وورلد برس عربي logo

اغتيال صحفي في حضرموت يفضح صراعات اليمن المعقدة

اغتيال مراسل Al Arabiya محمد عيدة في المكلا يسلط الضوء على تصاعد الاغتيالات السياسية في جنوب اليمن وسط اتهامات متبادلة بين الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي. تحقيقات جارية لكشف الجناة وأبعاد الحادثة في وورلد برس عربي.

محمد عيدة، مراسل قناة الحدث، يرتدي سترة واقية وعلامة "PRESS" أثناء تغطية ميدانية في حضرموت اليمنية.
محمد عيدة يقدم تقريراً أمام الكاميرا من اليمن (CPJ)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مساء الرابع والعشرين من يونيو، أشعل محمد عيدة، مراسل قناتَي Al Arabiya وAl Hadath، محرّك سيارته أمام منزل عائلته في مدينة المكلّا، عاصمة محافظة حضرموت شرقي اليمن. لم يكن قد أوصل أسرته إلى البيت إلا للتوّ، وكان في طريقه للقاء صديق، حين انفجرت عبوةٌ ناسفة كانت مزروعةً أسفل مقعد السائق. أشعل الانفجار النيران في السيارة على شارع ستّين، قرب المدرسة الباكستانية في وسط المدينة.

ارتقى عيدة، البالغ من العمر 40 عاماً، على الفور.

كانت السلطات الأمنية المحلية قد حذّرته قبل نحو شهر من أن حياته مهدّدة، وطالبته بأخذ هذه التحذيرات على محمل الجدّ. وكان يعمل مصوّراً ومراسلاً حرّاً لصالح Al Arabiya المملوكة للدولة السعودية منذ عام 2019، يغطّي الملفّات السياسية والأمنية والتنموية في شرق اليمن. وقد كسبت تقاريره عن احتجاجات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، وتوثيقه لممارسات ذلك المجلس، أعداءً له في أوساط متعدّدة.

حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تُعلن أيّ جهة من الفصائل اليمنية المتشظّية مسؤوليتها عن الاغتيال.

أدان مجلس القيادة الرئاسي المدعوم سعودياً والمتّخذ من عدن مقرّاً له الهجومَ، فيما أصدر سالم أحمد الخنبشي، محافظ حضرموت والقائد العسكري الذي قاد استعادة المنطقة من المجلس الانتقالي الجنوبي في مطلع يناير، أوامره بفتح تحقيق في الحادثة. كما وجّه رئيس الوزراء شايع محسن الزنداني وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية للكشف عن المسؤولين.

في المقابل، سارع المتحدّث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يعيش اليوم حالةً من الانقسام الداخلي في ظلّ حلٍّ مطعونٍ فيه إلى إلقاء المسؤولية على تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وجماعات مسلّحة أخرى.

غير أن هذا الاتّهام قوبل بتشكيكٍ واسع؛ إذ لا يتوافق إصدار التهديدات المسبقة مع أسلوب عمل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي يميل إلى العنف المفاجئ غير المُعلَن بدلاً من استهداف أفراد بعينهم بعد إنذارٍ مسبق. وقُرئ البيان أيضاً باعتباره انتهازاً سياسياً: فبنسب الجريمة إلى جماعات "إرهابية"، يُضمر المجلس الانتقالي الجنوبي حجّةً مفادها أن هذه الجماعات كانت مكبّلةً في عهده.

وقد دافع عضو في الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي، فضّل عدم الكشف عن هويّته، عن موقف المجلس رافضاً اتّهامه بالتورّط.

قال : "صحيحٌ أننا نعتبر المملكة العربية السعودية عدوّاً رئيسياً لأنها تضرّ بالجنوب، لكن هذا لا يعني أننا سنغتال أو نرحّب باغتيال صحفيٍّ مدني".

وأضاف: "نحن مشروع سلامٍ لا موتٍ. لو أردنا إثارة الفوضى، لاستهدفنا المسؤولين المدعومين سعودياً، لا صحفياً."

وحمّل المسؤوليةَ للمحافظ المدعوم سعودياً وحكومة عدن اللذَين "أخفقا في الحفاظ على الأمن"، مستشهداً بأنه "في ستّة أشهر فحسب، سمعنا بعمليات اغتيال عدّة في الجنوب: الإرهابيون لم يجرؤوا على إثارة الفوضى في عهد المجلس الانتقالي، أمّا اليوم فيتحرّكون بحرّية في الجنوب."

