وفاة باحثة في سيبيريا تثير مخاوف من تفشي الطاعون
وفاة باحثة في سيبيريا إثر إصابتها بذات رئة مجهول المصدر تثير إجراءات احترازية واسعة وتضارباً في التصريحات الرسمية حول احتمالية الطاعون وسط مراقبة دولية مشددة وحذر من تفشي محتمل للحالة. وورلد برس عربي

توفيت الباحثة في الأمراض المُعدية داريا شيبيلوفا بعد إصابتها بذات رئة من مصدر لم تُحدَّد طبيعته بعد، وهو ما كان كافياً لإطلاق سلسلة إجراءات احترازية غير مُعتادة في سيبيريا: وضع نحو مئتي شخص تحت المراقبة الطبية، وفرض الحجر الصحي على عدة مستشفيات، وعزل عشرات الأشخاص، وفق تقارير أولية نُشرت مساء الأحد وصباح الاثنين. والمفارقة أن حجم الاستجابة جاء أكبر من حجم المعلومات المؤكَّدة؛ فحتى كتابة هذا التقرير، ما تزال السلطات الروسية نفسها غير متّفقة على سبب الوفاة.
من هي شيبيلوفا، وماذا حدث فعلياً؟
كانت شيبيلوفا تعمل باحثةً في معهد إيركوتسك البحثي لمكافحة الطاعون في سيبيريا، الكائن في بلدة شيليخوف الروسية. وبحسب بعض التقارير، فقد كسرت بطريق الخطأ أنبوب اختبار يحتوي على بكتيريا الـYersinia pestis، المسبّب الجرثومي للطاعون، في 25 سبتمبر. وتشير التقارير نفسها إلى أنها بدأت تظهر عليها أعراض المرض بعد الحادثة المزعومة، قبل أن تُنقل إلى المستشفى في 29 سبتمبر وهي تعاني من ذات رئة حادة. وفارقت الحياة بين ليلة 1 و2 أكتوبر.
هذا التسلسل الزمني من الحادثة المفترَضة في المختبر إلى الوفاة هو ما دفع وسائل إعلام، إلى تناول احتمال التعرّض المخبري للعدوى، رغم أن هذا الاحتمال لم يُؤكَّد رسمياً حتى الآن.
تصريحات متضاربة من المسؤولين الروس
ما يستحق التوقّف عنده ليس الحادثة فقط، بل تضارب الروايات الرسمية حولها. أليكسي تسيدينوف، رئيس إقليم مجاور لإيركوتسك، قال في البداية إن شيبيلوفا توفيت بسبب الطاعون، ثم عدّل تصريحه لاحقاً ليقول إنها "ربما" توفيت بسببه. في المقابل، صرّح غينادي أونيشينكو، الرئيس السابق لوكالة روسبوتريبنادزور الروسية للصحة العامة، يوم الجمعة بأن إصابة شيبيلوفا "على الأرجح ليست الطاعون"، مضيفاً أنه "لن يكون هناك انتشار لهذا المرض".
أما روسبوتريبنادزور نفسها فقد وصفت سبب الوفاة بأنه "غير معروف"، وأكدت أن "الوضع الوبائي" في المنطقة مستقر، وأن العيّنات المأخوذة من المريضة لم تُظهر وجود "أي كائنات دقيقة مرتبطة بمهام عمل الموظفة"، وفق بيان الوكالة الذي نقلته meduza.
هذا التباين بين تصريح مسؤول إقليمي يتحدّث عن "ربما طاعون"، وتصريح الوكالة الوطنية التي تنفي ارتباط العدوى بعمل الباحثة، يضع القارئ أمام سؤال مشروع: هل الحذر هنا إجراء وقائي زائد، أم انعكاس لغموض حقيقي في المعطيات العلمية المتاحة للمسؤولين أنفسهم؟
زيارة رئيسة الوكالة، وتحرّك دولي حذر
في خضمّ هذا الغموض، توجّهت آنا بوبوفا، الرئيسة الحالية لروسبوتريبنادزور، إلى إيركوتسك يوم الجمعة. ووصف إيغور كوبزيف، حاكم المنطقة، هذه الزيارة بأنها مرتبطة بـ"حالة مشتبه بها لعدوى بالغة الخطورة أصابت أحد سكان المنطقة" وهي صيغة حذرة تتجنّب تسمية الطاعون صراحةً.
الاستجابة الدولية جاءت بالقدر نفسه من الحذر. متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية قال يوم الجمعة إن الوزارة "تتابع الوضع عن كثب مع مركز السيطرة على الأمراض (CDC) وشركاء آخرين في الوكالات الأمريكية"، مضيفاً أن "العديد من التفاصيل لم تُؤكَّد بعد"، ومشدداً على أن واشنطن "تشجّع السلطات الروسية على مشاركة معلومات دقيقة بسرعة وشفافية". أما المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها فقد أعلن يوم الاثنين أنه يراقب الوضع "عن كثب جداً"، بحسب ما نقلته يورونيوز.
أما قيرغيزستان، الواقعة على بُعد نحو 1,500 ميل من إيركوتسك، فقد أعلنت يوم الاثنين أنها بدأت بفرض ضوابط حجر صحي عند نقاط العبور الحدودية وهو إجراء يعكس حساسية دول آسيا الوسطى تجاه أي إشارة محتملة لتفشٍّ، حتى قبل تأكيد التشخيص نفسه.
ما الذي يجب فهمه علمياً حول بكتيريا الطاعون؟
من الناحية الوبائية، تنتج بكتيريا Yersinia pestis ثلاثة أشكال سريرية من الطاعون: الدُّمَّلي والتَّعَفُّني والرئوي. الشكل الرئوي هو الأخطر، إذ يمكن أن يكون عدوانياً وسريع الفتك إذا لم يُعالَج في وقته. وينتقل هذا الشكل عبر الرذاذ التنفسي الناتج عن السعال، لكنه لا يُصنَّف ضمن الأمراض شديدة العدوى؛ فانتقاله يتطلّب تماساً مباشراً وقريباً مع المصاب، وليس مجرد المشاركة في الفضاء نفسه.
والخبر المريح هنا أن الطاعون، رغم خطورته التاريخية، يُعالَج عموماً بسهولة بالمضادات الحيوية إذا شُخِّص مبكراً. ويوصي مركز السيطرة على الأمراض الأمريكي (CDC) بإعطاء جرعة وقائية من المضادات الحيوية لمدة سبعة أيام فوراً لأي شخص يُشتبه بتعرّضه للبكتيريا، وفق إرشادات المركز وهو بروتوكول معروف جيداً في أدبيات الصحة العامة، ويفترض أنه الأساس الذي تستند إليه إجراءات العزل والمراقبة المُعلَنة في إيركوتسك.
يبقى أن حصيلة ما هو مؤكَّد حتى الآن محدودة: باحثة توفيت بذات رئة "غير معروفة" السبب رسمياً، وتصريحات متضاربة من مسؤولين روس، وإجراءات احترازية واسعة في الداخل الروسي، وحدود حذرة في قيرغيزستان. أما سؤال ما إذا كانت الحادثة فعلاً تعرّضاً مخبرياً لبكتيريا الطاعون، فما يزال، بانتظار بيانات مخبرية رسمية أكثر دقة من موسكو، سؤالاً مفتوحاً لا إجماع علمياً حوله حتى الآن.
أخبار ذات صلة

التحكم في الدماغ بالضوء يكسب جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء

سُدس الأورام السرطانية مرتبطة بالعدوى: لماذا التلقيح ضروري

الحصبة تودي بحياة شخص خامس لم يتلقَّ اللقاح؛ مراكز السيطرة الأمريكية لا تحسب جميع الوفيات
