رحلة اكتشاف اصطدامات كونية تشكل القمر والأرض
تلسكوب جيمس ويب يرصد أقراص حطامية نادرة حول نجوم شابة تكشف عن اصطدامات عنيفة تشبه التي ساهمت في تكوين القمر وتشكّل كواكبنا الأرضية قصة جديدة لفهم نشأة منظومتنا الشمسية عبر دراسة الغبار الفضائي وورلد برس عربي

عندما نرفع أعيننا إلى القمر في سماء الرباط أو أي عاصمة عربية أخرى، قلّما نفكّر في أنّ وجوده قد يكون نتاج اصطدامٍ عنيفٍ بين كوكبنا وجسمٍ آخر بحجم المرّيخ، منذ مليارات السنين. هذا السيناريو، المعروف علمياً بفرضية «ثيّا» (Theia)، ظلّ لعقودٍ تفسيراً نظرياً يصعب التحقّق منه مباشرة. لكنّ مجموعة من الفلكيين استخدمت تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) التابع لوكالة ناسا لرصد 21 نظاماً كوكبياً فتياً غنياً بالغبار، ووجدت فيها أدلّة على اصطداماتٍ عنيفة قد تحاكي ما حدث في بداية تشكّل الأرض والقمر.
ما هي "الأقراص الحطامية المتطرّفة"؟
تُعرَف هذه الأنظمة علمياً بـ«الأقراص الحطامية المتطرّفة»، وهي أقراصٌ تحتوي كمياتٍ غير معتادة من الغبار الدافئ القريب من نجومها الفتية. كان تلسكوب سبيتزر الفضائي، المتقاعد حالياً، أول من رصد هذه الظاهرة ضمن أرشيفه الفلكي، لكنّ بياناته ظلّت محدودة التفسير. تشير التقديرات إلى أنّ هذا النوع من الأقراص لا يتكوّن إلا حول نحو 1% من النجوم، ويعتقد العلماء أنّ شمسنا نفسها كانت يوماً ما نجماً من هذا النوع النادر.
تقول كيت سو، قائدة فريق البحث من معهد علوم الفضاء (Space Science Institute) في بولدر بولاية كولورادو: «هذه أول مرّة نجمع فيها عدداً كافياً من الأنظمة لفهم هذه الفئة الفرعية التي نسمّيها الأقراص الحطامية المتطرّفة حقّ الفهم». وتضيف: «قبل جيمس ويب، كانت لدينا معلومات محدودة. كنّا نعرف أنّها غريبة ومختلفة تماماً عن الأقراص الحطامية الباردة المعتادة التي نعرفها، مثل تلك المحيطة بنجمي فيغا وفومالهوت».
عيّنة الدراسة: 21 نظاماً و16 قرصاً غبارياً
شملت الدراسة متابعة أربعة من أصل خمسة بيئات كوكبية كانت موجودة في أرشيف سبيتزر، إضافة إلى 16 قرصاً غبارياً رصدها جيمس ويب مباشرة، منها 12 قرصاً جديداً لم يُرصد من قبل. ومن خلال تحليل هذه العيّنة، حدّد الباحثون ثلاث سماتٍ مشتركة: حبيبات غبار أصغر حجماً، وتركّز الغبار الدافئ في منطقةٍ محدودة، وتغيّراتٍ غير منتظمة في سطوع هذه الأقراص.
الأهم من ذلك أنّ الفريق تمكّن من تصنيف هذه الأقراص إلى فئتين بحسب تركيبها الكيميائي: أقراص غنية بالسيليكا، وأخرى فقيرة بها. ويفسّر الباحثون هذا الفرق بنوع الاصطدام الذي أنتجه: فالأقراص الغنية بالسيليكا، التي شكّلت نحو ثلث العيّنة المدروسة، يُرجَّح أنّها نتاج اصطداماتٍ عالية الطاقة بين أجسامٍ بحجم المرّيخ، تتبخّر فيها معظم المادة. أمّا الأقراص الفقيرة بالسيليكا فتُنسَب إلى اصطداماتٍ أقل عنفاً، من نوع «الاحتكاك الجانبي» (grazing collisions)، بين أجسامٍ أصغر بحجم القمر تقريباً.