أما الحوثيون، الذين يسيطرون على صنعاء ويخوضون مواجهةً مع التحالف بقيادة سعودية منذ أكثر من عقد، فقد أدانوا الاغتيال عبر قناة Al Masirah دون تحديد المسؤول، مستغلّين الحادثة للتدليل على انعدام الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وقال إبراهيم جلال، المحلّل الأول المتخصّص في شؤون اليمن والخليج، إن كلاً من المجلس الانتقالي الجنوبي والحوثيين كانت لديهم دوافع للاستياء من تغطية عيدة.

وأضاف: "حين ننظر إلى المشهد ونفحص من قد يمتلك خلايا نائمة وقدرات تخريبية بنيّة زعزعة استقرار المناطق الحكومية، يبرز فاعلان رئيسيان: الحوثيون والمجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ بين قوسَين بشكلٍ متنازَع عليه."

اغتيالات متكرّرة

لا يقع اغتيال محمد عيدة في فراغ. فمنذ الهزيمة العسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي وحلّه المثير للجدل بين أواخر ديسمبر 2025 ومطلع يناير 2026، ارتفع منسوب الاغتيالات السياسية الموجَّهة في جنوب اليمن ارتفاعاً ملحوظاً.

في مايو، اختُطف وسام قايد، الرئيس التنفيذي لصندوق الرعاية الاجتماعية والتنمية، وقُتل في عدن.

وفي أبريل، اغتيل عبدالرحمن الشاعر، المربّي وعضو حزب الإصلاح البارز. وفي يناير، نجا اللواء السلفي حمدي شكري الذي يقود اليوم منطقةً عسكرية واسعة في الجنوب من محاولة اغتيال.

وأشار براء شيبان، المحلّل السياسي اليمني البارز، إلى أن قضية الشاعر شهدت اعتقال خليةٍ مرتبطة بوحدات مكافحة الإرهاب السابقة، وهي إحدى الوحدات الرئيسية التي عملت تحت مظلّة المجلس الانتقالي الجنوبي.

وقال: "بدأت النيابة العامة إجراءات توجيه الاتّهامات، لكن ذلك يستغرق وقتاً."

وكانت تحقيقات سابقة أجريت قد أثبتت وجود صلات مباشرة بين الجماعة المدعومة إماراتياً وسلسلة من الاغتيالات السابقة في عدن.

وقد استخلص المراقبون استنتاجاً محتملاً: أن الاغتيالات كانت نادرةً نسبياً في فترة هيمنة المجلس الانتقالي الجنوبي الإدارية، وأن تكاثرها الراهن قد يدلّ على أن شبكاتٍ موالية للمجلس باتت تُدير هذه العمليات أو تُيسّرها، كاشفةً عن طبيعتها الحقيقية بوصفها ميليشيا لم تعد تحوز أرضاً لكنها تحتفظ بنفوذٍ مسلّح.

وكما قال أحد المطّلعين على المناخ السياسي في عدن: "ليلة خسارة المملكة العربية السعودية مباراة كأس العالم أمام إسبانيا، كان عناصر المجلس الانتقالي يُطلقون الألعاب النارية في المحافظات الجنوبية. وحين وقع اغتيال عيدة، أدانوه علناً بينما ابتهجوا سرّاً، نظراً لتغطيته النقدية لاحتجاجات المجلس."

لم يعنِ حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي اختفاءه. فتشكيلاته الأمنية والعسكرية لم تُفكَّك بالكامل: أُعيد نشر بعض الوحدات، وجرى استيعاب أخرى شكلياً في هياكل قوّات الحرس الجمهوري.

وأوضح جلال: "جرى دمج بعض القوّات الأمنية في ترتيباتٍ محلية ووطنية، لكنها لا تزال تضمّ عناصر موالية للمجلس الانتقالي. لم تتغيّر قناعاتهم ولم تتغيّر نواياهم. ويبقى السؤال مطروحاً: إلى أيّ حدٍّ سيُدمجون فعلاً ويُبدون انتماءً حقيقياً لمؤسّسةٍ تضع حماية المواطن فوق كلّ اعتبار."

أما زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي في المنفى، عيدروس الزبيدي، فقد فرّ إلى أبوظبي في يناير، ومنها يواصل إصدار بياناته. ويرى المحلّلون أن الإمارات لا تعتبر هذا النكسة نهائية.

الاستثمار السعودي

يقع هذا الاغتيال في لحظةٍ بالغة الحساسية بالنسبة للمقاربة السعودية في اليمن. فقبل أسبوعَين فحسب من ارتقاء عيدة، وقّعت الرياض اتّفاقية بقيمة 150 مليون دولار لتوريد المشتقّات النفطية إلى محطّات الكهرباء في اليمن، في أحدث أقساط دعمٍ سعودي تجاوز إجماله 12.6 مليار دولار منذ عام 2012. وكانت المكلّا نفسها شهدت حفل توقيعٍ لمشروع محطّة كهرباء بقدرة 100 ميغاواط، نفّذته صفقةٌ ثلاثية بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن و وزارة الكهرباء اليمنية وشركة Gulf Power International.

وقد وصف الرئيس اليمني رشاد العليمي المساعدةَ الاقتصادية السعودية علناً بأنها الرابط الأساسي الذي يُبقي مؤسّسات الحكومة اليمنية متماسكة، داعياً اليمنيين إلى التحلّي بـ"مزيدٍ من الصبر" لرؤية ثمارها الكاملة.

بالنسبة لليمنيين على أرض الواقع، يبقى الوصول إلى الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه الأولويةَ القصوى، ويدعمون أيّ طرفٍ يوفّر لهم هذه الضروريات.

مراد علي، عاملٌ في البناء في الستّينيات من عمره من عدن، يتّجه بكلّ طاقته نحو توفير الغذاء والاحتياجات الأساسية لسبعة أفراد من عائلته، مع أملٍ بأن تُعينه الحكومة على الحصول على الكهرباء والمياه والرعاية الصحية.

وقال : "حكومتنا أخفقت في توفير الكهرباء والرعاية الصحية أو أيّ خدمة أساسية أخرى، والمملكة العربية السعودية هي التي تساعدنا منذ يناير 2026 على الوصول إلى الخدمات الأساسية."

لكنّ الصبر على أرض الواقع بدأ ينفد. في مطلع يونيو، مع ارتفاع درجات الحرارة واستمرار انقطاع الكهرباء، خرج مئات المدنيين في عدن إلى الشوارع أو بالأحرى إلى الأرصفة نائمين في العراء احتجاجاً على انقطاع التيار. و وصفت مصادر محلية هذه التظاهرات بأنها لا طابع سياسياً لها وأنها نابعةٌ من غضبٍ على تردّي البنية التحتية لا على إدارة مجلس القيادة الرئاسي، مشيرةً إلى أن عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي حاولوا ركوب موجة الاحتجاجات فأخفقوا إلى حدٍّ بعيد.

وقال علي: "حين نزلنا إلى الشارع، كنّا نناشد المملكة العربية السعودية لأننا نعلم أنها الدولة الوحيدة القادرة على المساعدة. شتمنا حكومتنا لأنها تستحق ذلك، لكننا لم نطالبها لأننا نعلم أنها عاجزة."

ورأى جلال أن الهوّة بين خطاب إعادة الإعمار وواقع الأمن الهشّ تُشكّل ثغرةً خطيرة، قائلاً: "حين ننظر إلى ملامح المستهدَفين صحفيٌّ، ورجلٌ دين، ومعلّمون، ورائدٌ في التنمية الاجتماعية، وقادةٌ عسكريون تتّضح صورةٌ تُشير إلى أن معظم الشخصيات المجتمعية، بصرف النظر عن مجالاتهم، تتعرّض لمحاولة إقصاءٍ ممنهجة."

وأضاف: "الهدف هو بثّ الرعب، وإثبات الفوضى، وتقويض الثقة بالحكومة وداعمتها المملكة العربية السعودية، وهزّ الصورة التي تستند إليها الحكومة اليوم لاستقطاب دعمٍ متزايد من مؤسّسات التنمية الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي."

الاستقرار والأمن

في خلفية كلّ هذا يقبع مسارٌ سياسي لم يكتمل بعد: فعقب الاستعادة العسكرية للأراضي الجنوبية، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى عقد مؤتمرٍ شامل للحوار الجنوبي تستضيفه المملكة العربية السعودية، دون أن يُحدَّد له موعدٌ حتى الآن.

وفي فبراير، اقتحم محتجّون موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي في عتق مبنىً حكومياً، فردّت قوّات الأمن بإطلاق النار ما أسفر عن ارتقاء 5 أشخاص وجرح 39.

