اكتشاف جديد يعيد كتابة تاريخ فوهة أميس النيزكية
فوهة نيزكية عملاقة في أوكلاهوما عمرها أصغر بكثير مما كان يُعتقد وقد تكون مرتبطة بأحد أكبر الانقراضات الجماعية في تاريخ الأرض اكتشفها فريق بحثي يعيد كتابة تاريخ الاصطدامات النيزكية وتأثيرها على كوكبنا في وورلد برس عربي.

تحت بلدة أميس الصغيرة في ولاية أوكلاهوما الأمريكية، تنام فوّهة نيزكية يبلغ قطرها نحو 16 كيلومتراً، ظلّت لعقودٍ موضوع جدلٍ علمي حول عمرها الحقيقي. اليوم، يعيد فريق بحثي من جامعة تكساس في أوستن كتابة هذا التاريخ بالكامل: فبدل أن يكون الاصطدام الذي شكّل الفوهة جزءاً من حدثٍ نيزكي قديم يعود إلى العصر الأوردوفيشي، تشير التحليلات الجديدة إلى أنه أصغر بقرابة 100 مليون سنة ممّا كان يُعتقد، وأنه قد يكون مرتبطاً بأحد أكبر الانقراضات الجماعية في تاريخ الأرض.
النتائج، التي نشرتها مجلة Meteoritics and Planetary Science في يوليو، تستند إلى دراسة لعيّنات معدنية دقيقة أعادت تحديد عمر الفوهة من 467.5 مليون سنة إلى 370 مليون سنة فقط وهو فارق يكفي لنقل الحدث من سياقٍ جيولوجي إلى سياقٍ مختلف تماماً في تسلسل أحداث الكوكب.
كيف تم تضليل الباحثين لعقود؟
اكتُشفت فوهة أميس المدفونة عام 1991 عبر قراءات زلزالية، لكنّ موقعها لم يكن مرئياً مباشرة؛ إذ تغطّيها طبقة صخور رسوبية يبلغ سمكها 2.7 كيلومتر (9000 قدم)، تراكمت بعد الاصطدام حين كانت أوكلاهوما الحالية تقع تحت بحرٍ ضحل. التأريخ الأولي للفوهة اعتمد على سنّ أحفوري لكائن يُعرف باسم «الكونودونت» (Conodont)، عُثر عليه في صخور موقع الاصطدام، وهو كائنٌ عاش في منتصف العصر الأوردوفيشي. على هذا الأساس، صُنّفت فوهة أميس ضمن «حدث نيزك الأوردوفيشي»، وهو قصفٌ نيزكي ترك نحو عشرين فوهة حول العالم، جميعها تقع ضمن نطاق 30 درجة من خط الاستواء وهو توزيعٌ جغرافي يدعم فرضية وجود حلقة حطامٍ ناتجة عن تفتّت كويكب حول استواء الأرض القديم.
لكن وفق فريق إليزابيث كاتلوس، قائدة البحث في جامعة تكساس في أوستن، فإنّ السنّ الأحفوري نفسه مضلِّل: فالكائن المذكور كان على الأرجح موجوداً في الصخر قبل الاصطدام بزمنٍ طويل، واختلط بركام الفوهة أثناء تشكّلها، لا أنه يؤرّخ لحظة الاصطدام ذاتها.
شهادة الزركون: ساعة جيولوجية أكثر دقة
لإعادة تأريخ الفوهة، لجأ الفريق إلى أداةٍ مختلفة تماماً: بلورات معدن الزركون التي تشكّلت تحت ضغط الاصطدام نفسه. الزركون معدنٌ سيليكاتي يحتوي، عند تبلوره حديثاً، على اليورانيوم والثوريوم، بينما تُدفَع ذرات الرصاص خارج البنية البلورية أثناء التكوّن. ومع مرور الزمن، تتحلّل نظائر اليورانيوم المشعّة إلى رصاص، فكلّما ازدادت نسبة الرصاص داخل البلورة، دلّ ذلك على عمرٍ أكبر لها. بمعنى آخر، كل بلورة زركون تحمل ساعتها الذرية الخاصة.
