وورلد برس عربي logo

هل الذكاء الاصطناعي يتحدى الخبراء في الصحة العامة

وزير الصحة الأمريكي يراهن على الذكاء الاصطناعي كبديل للخبراء الطبيين لكن روبوتات المحادثة تؤكد دعمها للإجماع العلمي حول الكمامات والتباعد واللقاحات. هل الذكاء الاصطناعي حقاً أكثر اطلاعاً؟ اكتشف التفاصيل على وورلد برس عربي.

رجل مسن يرتدي بدلة رسمية يتحدث أمام ميكروفون في فعالية رسمية، مع إضاءة خافتة وخلفية مظلمة.
روبرت ف. كينيدي جونيور، وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي. الصورة من جيتي | كينت نيشيورا
التصنيف:صحة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين سُئل «Google Gemini» بشكل مباشر: "هل تساعد الكمامات في منع انتشار الأمراض المعدية؟"، جاءت الإجابة حاسمة: "نعم، الكمامات تعمل على الحدّ من انتشار الأمراض التنفسية المعدية، بصفتها حاجزاً فيزيائياً أمام الجزيئات المعدية الصادرة والواردة"، مع تحفّظ علمي معتاد حول أنّ "فعاليتها الواقعية تعتمد بشكل كبير على جودة الكمامة، وملاءمتها، ومدى الالتزام بها على مستوى السكان". وحين طُرح السؤال نفسه على «ChatGPT»، جاء الجواب متطابقاً في الجوهر: "نعم، يمكن للكمامات أن تقلّل من انتشار بعض الأمراض المعدية، خصوصاً العدوى التنفسية المنقولة عبر الرذاذ والهباء الجوي". هذه الإجابات، التي تتطابق مع توصيات الخبراء الصحيين، تأتي في توقيتٍ لافت: بعد أيام قليلة من تصريحات وزير الصحة الأمريكي روبرت ف. كينيدي، الذي راهن علناً على أنّ الذكاء الاصطناعي سيناقض هؤلاء الخبراء أنفسهم.

ماذا قال كينيدي عن الذكاء الاصطناعي؟

في حوارٍ عبر (fireside chat) يوم الثلاثاء ضمن فعالية «اجعل أمريكا صحية مجدداً» (Make America Healthy Again – MAHA)، فاجأ كينيدي نائب الرئيس جي دي فانس بتحويل النقاش نحو الذكاء الاصطناعي، بعدما كان الأخير يتوقّع حديثاً عن "فقدان الوزن والحموضة، لا الذكاء الاصطناعي" بحسب تعبيره الحرفي. أعلن كينيدي أنّ إدارة ترامب تعمل على "تسهيل استخدام الذكاء الاصطناعي على كل أمريكي"، واصفاً إياه بأنه أداة قد تُحرّر الناس مما أسماه "الاستبداد الطبي" الذي يمارسه الأطباء والخبراء الصحيون. ودعا الوزير الأمريكيين إلى طلب "رأي ثانٍ" من الذكاء الاصطناعي بشأن التوصيات الطبية، مدعيا أنه "أكثر اطّلاعاً من أي طبيب في البلاد".

الأهمّ من ذلك أنّ كينيدي، الذي لا يحمل أي خلفية طبية أو علمية أو في الصحة العامة، بدا وكأنه يستبق النتيجة حين قال: "لن نُخضَع بعد الآن لمسؤولين عموميين يطلبون منّا الثقة بالخبراء، لأنّ كل أمريكي سيكون قادراً على التحقّق من نصيحته الطبية بنفسه". ثم حدّد بدقة السيناريو الذي يتوقّعه: "إن قال لك أحدهم إنّ الكمامات تعمل، ثِق بالخبراء، فقد يخبرك الذكاء الاصطناعي بعكس ذلك. وإن قيل لك إنّ التباعد الاجتماعي فعّال، ثِق بالخبراء، فقد يصحّح الذكاء الاصطناعي ذلك. وإذا قيل لك إنّ لقاحاً ما يمنع انتقال العدوى ويجب أن تأخذه حمايةً لجدّتك فقد يقول الذكاء الاصطناعي إنه لا يفعل ذلك فعلاً".