رهان المملكة العربية السعودية هو أن تمويل البنية التحتية، وإطلاق مسارٍ سياسي جنوبي ذي مصداقية، وتوحيد القيادة العسكرية تحت مجلس القيادة الرئاسي، يمكن أن تُرسّخ موقعها قبل أن تستدعي الجبهة الشمالية الحوثية الاهتمامَ من جديد.

وأكّد جلال أن تحقيق الاستقرار يستلزم مقاربةً متعدّدة الأبعاد، قائلاً: "اقتصادياً، تحتاج الحكومة إلى ما هو أكثر من تمويل طارئ: تحتاج إلى تحسين تحصيل الإيرادات المحلية واستئناف صادرات النفط والغاز، المعطَّلة منذ عامَي 2015 و2022 على التوالي."

وأضاف: "أمنياً، التراجع عن عقدٍ من التشظّي يستغرق وقتاً، لكنه يستلزم أيضاً نهجاً أكثر مرونةً وفاعلية. يحتاج الكابينة الحكومية بكامل قيادتها إلى العودة إلى البلاد، والتواجد مع المواطنين، وإعادة بناء الثقة المؤسّسية، وتمهيد الطريق نحو التعافي."

إن اغتيال محمد عيدة سواءٌ ثبت في نهاية المطاف ارتباطه ببقايا المجلس الانتقالي الجنوبي أم لا يكشف كم لا يزال هشّاً في الأرض التي تُمسك بها المملكة العربية السعودية اليوم رسمياً.

وختم شيبان: "من استهدف محمداً أراد إسكاته، لكنه كان أيضاً تهديداً لكلّ الصحفيين الآخرين. في نهاية المطاف، لن يستطيعوا إسكات الجميع إذا تكلّم الجميع وظلّ الجميع فاعلين."

أخبار ذات صلة

Loading...
منظر واسع لسهل البقيعة في غور الأردن، يظهر الأراضي الزراعية والمزارع المتضررة من مشروع الجدار الإسرائيلي، مع تدهور المحاصيل بسبب نقص المياه.

جدار الفصل الإسرائيلي الجديد يشطر "سلة فلسطين الغذائية"

تجسد حياة خيرالله بني عودة في بلدة طمّون معاناة آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا أراضيهم بسبب مشاريع الاستيطان. هل سيتراجع الأمل في العودة؟ اكتشفوا المزيد عن تأثير هذه السياسات على الزراعة والمياه.
الشرق الأوسط
Loading...
صحفيان فلسطينيان في موقع تصوير، أحدهما يحمل ميكروفونًا والآخر يجهز كاميرا، في سياق تغطية الأحداث الجارية في غزة.

استشهاد مصور الجزيرة وسط غزة

في خضم الحرب على غزة، تتوالى المآسي مع ارتقاء الصحفي أحمد سمير وشاح، الذي يُظهر حجم الانتهاكات بحق الصحفيين. استمر في قراءة القصة المأساوية التي تكشف عن واقع مرير يتعرض له الإعلام في ظل النزاع.
الشرق الأوسط
Loading...
شخص يعمل على إعداد الخبز في سوق مزدحم في غزة، حيث تظهر خلفه أنقاض المباني المدمرة وأشخاص يتسوقون في ظروف صعبة.

حسابات مغلقة في غزة: الفلسطينيون يفقدون إمكانية الوصول للأموال الضرورية

في خضم الأزمات المتتالية، يجد الفلسطينيون في غزة أنفسهم أمام تحدٍ جديد، حيث أُغلقت حساباتهم المصرفية دون تفسير. كيف ستواجه الأسر هذه الأزمة المالية؟ تابعوا التفاصيل لتعرفوا المزيد عن معاناة المواطنين وحقوقهم.
الشرق الأوسط
Loading...
غرفة أخبار تضم صحفيين يعملون على أجهزة الكمبيوتر، مع التركيز على Kim Gamel التي تُظهر التزامها بالصحافة في بيئة صعبة.

كيم جاميل، مراسلة وكالة أسوشيتد برس السابقة في أوروبا والشرق الأوسط، تُوفّيت

في عالم الصحافة، تُخلّد الأسماء التي تروي قصص الإنسانية وسط الفوضى، مثل Kim Gamel التي غطت أحداثاً تاريخية مؤلمة. استكشفوا مسيرتها الملهمة وتأثيرها العميق على حياة الناس. تابعوا قصتها الآن!
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية