وورلد برس عربي logo

أحلام التعليم خلف القضبان وصمود الأمل الفلسطيني

ندى وعلا فتاتان فلسطينيتان في سجن الدامون الإسرائيلي تحرمن من التعليم بسبب اعتقالهما على خلفية منشورات على مواقع التواصل وسط تحديات المحاكم وتطلعات العودة للمدرسة وتحقيق الأحلام رغم القيد وورلد برس عربي.

عائلة فلسطينية تجلس في منزلها تحمل صورة ابنتهم المعتقلة ندى بني عودة، تعبيراً عن الحزن والحنين لعودة التعليم والحرية.
عائلة ندى بني عودة تحتفظ بمقتنيات ابنتهم المعتقلة (مجاهد نواهدة/الشرق الأوسط)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في الأسابيع التي يُتمّ فيها آلاف الطلاب الفلسطينيين امتحاناتهم الثانوية ويُطلّون على أبواب الجامعات، تقضي ندى بني عودة (17 عاماً) وعلا قطيشات (16 عاماً) هذه الأسابيع عينها خلف القضبان في سجن الدامون الإسرائيلي، بعيداً عن الفصول الدراسية والكتب والمستقبل الذي كانتا تُعدّانه بعناية.

كانت ندى مُقرَّراً لها أن تخوض امتحانات الثانوية العامة «التوجيهي» هذا العام، فيما كانت علا قد أنهت الصف الحادي عشر وتستعدّ لسنتها الأخيرة في المدرسة. غير أنّ الفتاتَين اللتَين تُعدّان من أصغر الأسيرات الفلسطينيات باتتا تواجهان جلسات محاكم متكرّرة إثر اعتقالهما في قضيتَين منفصلتَين تتعلّقان بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وتقول عائلتاهما إنّ الاعتقال أوقف مسيرتهما التعليمية وعلّق طموحاتهما الأكاديمية في الهواء.

ومع ذلك، فإنّ الأسئلة التي تُرسلها الفتاتان من داخل السجن إلى ذويهما ليست عن مجريات المحاكمة، بل عن المدرسة: عن الدرجات، وعن زميلات الفصل، وعمّا إذا كانت ثمّة فرصة للعودة إلى التعليم الذي اضطُرّتا إلى تركه قسراً.

«لم أتخيّل أنّهم جاؤوا لابنتي»

حين داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل العائلة في الضفة الغربية المحتلة قُبيل الفجر في 12 فبراير، قالت والدة ندى، غرام أبو عيشة، إنّها افترضت في البداية أنّ الجنود جاؤوا بحثاً عن زوجها.

وقالت : «لم أتخيّل قطّ أنّهم جاؤوا لابنتي. ثم سألوا: أين طالبة التوجيهي؟»

وبحسب روايتها، ارتدت ندى ملابسها بهدوء وسلّمت هاتفها حين طُلب منها ذلك، مؤكّدةً أنّ ليس لديها ما تخفيه. وبينما كان الجنود يُخرجونها إلى البرد، انهارت غرام باكيةً، إلا أنّ ابنتها هي التي حاولت تهدئتها.

«قالت لي: لماذا تبكين؟ حتى لو عدت بعد سنة أو سنتَين، سأعود وأحقّق أعلى الدرجات من أجلك.»

والصورة التي لا تُفارق غرام ليست لحظة الاعتقال ذاتها، بل الكلمات الأخيرة التي قالتها ابنتها قبل أن تختفي في قافلة العسكر.

«التفتت إليّ وطلبت منّي أن أعتني بأختها الصغيرة، ثم مضت.»

قبل اعتقالها، كانت حياة ندى تدور حول المدرسة. وصفتها والدتها بأنّها طالبة هادئة ومتفوّقة، تتصدّر باستمرار قائمة المتفوّقين في صفّها، وكانت تضع نصب عينيها التميّز في امتحانات التوجيهي.

وقالت غرام: «كانت تُخبر أخاها دائماً أنّها تريد أن تكون الأولى»، في إشارة إلى أخيها الأكبر وديع الذي استشهد على يد قوات الاحتلال في مايو 2025. «أرادت أن تُحقّق ما لم يستطع هو تحقيقه.»

وتؤكّد العائلة أنّ التعليم لا يزال يشغل تفكير ندى حتى من داخل السجن؛ إذ تواصل إرسال أسئلتها عن المدرسة والدرجات وإمكانية العودة إلى الدراسة بعد الإفراج عنها، عبر رسائل تُنقلها المحاميات والأسيرات المُفرَج عنهن.

«تقول لي: لا تبكي. ستعود وتُكمل دراستها وتجعلني فخورة بها.»

وبدلاً من الاستعداد للامتحانات النهائية مع زميلاتها، باتت ندى تقيس الوقت بجلسات المحاكم والرسائل التي تعبر عبر المحاميات والأسيرات المُفرَج عنهن. وتقول والدتها إنّ ابنتها تُصرّ على العودة إلى المدرسة رغم الغموض المحيط بقضيتها.

وخلّف الاعتقال فراغاً حقيقياً في حياة الأسرة. تقول غرام، من بلدة طمّون في محافظة طوباس بالضفة الغربية المحتلة، إنّها وابنتها كانتا تتشاركان كلّ شيء تقريباً، من أحاديث المساء الطويلة إلى جولات قصيرة بالسيارة في نهاية يومٍ مشغول.

«أفتقد كلّ شيء فيها. كنّا نتحدّث لساعات، ونضحك معاً، ونبكي معاً بعد مقتل أخيها.»

وكان آخر ما سمعته غرام من ابنتها: «لا تقلقي، أنا أخت وديع» قبل أن يحرمها الاحتلال منها.

«أريد فقط أن أحضنها مجدّداً»

ظلّت ندى لأشهر في سجن الدامون بينما تسير قضيتها ببطء في دهاليز المحاكم العسكرية. وتقول والدتها إنّ كلّ جلسة تقريباً انتهت بتأجيلٍ جديد.

وتُشير العائلة إلى أنّها، بوصفها من أصغر الأسيرات الفلسطينيات، احتُجزت في بعض الأحيان بمعزل عن بقية السجينات برفقة قاصرة محتجزة أخرى.

وفي الرسائل التي تمكّنت من إيصالها، تحدّثت عن المدرسة أكثر ممّا تحدّثت عن قضيتها القانونية، سائلةً إن كانت ستتمكّن من مواصلة تعليمها بعد الإفراج عنها.

وبحسب إحصاءات منظمة B'Tselem، كانت مصلحة السجون الإسرائيلية (IPS) تحتجز في نهاية ديسمبر 351 قاصراً فلسطينياً بتهمٍ وصفتها بـ«الأمنية»، فضلاً عن 106 قاصرين آخرين بتهمة التواجد غير النظامي في إسرائيل.

وتقول غرام إنّ ندى تحرص في كلّ رسالة على طمأنة عائلتها: «تقول لي دائماً: لا تبكي. ستعود وتُكمل دراستها وتجعلني فخورة بها.»

وإن أُتيحت لها فرصة الكلام مع ابنتها اليوم، فإنّ غرام تعرف ما ستقوله: «أنا فخورة بها. أريد فقط أن أحضنها مجدّداً.»

علا قطيشات: المدرسة وحلم الصحافة

قصّة ندى ليست استثناءً. فبعد أكثر من ثلاثة أشهر على اعتقالها، اقتيدت من البلدة ذاتها — طمّون — فتاةٌ فلسطينية أخرى في السادسة عشرة من عمرها، هي علا قطيشات، من منزل عائلتها في مداهمة عسكرية إسرائيلية قُبيل الفجر، في ظروفٍ شبيهة بشكلٍ لافت.

كانت علا نائمة حين وصل الجنود. في الساعات الأولى من فجر 24 مايو، اقتحمت قوات إسرائيلية مسلّحة بثقل منزل العائلة في طمّون، شمال شرق طوباس، مُوقِظةً أفراد الأسرة دون سابق إنذار.

وتروي أختها الكبرى أنّ الأسرة كانت قد نامت في ليلةٍ عادية، وأنّ علا أمضت مساءها تذاكر اللغة الإنجليزية استعداداً لامتحانٍ مدرسيٍّ وشيك.

«استيقظنا على الجنود واقفين فوق رؤوسنا. كانت علا تذاكر الإنجليزي قبل أن ننام. كانت ستُكمل المذاكرة في الصباح.»

فصل الجنود النساء عن الرجال، وأبقوا علا وأختها في غرفة منفصلة بينما فتّشوا المنزل. وبحسب العائلة، لم يُقدّم الجنود أيّ تفسير لسبب مجيئهم ولم يُبرزوا أمر اعتقال، بل اكتفوا باستجواب علا والتحقّق من هويّتها وتصويرها قبل أن يأمروا الأسرة بالابتعاد.

بعد لحظاتٍ، كبّلوا يدَي الفتاة ذات الستة عشر عاماً وعصبوا عينيها أمام عائلتها. وحاول والدها التدخّل مُخبِراً الجنود بأنّه خضع مؤخّراً لعملية جراحية، غير أنّ العائلة تقول إنّه دُفع بعيداً بينما كانت علا تتوسّل إليهم ألّا يؤذوه.

«اندفع والدي نحوهم سائلاً: ماذا تفعلون؟ لماذا تُكبّلونها؟ غطّوا عينيها ونحن جميعاً في حالة صدمة. إنّها مجرّد طفلة.»

وتقول أختها إنّها تشبّثت بها محاوِلةً منعهم من أخذها: «كنت أُكرّر عليهم: عمرها 16 سنة فقط، لماذا تأخذونها؟ لم تكن تحمل شيئاً. لم تكن تُشكّل أيّ خطر. كانت تفكّر فقط في امتحان الإنجليزي.»

وبعد إخراجها من المنزل، واصل الجنود استجوابها وطالبوا بهاتفها المحمول، محذّرين — وفق العائلة — من أنّهم سيُلحقون الضرر بالمنزل إن لم يُسلَّم الهاتف. ثم غادروا حاملين الفتاة، دون أن يُوضّحوا للعائلة التهم الموجّهة إليها.

قضبان بلا أحكام

ظلّت علا في سجن الدامون بينما تتقدّم قضيتها بخطى بطيئة. وقال والدها إنّها مثلت أمام المحكمة مرّاتٍ عدّة، وانتهت كلّ جلسة بتأجيلٍ جديد. والتهمة الموجّهة إليها هي «التحريض»، غير أنّه لم يصدر بحقّها أيّ حكم حتى الآن. وأفاد والدها بأنّ قاضي المحكمة العسكرية نفسه استفسر من المدّعين العامّين عن سبب التأخّر في إعداد القضية.

«يُؤجّلون الجلسات باستمرار. سأل القاضي: لماذا أحضرتم هذه الفتاة؟ لماذا القضية غير جاهزة؟»

وكما هو حال ندى، تُحتجز علا بمعزل عن بقية الأسيرات الفلسطينيات. وبحسب العائلتَين، تُحتجز الفتاتان القاصرتان معاً في جناحٍ منفصل من سجن الدامون بعيداً عن المعتقلات البالغات، ويُسمح لهما بالخروج في أوقاتٍ مستقلّة عن بقيّة السجينات.

كانت علا تحلم بأن تصبح صحفيةً، مؤمنةً بأنّ الصحافة تُعطي صوتاً لمن لا يُسمعون وتُعرّف العالم بحقيقة الاحتلال. لكن قبل أن تتمكّن من تحقيق هذا الحلم، أسكت الاحتلال صوتها.

«قبرٌ حيٌّ» خلف الأسوار

يصف المحامي حسن عبادي سجن الدامون بأنّه بات قبراً حيّاً للأسيرات، ولا سيّما منذ 7 أكتوبر 2023. ويرسم صورةً قاتمة لأوضاع الاحتجاز: زنازين خاليةٌ من التهوية، وطعامٌ رديء الجودة، وأمراضٌ لا تُعالَج، وانعدامٌ للملابس الاحتياطية ومستلزمات النظافة، إضافةً إلى خضوع الأسيرات للتفتيش المُهين.

ويُشير عبادي إلى اكتظاظٍ حادّ في السجن، إذ تُحشر ثماني أسيرات في زنزانةٍ لا تتّسع إلا لأربعة أسرّة، ممّا يضطرّ أربعاً منهنّ إلى النوم على الأرض. بيد أنّ وضع ندى وعلا أشدّ قسوةً من ذلك؛ فبوصفهما قاصرتَين، تُحتجزان منفردتَين في زنزانةٍ منفصلة في عزلةٍ تامّة وتحت مراقبةٍ مستمرّة دون أيّ قدرٍ من الخصوصية. وبحسب ما أُفيد، لا يتوفّر لهما حتى الفوط الصحّية خلال دوراتهما الشهرية.

وقال عبادي: «ما يجري في سجن الدامون ليس مجرّد انتهاكاتٍ متفرّقة، بل هو منظومةٌ ممنهجة من القمع والتجويع والإذلال، تستهدف تحطيم المرأة الفلسطينية جسدياً ونفسياً».

وأضاف: «مع كلّ شهادةٍ جديدة، يتّضح أكثر أنّ السجن لم يعد مجرّد مكانٍ للاحتجاز، بل أداةٌ للموت البطيء يُنفَّذ بدمٍ بارد. ورغم كلّ هذا المعاناة، تواصل الأسيرات مقاومتهنّ، متمسّكاتٍ بالقرآن وحكاياتهنّ وذكرياتهنّ درعاً أخيراً يحمي إنسانيتهنّ».

أخبار ذات صلة

Loading...
نساء فلسطينيات يحملن لافتات احتجاجية ضد منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

إسرائيل تمنع وصول الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين رغم حكم قضائي

فرضت إسرائيل قيوداً مشددة تمنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة المعتقلين الفلسطينيين رغم حكم المحكمة العليا، مما يثير تساؤلات حول حقوق الإنسان. اكتشف المزيد عن التطورات وتأثيرها.
حقوق الإنسان
Loading...
مارياانو راخوي، رئيس وزراء إسبانيا الأسبق، أمام أعلام إسبانيا والاتحاد الأوروبي، وسط جدل حول تصريحاته العنصرية ضد منتخب فرنسا لكرة القدم.

قيادي إسباني سابق يواجه انتقادات لتصريحاته حول فريق فرنسا بكأس العالم

تصريحات مارينو راخوي عن منتخب فرنسا أثارت جدلاً واسعاً واتهامات بالعنصرية بين فرنسا وإسبانيا. اكتشف التفاصيل المثيرة وردود الفعل الرسمية في هذا الصراع الكروي السياسي. تابع القراءة الآن!
حقوق الإنسان
Loading...
رجل يبكي وسط تجمع صحفي في هيوستن أثناء تنديد بمقتل لورنزو سالغادو أراوخو على يد عناصر الهجرة الأمريكية.

إطلاق النار على رجل من هيوستن: ما تحتاج معرفته عن الحادثة

مقتل لورنزو سالغادو أراوخو في هيوستن يثير غضباً واسعاً ويكشف عن أزمة تطبيق قوانين الهجرة الأمريكية. تعرف على تفاصيل الحادثة وتأثيرها على المجتمع اللاتيني. تابع القصة كاملة الآن!
حقوق الإنسان
Loading...
شعار شركة قطارات لندن الشمالية الشرقية LNER على خلفية حمراء مع رجل يمشي أمامه، في سياق حظر ارتداء شارات التضامن مع فلسطين للموظفين.

شركة قطارات بريطانية تُزيل شارة فلسطين بضغطٍ من منظمة قانونية موالية لإسرائيل

تثير شركة قطارات بريطانية جدلاً واسعاً بعد منع موظفيها من ارتداء شارات التضامن مع فلسطين خلال العمل، وسط اتهامات بالتمييز السياسي وحماية حقوق الركاب. اكتشف التفاصيل الكاملة وتأثير القرار على بيئات العمل البريطانية الآن.
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية