ثورة الأوبتوجينتكس في فهم الدماغ وعلاج العمى
اكتشف كيف غيرت تقنية الأوبتوجينتكس علاج العمى وفهم الدماغ عبر استخدام قنوات رودوبسين ضوئية مستمدة من طحالب بسيطة لتفعيل الخلايا العصبية بالضوء. قراءة تكشف قصة هذا الإنجاز العلمي في وورلد برس عربي.

في مستشفى ضمن تجربة سريرية حديثة، استعاد مريضٌ مصابٌ بشكلٍ من أشكال العمى الناتج عن موت الخلايا العصوية والمخروطية في الشبكية، قدرةً محدودة على استشعار الضوء، بفضل بروتينات تُدعى "قنوات الرودوبسين الضوئية" (Channelrhodopsins). هذه الواقعة الصغيرة، التي قد تبدو تفصيلاً هامشياً في نشرة طبية، هي في الواقع أحد أبرز التطبيقات العلاجية لتقنيةٍ غيّرت وجه علم الأعصاب خلال العقدين الماضيين: الأوبتوجينتكس (Optogenetics). ولهذا السبب بالتحديد، منحت لجنة جائزة نوبل جائزة الفيزيولوجيا أو الطب لثلاثة باحثين: كارل ديسيروث (Karl Deisseroth)، وبيتر هيغمان (Peter Hegemann)، وجورج ناغل (Georg Nagel)، تقديراً لإسهاماتهم في تطوير هذه التقنية التي تستخدم الضوء للتحكّم في سلوك الخلايا العصبية.
كيف كان العلماء يدرسون الدماغ قبل الأوبتوجينتكس؟
لعقود، حاول الباحثون بناء صورة ولو جزئية عن وظائف خلايا متخصّصة في الدماغ والنخاع الشوكي، عبر ربط جينات معيّنة بمجموعات محدّدة من الخلايا العصبية ومواقعها. إحدى الطرق الشائعة كانت حذف هذه الخلايا جينياً لرصد ما يتغيّر في غيابها، إلا أنّ هذا النهج يحمل عيباً منهجياً: فقدان الخلايا قد يدفع الدماغ إلى التكيّف، كما أنّ فقدان الخلايا العصبية في مرحلة مبكرة قد يُخلّ بنمو خلايا أخرى كان من المفترض أن تتّصل بها لاحقاً. الحلّ الأمثل كان العثور على طريقة لتفعيل الخلايا أو إيقافها مؤقّتاً داخل دماغٍ سليم، لا حذفها نهائياً، وهو ما يمنح الباحث معلومات أدقّ عن وظيفتها الفعلية.
كانت هناك محاولات سابقة لهذا الغرض، لكنّها لم تنتشر لأنّها تطلّبت أحياناً جينات متعدّدة أو موادّ كيميائية معقّدة، أو شدّة ليزر قد تُتلف الخلايا نفسها. والأساس البيولوجي لأيّ محاولة من هذا النوع يرتبط بقنوات أيونية موجودة في أغشية الخلايا العصبية، تسمح لذرّات مشحونة بالعبور عبر الغشاء فتولّد النبضات العصبية. بعض هذه القنوات لا تنشط إلا في ظروف محدّدة، كاستشعار ناقل عصبي معيّن أو تغيّر في الجهد الكهربائي. والمطلوب كان قناة تستجيب للضوء بدلاً من ذلك.
من طحلبٍ في بركة ماء إلى بروتين يُشعل الخلايا العصبية
الإجابة جاءت من مكانٍ غير متوقّع: طحلب أحادي الخلية يُدعى الكلاميدوموناس (Chlamydomonas)، له سوطان ونقطة عينٍ بدائية تستشعر الضوء. في جامعة هومبولت ببرلين، استخدم بيتر هيغمان وزملاؤه قطباً كهربائياً لدراسة هذا الكائن، وسجّلوا أنّ ومضة ضوء واحدة تُحدث تدفّقاً سريعاً للأيونات داخله. هذا السؤال البسيط ظاهرياً كيف تتحرّك "هذه البقعة من طحلب البركة" لتضمن حصولها على ضوء كافٍ لعملية التمثيل الضوئي؟ قاد إلى اكتشافٍ محوري.
حدّد هيغمان جينين في الكلاميدوموناس يُشبهان مضخّة أيونية مفعّلة بالضوء موجودة في نوعٍ من البكتيريا القديمة (Archaea). وباستخدام تقنية التداخل بالحمض النووي الريبوزي (RNA interference) لتعطيل هذين الجينين، تبيّن أنّهما مسؤولان عن تدفّق الأيونات المحفّز بالضوء. تعاون هيغمان بعدها مع جورج ناغل، الذي كان آنذاك في جامعة فورتسبورغ وخبيراً في حركة الأيونات، فتوصّلا إلى أنّ أحد الجينين يسمح بدخول البروتونات، بينما يسمح الآخر بمجموعة أوسع من الأيونات الموجبة، وأنّ البروتينين يستجيبان لأطوال موجية ضوئية مختلفة بعض الشيء. سُمّيت هذه البروتينات لاحقاً "قنوات الرودوبسين الضوئية"، وهي تعتمد في استشعارها للضوء على مادّة كيميائية قريبة من فيتامين أ، تماماً كما تفعل مستقبِلات الضوء في العين البشرية.
