الإنسانية وتأثيره المدمر
تقرير جديد يحذر من تدهور المساعدات الإنسانية بسبب تسييسها، مما يؤدي إلى انعدام الثقة في النظام الإغاثي. أكثر من 239 مليون شخص بحاجة للمساعدة، لكن ثلثهم فقط يحصل عليها. هل سنشهد تغييرات جذرية في هذا الوضع؟ التفاصيل هنا.

تُطلق مجلة The Lancet الطبية المرموقة تحذيراً بالغ الخطورة: المساعدات الإنسانية، ولا سيّما تلك الداعمة لمنظومات الصحة العامة حول العالم، تقلّصت إلى حدٍّ بات معه التقنين ليس استثناءً طارئاً بل سياسةً مقصودة وهو ما يستوجب إصلاحاً جذرياً فورياً.
هذا ما خلص إليه أكثر من ثلاثة وثلاثين باحثاً من مركز Johns Hopkins لصحة الإنسان في الأزمات ومن لجنة The Lancet المعنية بالصحة والنزاع والتهجير القسري، في تقريرٍ نُشر الأربعاء. وقال الباحثون إنّ منظومة العمل الإنساني باتت انتقائيةً وعسيرة الوصول إلى حدٍّ يجعلها مجرّد «فرزٍ للناجين»، لا نظاماً يلتزم بمبادئ الإغاثة.
تسييس المساعدات: الجرح الأعمق
يُشكّل تسييس المساعدات حين تُربط بأولويات الأمن القومي والسياسة الخارجية عاملاً محورياً في انهيار هذه المنظومة. وقد تعمّق هذا الانهيار بعد عودة الرئيس الأمريكي Donald Trump إلى السلطة في يناير 2025، وما تبعها من تفكيكٍ شبه كامل للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).
كانت واشنطن لعقودٍ المانح الأكبر في العالم للمشاريع الإنسانية. بدأ المسار بتجميدٍ لتسعين يوماً على المساعدات الخارجية، ثم تحوّل إلى هدمٍ شبه تام للجهود الإنسانية الأمريكية؛ ففي يوليو 2025، أُغلقت USAID كلياً وانتقلت صلاحياتها إلى وزارة الخارجية.
وقال Paul B. Spiegel، مدير مركز Johns Hopkins لصحة الإنسان في الأزمات ورئيس اللجنة التي أعدّت التقرير، معلّقاً على النية الأولية لخفض الإنفاق في قطاع المساعدات: «أكبر ما أقلقني أنا وكثيرين من زملائي في هذه الإدارة لم يكن التشخيص، بل الأسلوب طريقة تنفيذ القرارات». وأضاف: «المسألة الثانية هي أنّ الخطاب الشعبوي المعادي للاجئين لا يُفيد أحداً. والثالثة هي المخاوف المتعلقة بالقانون الإنساني الدولي، الذي انتُهك ليس من هذه الإدارة وحدها، بل من الجميع، ولا أرى في هذه الإدارة أي دفعٍ نحو المساءلة».
الشهر الماضي، أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أنّ المساعدات الإنسانية التي قدّمتها أغنى دول العالم انخفضت بنحو 25 بالمئة عام 2025 مقارنةً بعام 2024، ويُعزى جانبٌ كبير من هذا التراجع إلى خفض الولايات المتحدة أكثر من نصف مشاريعها في المساعدات الخارجية.
وأشار تقرير The Lancet، استناداً إلى نظرة الأمم المتحدة الإجمالية على الوضع الإنساني، إلى أنّ الاحتياجات المُقدَّرة بـ 44 مليار دولار تقلّصت إلى 29 مليار دولار العام الماضي، ولم يُموَّل منها سوى نصفها تقريباً بحلول نهاية العام. أمّا هذا العام، فقد حُدِّدت الاحتياجات بـ 33 مليار دولار، خُصِّص منها 23 مليار دولار لـ«الاحتياجات الأشد تهديداً للحياة».
ولوضع هذه الأرقام في سياقها، أشار التقرير إلى أنّ هذا المبلغ «يعادل نحو 1 بالمئة من الإنفاق العسكري العالمي السنوي».
إبعاد السياسة عن تمويل الإغاثة
يُقدّر التقرير أنّ نحو 239 مليون شخص في حاجةٍ إلى مساعداتٍ خلال عام 2026، غير أنّ ثلثهم فحسب قد يحصل عليها فعلياً. ويؤكد الباحثون أنّ تمويل الصحة العامة لا يمكن أن يكون أداةً من أدوات «إدارة شؤون الدولة».
وجاء في التقرير: «نظامٌ يُدار بهذه الطريقة لن يُصحِّح نفسه من تلقاء ذاته: الإقصاء يصبح أمراً مألوفاً، والمساءلة تتحوّل إلى مجرّد امتثالٍ شكلي، وصحة الإنسان في الأزمات تغدو انتقائيةً وغير موثوقة، فيما تبقى احتياجاتٌ ضخمة خارج خطط الاستجابة».