لتحليل هذه البلورات الدقيقة، تعاون فريق كاتلوس مع فريقٍ من مركز جونسون للفضاء التابع لناسا، مستخدمَين تقنيتَي التصوير بالتألق الكاثودي (Cathodoluminescence)، التي تقصف المادة بالإلكترونات فتصدر عنها أطوال موجية ضوئية تكشف تركيبها الداخلي، وحيود الإلكترونات المرتدّة (Electron Backscatter Diffraction)، التي تستخدم مجهراً إلكترونياً ماسحاً لدراسة انحراف الإلكترونات بزوايا مختلفة حسب نوع الذرات. والنتيجة كانت متّسقة في كل مرة.
تقول كاتلوس: «أيّاً كانت التقنية التي استخدمناها، كانت النتيجة تعود دائماً إلى هذه الإشارة الأصغر سنّاً». وتضيف موضحةً ما يعنيه هذا التحوّل علمياً: «بهذا البحث، نحن عملياً نسحب بيدقاً رئيسياً من حدث نيزك الأوردوفيشي، ونضعه في حدث فرازنيان-فامينيان، قائلين: هنا ينتمي هذا الاصطدام».
اصطدامٌ على حافة انقراضٍ جماعي
العمر الجديد 370 مليون سنة يضع فوهة أميس في جوارٍ زمني مباشر مع الانقراض الجماعي للعصر الديفوني المتأخر، المعروف أيضاً باسم «انقراض حدود فرازنيان-فامينيان». هذا لا يعني أن النيزك وحده تسبّب في الانقراض؛ فحجم الاصطدام، بحسب المعطيات المتاحة، لم يكن كافياً بمفرده لإحداث انقراضٍ بهذا الحجم. الفرضيات الأخرى المطروحة لتفسير هذا الانقراض تشمل انخفاض مستويات الأكسجين، أو نشاطاً بركانياً هائلاً، أو انفجار مستعرٍ أعظم قريب، أو تضافر عدّة عوامل معاً. ما يقترحه البحث هو أن الاصطدام قد يكون أحد العناصر المساهمة في هذا التسلسل، لا سببه الوحيد.
ويرى داني ستوكلي، عميد كلية جاكسون للعلوم الجيولوجية في جامعة تكساس في أوستن، والباحث المشارك في الدراسة، أن القيمة الأعمق لهذا النوع من التأريخ تتجاوز فوهة أميس نفسها: «هذه البلورات الصغيرة تتيح لنا العودة بالزمن إلى الوراء، لنتعرّف على التغيّرات الكبرى التي طرأت على المشاهد الطبيعية القديمة للأرض». ويضيف متطلّعاً إلى أبحاثٍ مستقبلية: «سيكون من الرائع تطبيق هذه الطريقة على مزيدٍ من مواقع الاصطدامات النيزكية عبر القارة، كي نحصل على خطٍّ زمني أكثر دقة لهذه الأحداث الكبرى».
حين يتحوّل أثر الكارثة إلى ثروة طاقة
في مفارقةٍ تستحق التوقّف، تحوّلت الشقوق التي أحدثها الاصطدام في قشرة الأرض إلى ممرٍّ طبيعي صعد عبره النفط والغاز الطبيعي من أعماق الأرض نحو السطح. ومنذ أن بدأ الإنتاج عام 1991، استخرجت آبار النفط داخل فوهة أميس على عمق ثلاثة كيلومترات ما مجموعه 17.4 مليون برميل نفط، إضافة إلى 79.5 مليار قدم مكعبة (2.25 مليار متر مكعب) من الغاز الطبيعي.
ما يكشفه هذا البحث هو أن أدوات التأريخ الدقيق كتحليل الزركون بالنظائر المشعّة قادرة على تصحيح فرضياتٍ ظلّت راسخة لعقود استناداً إلى دليلٍ أحفوري واحد وحيد. وإذا ما طُبّقت هذه الطريقة، كما يقترح ستوكلي، على مواقع اصطدامٍ أخرى عبر القارة الأمريكية وغيرها، فقد يتغيّر الخط الزمني الذي يربط الكويكبات التي ضربت الأرض بسلسلة الانقراضات الجماعية التي أعادت تشكيل الحياة عليها أكثر من مرة.
أخبار ذات صلة

اكتشاف روزاليند فرانكلين: من فكّ شفرة الحمض النووي قبل واتسون وكريك؟

جوجل تحتفي بـ "ثورة الصواريخ" في أسبوع الفضاء العالمي 2026

كشف الأشباح الكونية: لماذا فازت كاشفات النيوترينو بجائزة نوبل للفيزياء