أثبت ناغل بعد ذلك أنّ جينات قنوات الرودوبسين الضوئية تعمل في أجنّة ضفادع نامية وفي خلايا بشرية مزروعة، كما أظهر أنّ التعرّض للضوء يمكن أن يغيّر سلوك الخلايا العصبية لدى دودة صغيرة تُستخدم كثيراً في المختبرات تُدعى C. elegans. أما كارل ديسيروث وفريقه في جامعة ستانفورد، فقد أثبتوا أنّ هذه القنوات تعمل فعلاً في الخلايا العصبية وتُطلق نبضات عصبية حقيقية، ثم اكتشف فريقه قنوات رودوبسين إضافية حسّاسة لأطوال موجية مختلفة، من بينها قناة تسمح بدخول أيونات الكلور السالبة الشحنة، ما مكّن الباحثين لأوّل مرّة من إيقاف خلايا عصبية مستهدفة بانتقائية، لا فقط تفعيلها. كما طوّر فريق ديسيروث مصادر ضوء مدمجة وألياف بصرية صغيرة ومرنة، أتاحت إجراء تجارب على حيوانات تتحرّك بحرّية وتتصرّف بشكلٍ طبيعي نسبياً أثناء الدراسة.
ماذا أضافت هذه التقنية لفهمنا للدماغ؟
بفضل هذه الأدوات، أصبح بإمكان الباحثين استخدام نسخة فأرية من جينٍ نشط لتفعيل قناة رودوبسين ضوئية في مجموعة صغيرة جداً من الخلايا العصبية، ثم ملاحظة كيف ينعكس هذا التفعيل على سلوك الفأر. استشهدت اللجنة النوبلية بأبحاثٍ استخدمت الأوبتوجينتكس لدراسة تخزين الذاكرة والإشارات التي توقظ الفئران، إضافة إلى أبحاث حدّدت خلايا متخصّصة في منطقة دماغية ضرورية للرعاية الأمومية خلايا قادرة على دفع الأمّهات للبحث عن صغارهنّ أو التحكّم في طريقة التفاعل الجسدي معهم. وتبقى استعادة إحساس ضوئي محدود لدى مريضٍ مصاب بالعمى أحد أبرز الأمثلة على انتقال هذه التقنية من المختبر إلى التطبيق السريري.
من المهم الإشارة إلى أنّ الفائزين الثلاثة قدّموا إسهامات تأسيسية حاسمة في تطوير الأداة نفسها، لكنّ مساهمتهم المباشرة في استخدامها على نطاق واسع كانت محدودة نسبياً؛ فمعظم الدراسات التي اعتمدت الأوبتوجينتكس لاحقاً أجراها باحثون آخرون طوّروا الطريقة ووسّعوا تطبيقاتها.
لماذا يحمل توقيت الجائزة دلالةً إضافية؟
وُصف منح الجائزة هذا العام بأنّه جاء في توقيتٍ له دلالته بالنسبة للولايات المتحدة، في ظلّ تراجعٍ في تمويل الأبحاث الأساسية بقرارٍ من الإدارة الأمريكية، وتحوّلٍ في أولويات التمويل نحو مجالات تطبيقية مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية. وهذا بالضبط ما يجعل قصة الأوبتوجينتكس مفيدة كدرسٍ في سياسات البحث العلمي: فالتقنية التي أنقذت اليوم ولو جزءاً من بصر مريض، وفتحت نافذة لفهم آليات الذاكرة والسلوك في الدماغ، بدأت كسؤالٍ يبدو تافهاً عن طحلبٍ أحادي الخلية يبحث عن الضوء في بركة ماء. وهذا النمط ليس استثناءً؛ فأبحاثٌ بدت ثانوية حين انطلقت قد غيّرت مراراً مسارات علمية بأكملها، وتركت أثراً مباشراً على الصحة البشرية والتكنولوجيا لاحقاً.
السؤال الذي يطرحه هذا السياق على صانعي السياسات العلمية، في المنطقة العربية كما في غيرها، ليس عن جدوى الأبحاث التطبيقية في الذكاء الاصطناعي أو الحوسبة الكمّية، بل عن الثمن الذي قد يُدفع لاحقاً إذا جفّت منابع التمويل التي تُغذّي أسئلة "تافهة" في ظاهرها، لكنّها غالباً ما تكون البذرة الأولى لاكتشافات لا يمكن التخطيط لها مسبقاً.
أخبار ذات صلة

الحجر الصحي الجماعي صدر في روسيا بعد وفاة باحثة طبية دون تفسير

سُدس الأورام السرطانية مرتبطة بالعدوى: لماذا التلقيح ضروري

الحصبة تودي بحياة شخص خامس لم يتلقَّ اللقاح؛ مراكز السيطرة الأمريكية لا تحسب جميع الوفيات
