روزاليند فرانكلين وصورة الحمض النووي التي غيرت التاريخ
دراسة جديدة تكشف أن روزاليند فرانكلين كانت مدركة تماماً لأهمية صورة الحمض النووي الشهيرة التي التقطتها ووضعتها كعرض علمي محكم وليس اكتشافاً عابراً مما يعيد كتابة تاريخ اكتشاف اللولب المزدوج في وورلد برس عربي.

- تُعيد دراسة أرشيفية جديدة فتح ملفٍ ظلّ يُقدَّم للأجيال المتعاقبة بصيغةٍ واحدة: أنّ Rosalind Franklin التقطت صورةً استثنائية لجزيء الحمض النووي من دون أن تدرك ما بين يديها، فيما تنبّه زملاؤها إلى قيمتها العلمية وبَنوا عليها نموذجاً استحقّوا عنه جائزة نوبل. البحث، الذي نُشر يوم الاثنين الموافق 5 أكتوبر في مجلة تاريخ علم الأحياء (Journal of the History of Biology)، يقلب هذه الرواية رأساً على عقب، مستنداً إلى وثائق ومذكرات مخبرية تُظهر أنّ Franklin كانت واعيةً تماماً بأهمية ما صوّرته، وأنها صمّمت إحدى أشهر صور العلم في القرن العشرين "الصورة 51" بوصفها عرضاً علمياً منقّحاً مخصّصاً للنشر، لا اكتشافاً عابراً لم تستوعب دلالته.
هذه النتيجة ليست تفصيلاً أكاديمياً هامشياً. فالصورة التي التقطتها Franklin باستخدام تقنيات حيود الأشعة السينية (X-ray crystallography) كانت من بين الأدلة التي استند إليها Francis Crick وJames Watson وMaurice Wilkins في بناء نموذج اللولب المزدوج للحمض النووي، وهو الإنجاز الذي نالوا عنه جائزة نوبل في الطب عام 1962. أما Franklin، التي توفيت عام 1958 إثر إصابتها بسرطان المبيض، فلم تكن مؤهّلة لنيل الجائزة أصلاً، إذ لا تُمنح نوبل بعد الوفاة. وبذلك بقيت قصّتها لعقود رهينة رواياتٍ كتبها آخرون.
كيف قادت الصورة 49 إلى الصورة 51؟
يوضح الباحثان Alistair Sponsel، المؤرخ العلمي في معهد تاريخ العلوم (Science History Institute) بفيلادلفيا، وBrian Sutton، الباحث في الفيزياء الحيوية الجزيئية من كينغز كوليدج لندن (King's College London)، أنّ المفتاح لفهم الصورة 51 يكمن في سابقتها المباشرة: الصورة 49. فبحسب الدراسة، بدأت Franklin التقاط الصورة 51 في اليوم ذاته الذي رأت فيه الصورة 49، وكانت هذه الأخيرة صورةً تجريبية سجّلت في ملاحظاتها احتمال وجود شكلٍ حلزوني وبياناتٍ بنيوية غنية. أما الصورة 51، فكانت تعرّضاً جديداً للعيّنة نفسها التي صوّرتها سابقاً، لكنها أرادتها، على حدّ تعبير Sponsel، "نسخةً مصقولة حقاً" من المعطيات التي رصدتها.
يُفسّر Sponsel هذا التمييز بقوله: "في ذهن Franklin، كانت الصورتان نوعين مختلفين من الصور العلمية" الأولى تجريبية تكشف البيانات، والثانية عرضٌ تقديمي أكثر وضوحاً مخصّص للتواصل مع المجتمع العلمي. ويضيف الباحث أنّ هذا القرار بحدّ ذاته "علامة على أنها كانت تدرك أنّ بين يديها شيئاً مهمّاً حقّاً".
هذا التسلسل الزمني الدقيق لم يكن متاحاً للباحثين من قبل بالوضوح نفسه. فقد انطلق المشروع البحثي بعد أن حصل معهد تاريخ العلوم على مواد أرشيفية تعود لـFranklin وطالبها في الدراسات العليا Raymond Gosling، إضافةً إلى اطّلاع Sponsel وSutton على أرشيفات كينغز كوليدج لندن، حيث كانت Franklin تعمل حين التقطت صورها.
لماذا رُويت القصة بصيغةٍ مختلفة لعقود؟
الرواية التي سادت لسنوات طويلة تعود في جزءٍ كبير منها إلى سيرة James Watson الذاتية الصادرة عام 1968 بعنوان "اللولب المزدوج: سردٌ شخصي لاكتشاف بنية الحمض النووي". ففي تلك السيرة، وصف Watson صور Franklin بأنها لحظة "أها" (aha) الخاصة به أي اللحظة التي أدرك فيها بنية الحمض النووي. وكتب يصف الصورة: "الصليب الأسود من الانعكاسات الذي يهيمن على الصورة لا يمكن أن ينشأ إلا من بنيةٍ حلزونية".
المفارقة أنّ Wilkins هو من عرض على Watson صور Franklin لِـ"البنية ب" بينما كانت هي منشغلة في تلك الفترة بدراسة بنيةٍ أخرى. فبحسب تقرير كتبته Franklin في فبراير 1952، حدّدت فيه هدفها دراسة نوعين من بنى الحمض النووي: "البنية أ"، وهي الشكل الذي يتّخذه الحمض النووي عند تجفيفه مخبرياً، و"البنية ب"، وهي اللولب المزدوج الطبيعي الذي ظهر في الصورتين 49 و51. واختارت Franklin، وفق الدراسة، أن تُوصّف "البنية أ" أولاً لأنها اعتبرتها أغنى بالمعطيات حين تُصوَّر، تاركةً دراسة "البنية ب" لمرحلةٍ لاحقة وهو القرار البحثي الذي استغلّه Wilkins ليُطلع Watson وCrick على صورها قبل أن تُكمل هي تحليلها.
وهكذا، فإنّ ملاحظات Franklin المحدودة المنشورة عن الصورة 51 استُخدمت لاحقاً كدليلٍ على أنها فاتها اكتشافٌ كبير، بينما تشير الدراسة الجديدة إلى أنّ رؤاها الحقيقية لم تظهر إلى العلن إلا بعد فترةٍ طويلة من وفاتها، حين أُتيح للباحثين الوصول إلى أرشيفها الكامل ومذكراتها المخبرية الأصلية.
ما الذي يعنيه هذا لإعادة كتابة تاريخ العلم؟
ثلاثة علماء Crick وWatson وWilkins تقاسموا جائزة نوبل في الطب عام 1962، أي بعد أقلّ من عقدٍ من بناء نموذجهم التفصيلي للّولب المزدوج. وبينما يبقى إسهام هؤلاء الثلاثة في بناء النموذج النهائي حقيقةً علمية ثابتة، فإنّ الدراسة التي يستشهد بها Sponsel وSutton، والمعنونة "الصورة 49 هي مفتاح فهم تاريخ صورة Rosalind Franklin رقم 51" والصادرة عام 2026، تدعو إلى قراءةٍ أكثر إنصافاً لدور Franklin: فهي لم تكن مجرّد مصوّرة بارعة سلّمت بياناتٍ خام لآخرين فسّروها نيابةً عنها، بل باحثةً كانت تدرك عمق ما سجّلته عدساتها، وتخطّط بوعيٍ لكيفية عرض نتائجها على المجتمع العلمي.
هذا النوع من إعادة التقييم الأرشيفي ليس مجرّد تصحيحٍ تاريخي عابر؛ إنه يطرح سؤالاً أوسع حول آليات الاعتراف العلمي ذاتها، وكيف يمكن لسردٍ واحد كسيرة Watson الذاتية أن يهيمن على الذاكرة الجماعية لعقودٍ قبل أن تعيد الوثائق الأصلية صياغة الصورة. ولعلّ أكثر ما يستحقّ التوقّف عنده أن جائزة نوبل، بقواعدها التي تستبعد منح التكريم بعد الوفاة، لم تمنح Franklin فرصةً للدفاع عن مكانتها في هذا الإنجاز، تاركةً المهمّة لمؤرّخي العلم الذين يعيدون اليوم، صورةً بعد صورة، ترتيب ما جرى فعلاً في مختبرات لندن مطلع خمسينيات القرن الماضي.
يمكن الاطلاع على تفاصيل الدراسة كاملةً عبر الورقة البحثية المنشورة، وعلى الصفحتين التعريفيتين لِAlistair Sponsel وَBrian Sutton.
أخبار ذات صلة

جوجل تحتفي بـ "ثورة الصواريخ" في أسبوع الفضاء العالمي 2026

كشف الأشباح الكونية: لماذا فازت كاشفات النيوترينو بجائزة نوبل للفيزياء

اصطدام الكواكب: تلسكوب جيمس ويب يكشف أسرار الفوضى الكونية
