ناسا تستعيد قوتها الهندسية الداخلية لتحقيق الاستقلالية
ناسا تواجه تحديات بسبب اعتمادها على متعاقدين خارجيين في مهام حساسة وتطلق مبادرة لتحويل آلاف الوظائف التعاقدية إلى مدنية لتعزيز الكفاءة التقنية الداخلية وتوفير ملايين الدولارات مع استعادة السيطرة الهندسية في مركز كينيدي وورلد برس عربي

خلال خللٍ طرأ على الأنظمة الأرضية عند منصة الإطلاق في مركز كينيدي للفضاء، أثناء التحضيرات لمهمة أرتميس 2، وجد مراقبو ناسا أنفسهم عاجزين عن الوصول المباشر إلى المخططات الهندسية (schematics) الخاصة بالمعدّات؛ إذ حالت دون ذلك قيود تتعلق بالملكية الفكرية لشركاتٍ متعاقدة. الحل البديل كان مفارقةً بحد ذاته: مشاركة الشاشة عبر تطبيق Microsoft Teams بدل الوصول المباشر داخل مركز الإطلاق. يروي أحد المهندسين الذين عملوا على إطلاق تلك المهمة: "كنت تجلس هناك أمام أداةٍ تبثّ مباشرةً شاشة شخصٍ آخر، في محاولةٍ لرؤية مخطط"، متسائلاً بامتعاض: "إلى أي حدٍّ هذا سخيف؟".
هذه الواقعة، التي تكشف حجم اعتماد وكالة الفضاء الأميركية على جهاتٍ متعاقدة حتى في اللحظات الحرجة، تختصر إلى حدٍّ بعيد المنطق الذي تستند إليه المبادرة الأوسع نطاقاً التي أطلقها مدير ناسا Jared Isaacman هذا العام: تحويل 7500 وظيفة تعاقدية إلى وظائف مدنية ضمن الوكالة. والهدف المعلن، بحسب ما نشره Isaacman في رسالة رسمية على موقع ناسا، هو إعادة بناء الكفاءة التقنية الداخلية للوكالة، واستعادة ما يسمّيه "الكفاءات الجوهرية"، وتحقيق وفوراتٍ مالية في الوقت نفسه. ويقول Isaacman إن التجارب الأولى لهذه المبادرة كشفت بالفعل عن وفوراتٍ تتجاوز 100 مليون دولار، يمكن أن ترتفع مع الوقت إلى أكثر من مليار دولار.
من أبولو إلى أرتميس: لماذا تريد ناسا استعادة الهندسة إلى الداخل؟
يستدعي قدامى الوكالة سابقةً تاريخية لتبرير هذا التحوّل. فحين ضرب صاعقةٌ كهربائية صاروخ ساتورن 5 الصاعد خلال إطلاق أبولو 12 عام 1969، في سحابةٍ مشحونةٍ كهربائياً، اضطرّ مراقبو الرحلة والرائد Alan Bean إلى إعادة ضبط الأنظمة الكهربائية للمركبة في عجالة، فنجت المركبة والطاقم وأُنجزت ثاني عملية هبوطٍ على سطح القمر. يقول Gerry Griffin، مدير الرحلة السابق الذي أشرف على هبوطاتٍ قمرية عدة وساهم في إعادة طاقم أبولو 13 سالماً إلى الأرض قبل أن يتولى لاحقاً إدارة مركز جونسون للفضاء في هيوستن: "حين ضربت الصاعقة الصاروخ خلال أبولو 12، كان علينا أن نتصرّف بسرعة. مع أشخاصٍ مثل John Aaron وJerry Carr، كانت الثقة والتواصل هما الفارق".