واللافت في النتائج أنّ الأقراص الغنية بالسيليكا لم تُرصَد إلا حول نجومٍ أصغر من 300 مليون سنة، بينما وُجدت الأقراص الفقيرة بالسيليكا حول نجومٍ تغطّي نطاقاً عمرياً أوسع بكثير. كما أظهرت الأقراص الفقيرة بالسيليكا تقلّباتٍ في السطوع أكبر عموماً من نظيرتها الغنية بالسيليكا، وهو ما يفسّره الباحثون باستمرار تولّد حطامٍ جديد عبر اصطداماتٍ متتالية وتغيّراتٍ مداريّة مستمرّة.
تقول كيت سو: «الآن بعد أن توفّرت لدينا بياناتٌ أوفر، يمكننا أن نحدّد بدقّة ما تمثّله هذه الأقراص بالنسبة لتشكّل الكواكب وتطوّرها». أمّا أغنيس كوشبال، عضو الفريق من مرصد كونكولي في بودابست، فتصف تجربتها بالقول: «أن أرى انبعاثها في الأشعة تحت الحمراء المتوسّطة وسماتها الطيفية الجميلة عبر جيمس ويب، وهو ما سمح لنا بتحديد تركيبها، كان الأمر الأكثر إثارةً بالنسبة لي». وتضيف: «لا توجد وسيلة أخرى لدراسة هذه الأجنّة الكوكبية مباشرة، لأنّها ببساطة أصغر من أن تُرصَد بطرقٍ أخرى».
كيف يرتبط هذا بتاريخ منظومتنا الشمسية؟
يُقدَّر عمر المنظومة الشمسية بنحو 4.6 مليار سنة، وتشير المحاكاة الحاسوبية إلى أنّ الكواكب الصخرية، ومنها الأرض، كان ينبغي أن تتشكّل خلال أوّل بضع مئات من ملايين السنين من عمر المنظومة. وتقدّرات العلماء تضع تشكّل الأرض والقمر عند نحو 100 مليون سنة بعد تكوّن الشمس، وهو توقيتٌ يتطابق بشكلٍ لافت مع أعمار الأقراص الغنية بالسيليكا التي رصدها الفريق. ووفق فرضية ثيّا، فإنّ اصطدام الشمس المبكّر بجسمٍ بحجم المرّيخ نثر مادةً تجمّعت لاحقاً لتُكوِّن القمر.
لكن القصة لا تتوقف عند ذلك؛ إذ يرى الباحثون أنّ المنظومة الشمسية ربما مرّت أيضاً بمرحلة قرصٍ فقيرٍ بالسيليكا، تزامنت مع فترة «القصف الثقيل المتأخّر» (Late Heavy Bombardment)، حين يُعتقَد أنّ الاصطدامات المتكرّرة دفعت الكواكب العملاقة الغازية من مواقعها القريبة من الشمس نحو مداراتها الحالية الأبعد.
وتختصر كيت سو الصورة العامة بقولها: «كيف تشكّلت الكواكب الصخرية وكيف تطوّرت الكواكب العملاقة، كلّها جزءٌ من قصّة أوسع هي قصّة تشكّل المنظومة الشمسية. إنّها قصّةٌ واحدة». وتضيف: «عملنا على الأقراص الحطامية المتطرّفة يساعدنا على جمع الصورة الكبرى لما نفهمه حالياً».
نُشرت نتائج هذا البحث يوم الخميس الأول من أكتوبر في مجلة الفيزياء الفلكية (The Astrophysical Journal)، في دراسةٍ يمكن الاطّلاع على تفاصيلها التقنية عبر معرّف الوثيقة الرقمي للبحث، كما نشرت وكالة ناسا شرحاً مبسّطاً للنتائج عبر صفحتها الرسمية حول اكتشافات تلسكوب ويب. وما يميّز هذه الدراسة، كما في أي بحثٍ رصديٍّ جادّ، هو أنها لا تُقدّم إثباتاً قاطعاً لفرضية ثيّا، بل تمنحها سياقاً رصدياً جديداً: أنظمة كوكبية حيّة، لا تزال في طور التشكّل، تُظهر بالفعل النوع نفسه من الاصطدامات العنيفة التي يُفترض أنها صاغت كوكبنا وقمره منذ مليارات السنين.
أخبار ذات صلة

اكتشاف روزاليند فرانكلين: من فكّ شفرة الحمض النووي قبل واتسون وكريك؟

جوجل تحتفي بـ "ثورة الصواريخ" في أسبوع الفضاء العالمي 2026

كشف الأشباح الكونية: لماذا فازت كاشفات النيوترينو بجائزة نوبل للفيزياء