وغزة نموذجٌ صارخ على ذلك؛ إذ أسفرت الغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة والعمليات البرية، على الرغم من وقف إطلاق النار في أكتوبر، عن أكثر من 172,000 جريحٍ فلسطيني. وأفادت الأمم المتحدة بأنّ ما لا يقلّ عن ثلثهم يعيشون مع إعاقاتٍ مُغيِّرة لمسار حياتهم. كما ارتقى قرابة 600 عاملٍ إنساني جرّاء النيران الإسرائيلية، ولا يعمل من أصل 36 مستشفىً في القطاع سوى 14 مستشفىً بصورةٍ جزئية.
وفي مجمل الحرب على غزة، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا 72,500 شخص، في حربٍ وصفتها الأمم المتحدة وعددٌ من الباحثين ومنظمات حقوق الإنسان بالإبادة الجماعية. وكان تقريرٌ لـ The Lancet صدر في يوليو 2024 قد رفع هذا الرقم إلى أكثر من 186,000 حالة وفاة.
وتربط إسرائيل بدعمٍ أمريكي موافقتها على دخول شاحنات المساعدات الإنسانية بمطالبها المتعلقة بنزع سلاح حماس الكامل.
وقال Spiegel : «أعتقد أنّ غزة كانت نقطة تحوّلٍ كبرى، حين قال الناس: يكفي».
وشدّد التقرير على أنّ تسييس المساعدات أفضى إلى منظومةٍ «جُرِّد فيها القانون الدولي من أي أثرٍ فعلي، وطُبِّقت المبادئ الإنسانية بانتقائية، وبات البقاء يُوزَّع بحسابٍ مقصود» منظومةٌ خلت من المبادئ و«لم تعد صالحةً للغرض».
وأكد Spiegel: «الفكرة هي إبعاد السياسة قدر الإمكان عن تمويل المساعدات الإنسانية، وإعادة تركيزها على الحاجة الفعلية».
إصلاحٌ جذري لا ترقيعٌ هامشي
يؤكد الباحثون أنّ توصيات التقرير «ليست قائمةً من الخيارات» بل «إطارٌ متكامل مُصمَّم للتطبيق والقياس والإنفاذ، مع الأخذ صراحةً بعين الاعتبار العوائق السياسية وتفاوت موازين القوى».
والتغيير المطلوب لا يمكن أن يكون تدريجياً بل يجب أن يكون إصلاحاً شاملاً بعيد المدى. يبدأ بنقل السلطة من صانعي القرار التقليديين في منظومة توزيع المساعدات إلى المجتمعات المحلية، حيث يصبح متلقّو المساعدات شركاءَ في صنع القرار.
و أوصى التقرير بأن تُبرّر المنظمات الدولية وجودها وأن تعمل وفق جداول زمنية واضحة للانسحاب، مع نقل الصلاحيات إلى القيادات المحلية.
وقال Spiegel : «ثمّة وكالاتٌ أممية كثيرة جداً في الاستجابة الإنسانية، تتصارع فيما بينها وتتنافس. لذا نقترح أن تكون هناك وكالةٌ أممية واحدة موحّدة للطوارئ الإنسانية، مُخفَّفة الهيكل، مخصّصةٌ للعمليات حصراً».
كما أوصى التقرير بإنشاء «تحالفٍ عالمي لحماية الصحة» يهدف إلى وقف الاعتداءات على البنية التحتية الصحية وإنهاء الإفلات من العقاب في هذا المجال، مع اعتماد مؤشراتٍ قابلة للقياس كالوفيات التي كان يمكن تفاديها واستمرارية الرعاية للتحقّق من الامتثال للقانون الدولي.
ودعا الباحثون أيضاً إلى إنشاء صندوقٍ إنساني مُجمَّع ومستقل على المستوى العالمي، بعيداً عن ضغوط المانحين السياسية، وإلى توسيع نطاق المساعدات النقدية المباشرة للسكان المتضرّرين، تجاوزاً لمنظومات التوزيع المعطوبة.
وخلص التقرير إلى أنّ الحق في الصحة يجب أن يكون المبدأ المحوري الذي يُوجِّه القرارات الإنسانية.
وختم Spiegel بالقول: «أعتقد أنّ أمامنا فرصةً نادرة، ربّما فرصةً لا تتكرّر إلا مرةً في الجيل، بسبب ما يجري جيوسياسياً وبسبب التراجع الهائل في التمويل. التغيير لن يأتي طوعاً، بل سيُفرض على الجميع. هدفنا هو محاولة رسم مسارٍ يجعل هذا التغيير تحوّلاً حقيقياً».
أخبار ذات صلة

الفنزويليون في أميركا يسارعون لإرسال مساعدات لضحايا الزلزال.. لكن مطار كاراكاس مغلق

أوير مابيل يفتخر بتمثيل أستراليا كلاعب لاجئ في كأس العالم

قوات حفتر تعترض قافلة مساعدات غزة في ليبيا