المشكلة أنّ هذا الرهان لم يصمد أمام الاختبار الفعلي. فحين سُئل «Gemini» عن التباعد الاجتماعي، أجاب بأنه "إجراء صحي عمومي فعّال للحدّ من انتقال الأمراض المعدية، خصوصاً مسبّبات الأمراض التنفسية"، وجاء جواب «ChatGPT» المباشر: "نعم". أما بخصوص اللقاحات ومنع انتقال العدوى، وهي النقطة الأكثر حساسية في خطاب كينيدي المعروف بمواقفه المشكّكة في اللقاحات، فقد أكّد «ChatGPT» أنّ "اللقاحات يمكن أن تمنع العدوى والانتقال معاً، لكن درجة الحماية تختلف باختلاف اللقاح والمرض"، بينما ذهب «Gemini» إلى نتيجة مشابهة: "يمكن للقاحات أن تمنع العدوى والانتقال، لكنّ فعاليتها في ذلك تعتمد على اللقاح ومسبّب المرض المحدّد". بعبارة أخرى، لم تُقدّم روبوتات المحادثة أي دعم لفرضية أنّ الذكاء الاصطناعي سيناقض الإجماع العلمي، ولا لادعاء كينيدي بأنه "أكثر اطّلاعاً" من الأطباء.

هذه الفجوة بين الخطاب السياسي والاختبار التطبيقي ليست تفصيلاً عابراً. فبيانات مرتبطة بمجلة «BMJ Open» تشير إلى أنّ الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يحلّ محلّ الحكم السريري للأطباء المتخصّصين، بل إنّ استخدامه دون إشراف مناسب في التوجيه الصحي قد يكون خطِراً. وتجدر الإشارة إلى أنّ كينيدي نفسه أقرّ بأنّ للذكاء الاصطناعي "بعض السلبيات"، مستشهداً بتصريح الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، سام ألتمان، الذي قال إنه "سيكون من قبيل الإهمال الطبي أن يضع طبيبٌ تشخيصاً أو يصف دواءً دون التحقّق من الذكاء الاصطناعي على الأقل" وهو تصريح يفترض إشرافاً طبياً على الأداة، لا استبدالاً للطبيب بها، وهو بالضبط ما يتعارض مع الرسالة التي حاول كينيدي إيصالها لجمهوره.

من الذي موّل المنصّة التي وقف عليها كينيدي؟

الجدل لم يقتصر على مضمون الخطاب، بل امتدّ إلى الإطار الذي قِيل فيه. فقد استضاف فندق «والدورف أستوريا» في واشنطن فعالية القمة، التي ضمّت بين رعاتها شركتَي الذكاء الاصطناعي OpenAI وAnthropic، إلى جانب متجر Walmart وشركة الفحوصات السرطانية Grail التي لفتت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أنّ لديها طلباً معلّقاً أمام إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) للحصول على موافقة على فحص دم للكشف عن السرطان. وبحسب تقرير لموقع Bloomberg Law، وصلت باقات رعاية القمة إلى 300,000 دولار، شملت مقعداً مضموناً للمتحدّثين، وإمكانية التأثير في تشكيلة الجلسات الحوارية، وعشاءً خاصاً مع كينيدي ومع مهمت أوز، رئيس مراكز خدمات الميديكير والميديكيد (CMS). وضمّ جدول أعمال القمة أيضاً مسؤولين تنفيذيين من شركتَي التأمين الصحي الكبيرتين UnitedHealth وElevance، إلى جانب شركات أدوية، وجلسة عن المواد النفسية (psychedelics)، ومسؤول تنفيذي من شركة الرعاية الصحية عن بُعد Hims & Hers.