في عصر أبولو، كانت ناسا تستعين بمتعاقدين لتعزيز قوتها العاملة، لكنها أبقت على وظائف مركز التحكّم بالمهمات (Mission Control) بين يدي موظفيها، باعتبار الوكالة هي المسؤولة عن المهمة. غير أن هذا النموذج تغيّر تدريجياً. يقول Griffin: "في منتصف حقبة المكوك الفضائي، فوجئت بأن كثيراً من الوظائف في مركز التحكّم بالمهمات قد آلت إلى متعاقدين"، مضيفاً: "أُحيّي فكرة Jared في العودة إلى ذلك النوع من القدرة والمسؤولية الداخليتين". ويلخّص Isaacman نفسه الدافع الاقتصادي والتشغيلي للمبادرة بقوله: "هناك بالطبع وفوراتٌ مالية من هذا الجهد"، و"هناك أيضاً منافع تشغيلية، إذ غالباً ما تتضمّن هياكل المتعاقدين طبقاتٍ إدارية وأدواتٍ من طرفٍ ثالث وحواجز تعاقدية وأوجه قصورٍ أخرى يمكن أن تعرقل التقدّم".
كيف تجري عملية التحويل، ومن يتأثر بها؟
قبل انطلاق المبادرة، كانت ناسا تعتمد على نحو 40,000 متعاقد مقابل نحو 14,000 موظفٍ مدني، في حين كانت قوتها العاملة المدنية قد تراجعت بنحو 4,000 موظف منذ أوائل عام 2025، إثر مغادرة آلاف الموظفين عبر برامج "الاستقالة المؤجلة" وغيرها من برامج خفض العمالة الفدرالية المعروفة اختصاراً بـ"دوج" (DOGE). ورغم ذلك، تشير بيانات الوكالة إلى أن عدد موظفيها المدنيين بلغ نحو 21,000، وهو رقمٌ أعلى مما كان عليه قبل بداية ولاية ترامب الثانية. ويشدّد فريق Isaacman على أن المبادرة تستهدف تحديداً الكفاءات التقنية، وليست إعادة توظيفٍ عشوائي لمن غادروا خلال حقبة "دوج".
عملياً، كُلّف مديرو المراكز الميدانية العشرة التابعة لناسا بتحديد الموظفين المتعاقدين المؤهّلين للتحويل، مع إعطاء الأولوية لقدرات الإطلاق والعمليات والهندسة الحسّاسة بالنسبة إلى المهمات. ومعظم الموظفين الذين شملهم التحويل، وإن لم يكن جميعهم، سيبقون في مواقعهم الحالية. لكنّ القبول بالتحويل يعني التخلّي عن الوظيفة لدى الشركة المتعاقدة الأصلية، إذ لا يمكن للموظف المحوَّل الاستمرار في العمل لحساب تلك الشركة في آنٍ واحد. والوظائف المدنية تختلف عن وظائف التعاقد من حيث الرواتب والمزايا، وهو ما أثار لدى بعض الموظفين المحوَّلين شعوراً بالاضطراب وعدم اليقين، فيما فضّل آخرون عدم الالتحاق بوظيفةٍ حكومية أصلاً في ظل إدارة ترامب.
اعتراضات شركات المقاولات: من يخسر حين تنسحب ناسا من التعاقد؟
الشركات الثلاث الأكبر تأثراً بالمبادرة هي Armentum وJacobs Engineering Group وKBR، إذ يزوّد كلٌّ منها ناسا بضعة آلاف من المتعاقدين يقدّمون خدماتٍ هندسية وغيرها في المراكز الميدانية عبر البلاد. وتقول هذه الشركات إن تغيير نموذج القوى العاملة في ناسا يخلق حالة عدم يقين في وقتٍ تخطّط فيه الوكالة للعودة إلى القمر وبناء قاعدةٍ هناك، لا سيما أن تكاليف المصاريف العامة (overhead) للمتعاقدين لا تتجاوز عادةً نسبة 2 أو 3 بالمئة من أجر الموظف.
يقول أحد مصادر القطاع، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: "ظننتُ أننا نُجفّف المستنقع، لا نزيد عدد الموظفين المدنيين"، في إشارةٍ إلى تناقض المبادرة مع خطاب تقليص الحكومة الفدرالية. ويضيف مصدرٌ آخر: "بنت ناسا على مدى 50 عاماً منظومةً متكاملة متخصّصة في خدمتها وخدمة وكالاتٍ فدرالية أخرى"، محذّراً من أن "هذا النظام يتيح المرونة والابتكار لدى الشركات، والآن سيزول ذلك".
وتذهب أصوات في القطاع إلى أن التعاقد كان يمنح ناسا هامش مناورة لتغيير الاتجاه ببساطةٍ عبر عدم تجديد العقود، في حين يتمتع الموظفون المدنيون بحمايةٍ أكبر بكثير بعد التوظيف الحكومي. كما يشير مسؤولون في القطاع إلى أن الضغط الذي تمارسه الشركات المتعاقدة لدى الكونغرس يسهم في تأمين التمويل لبرامج ناسا، ويخشى بعضهم أن يؤدي فقدان هذا الدعم إلى تعقيد الحصول على التمويل وجعل برامج الوكالة أكثر هشاشة. في المقابل، يرى فريق Isaacman أن الآلية الحالية لا تعمل بالشكل المطلوب، ويضع أولوية المهمة فوق أي اعتبارٍ آخر.
وقد تحدّثت منصة Ars بشكلٍ غير رسمي مع نحو ستة أشخاص، بينهم متعاقدون ومسؤولون في القطاع وموظفون كبار في ناسا، فضّل بعضهم عدم معارضة المبادرة علناً باعتبارها باتت أمراً واقعاً إلى حدٍّ كبير.
ماذا تقول هيئة السلامة، وهل المبادرة خطرٌ أم ضمانة؟
وسط هذا الجدل، حمل اجتماع الهيئة الاستشارية لسلامة الطيران والفضاء التابعة لناسا، في نهاية أغسطس، إشارةً مغايرة. فقد أثنت الهيئة على المبادرة، قائلةً إن تنفيذها حقّق "تقدماً ملموساً" رغم التحديات الناجمة عن "سرعتها ونطاقها". وأكدت رئيسة الهيئة، الجنرال Susan J. Helms، أنها لم تجد أي مخاوف حرجة، مضيفةً: "من منظور الهيئة، فإن توجيه المدير يمثّل رؤيةً متماسكة وضرورية لمستقبل القوى العاملة في ناسا". تفاصيل أوسع عن هذا التقييم واردة في محاضر وشهادات الهيئة الاستشارية.
غير أن هذا الدعم لا يُنهي الجدل الدائر حول المبادرة، التي يصفها منتقدوها بأنها متسرّعة ومربكة، ويحذّرون من أنها قد تُعرقل خطط العودة إلى القمر، أو تؤخّر مهمة أرتميس 3، أو ترفع من المخاطر الأمنية في مرحلةٍ حسّاسة من برنامج الفضاء الأميركي. فبين وفوراتٍ مالية موعودة وقدرةٍ تقنية يُراد استعادتها داخل أسوار الوكالة، وبين منظومة مقاولين بنتها ناسا على مدى نصف قرن وتخشى شركاتها فقدان موطئ قدمها في الكونغرس، يبقى السؤال معلّقاً: هل ستنجح ناسا في إعادة بناء "الثقة والتواصل" التي تحدّث عنها Griffin داخل جدران مركز التحكّم، قبل أن تحين ساعة العودة إلى سطح القمر؟
أخبار ذات صلة

غروك يشجّع ترامب على اعتقال رئيس فنزويلا.. تقرير عن ذكاء اصطناعي بلا حدود

البنتاغون يستشير إيلون ماسك وبالمر لاكي حول مستقبل الجيش الأمريكي

خطة ترامب لمكافحة مخاطر الذكاء الاصطناعي تعتمد على تنظيم الشركات الكبرى لنفسها