هذا المشهد دفع شخصياتٍ داخل حركة MAHA نفسها إلى الشعور بالخيانة. فقد كتب روبرت مالون، العالِم والحليف السابق لكينيدي، في رسالته الإخبارية أنّ "الطابع المُتشابك لـMAHA بات يصعب تجاهله، وتضارب المصالح يتضاعف يوماً بعد يوم"، مضيفاً أنّ الحركة "كان من المفترض أن تفضح الباب الدوّار بين المال والصناعة والحكومة، لا أن تبني بابها الدوّار الخاص". والمفارقة أنّ MAHA تأسّست أصلاً على خطاب الريبة من شركات الأدوية والدعوة إلى أنماط حياة صحية مستقلّة عن مصالح الصناعة، ما يجعل رعاية شركات التأمين وشركات الفحص الجينية والرعاية الرقمية لهذه القمة تناقضاً صريحاً مع شعارها التأسيسي.

القضية إذن لا تنحصر في دقّة إجابات روبوتات المحادثة، بل في السؤال الأوسع: من يحدّد ما هو "إجماع طبي" حين يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أداة سياسية لتبرير مواقف مسبقة؟ التجربة الأمريكية هذه تطرح سؤالاً يتجاوز حدودها: في أي نظام صحي، سواء كان مموَّلاً من القطاع العام أو مبنياً على تغطية تأمينية جزئية، يبقى الفارق بين نصيحةٍ سريرية مبنية على دليل علمي متراكم وإجابة آلية عامة فارقاً جوهرياً لا يجوز طمسه تحت شعار "تحرير المريض من الخبراء".

أخبار ذات صلة

Loading...
طحالب كلاميدوموناس أحادية الخلية الخضراء التي تحتوي على قنوات رودوبسين ضوئية حساسة للضوء، أساس تقنية الأوبتوجينتكس في دراسة الدماغ.

التحكم في الدماغ بالضوء يكسب جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء

اكتشف كيف غيرت تقنية الأوبتوجينتكس مستقبل علاج العمى وفهم الدماغ من خلال التحكم الضوئي بالخلايا العصبية. اغمر نفسك في رحلة علمية مبتكرة واكتشف المزيد الآن!
صحة
Loading...
باحثة في مختبر طبي محمي ترتدي معدات وقاية كاملة وتتعامل مع عينات في سياق دراسة الأمراض المعدية والطاعون في سيبيريا.

الحجر الصحي الجماعي صدر في روسيا بعد وفاة باحثة طبية دون تفسير

حادثة وفاة الباحثة داريا شيبيلوفا في سيبيريا تثير جدلاً حول سبب الوفاة بين الطاعون وذات الرئة. تعرف على تفاصيل الحادثة والإجراءات الوقائية المشددة. تابع المزيد لتفهم تداعيات هذه الأزمة الصحية الغامضة.
صحة
Loading...
حقن لقاح التهاب الكبد B في الذراع كإجراء وقائي للحد من سرطانات المرتبطة بالعدوى الفيروسية.

سُدس الأورام السرطانية مرتبطة بالعدوى: لماذا التلقيح ضروري

تُظهر دراسة جديدة أن 12% من حالات السرطان في 2024 ناجمة عن عدوى يمكن الوقاية منها بلقاحات مثل HPV والتهاب الكبد. اكتشف كيف تحمي نفسك وعائلتك من خطر السرطان اليوم. اقرأ المزيد الآن!
صحة
Loading...
مبنى يعرض شعار "مقر الحصبة" مع لافتة جانبية تحمل شعار "اجعل أمريكا صحية مرة أخرى" في سياق تفشي الحصبة في بنسلفانيا.

الحصبة تودي بحياة شخص خامس لم يتلقَّ اللقاح؛ مراكز السيطرة الأمريكية لا تحسب جميع الوفيات

تفشّي الحصبة في بنسلفانيا يهدد الصحة العامة بعد تسجيل خمس وفيات لأول مرة منذ 35 عاماً، وسط ارتفاع الإصابات وتراجع معدلات التلقيح. تعرّف على أسباب الأزمة وأهمية لقاح MMR كخط الدفاع الأول لحماية عائلتك. اقرأ المزيد الآن.
صحة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية