حظر الرموز السياسية في الصحة الوطنية يثير جدلاً واسعاً
توصيات حظر الرموز السياسية في هيئة الصحة الوطنية البريطانية تثير جدلاً واسعاً بين العاملين الذين يرونها تضييقاً على حرية التعبير والتضامن مع فلسطين وسط مخاوف من استغلال مكافحة معاداة السامية لقمع الأصوات المناصرة. وورلد برس عربي

في خطوةٍ أثارت موجةً واسعة من الانتقادات في أوساط السياسيين والعاملين في قطاع الصحة البريطاني، جاءت التوصيات الرامية إلى حظر ارتداء الرموز السياسية داخل مؤسسات هيئة الصحة الوطنية (NHS)، ومنع العاملين فيها من ارتداء ملابس العمل الطبية (السكراب) في الاحتجاجات العامة لتُوصَف بأنّها توظيفٌ لمخاوف معاداة السامية ذريعةً للتضييق على التضامن مع فلسطين.
تم التحدّث إلى عددٍ من العاملين في NHS المتضامنين مع فلسطين، وتحدثوا عن تجاربهم في مناهضة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، وما واجهوه من ردود فعلٍ عقابية من مؤسساتهم جرّاء ذلك.
كان وزير الصحة السابق Wes Streeting قد كلّف عام 2025 اللورد Mann بإعداد تقريرٍ للتحقيق في ظاهرة معاداة السامية داخل NHS. غير أنّ الرابطة الطبية البريطانية (BMA) أشارت إلى أنّه رغم أهمية التصدّي لمعاداة السامية والعنصرية داخل الهيئة، فإنّ بعض توصيات التقرير تُثير قلقاً بالغاً فيما يخصّ آليات تطبيقها، ولا سيّما ما يتعلّق منها بحرية التعبير. وقد تبنّت NHS England هذه التوجيهات، إلّا أنّ تطبيقها يبقى رهيناً بقرار كلّ مؤسسة صحية (Trust) على حدة.
وأعربت BMA عن قلقها إزاء "مسألة من يملك صلاحية تحديد ما يُعدّ سياسياً"، مطالبةً بأن تكون التوجيهات الجديدة "موحّدة على مستوى البلاد" وأن "تُميّز بوضوح بين التعبير المشروع والسلوك المخالف"، محذّرةً من أنّ "الحظر الشامل على كلّ رمزٍ قابلٍ للتأويل بوصفه تعبيراً عن معتقدٍ ما سيكون تجاوزاً مفرطاً للحدود".
وأكّدت عضو البرلمان العمالية Kim Johnson هذه المخاوف ذاتها في حديثها ، قائلةً: "أشعر بالقلق من أنّ الحظر الشامل على ما يُسمّى بالرموز السياسية قد يُفضي إلى الخلط بين التعبير المشروع عن الهوية والتضامن والانتماء من جهة، والسلوك المخالف من جهةٍ أخرى. وقد جرى تخصيص التعبير عن التضامن مع فلسطين بالاستهداف في هذا النقاش، في سياقٍ أشمل من القمع الممنهج لأصوات الداعمين للحقوق الفلسطينية والمدافعين عنها."
وأضافت Johnson أنّ "تقييد أشكال التضامن المشروعة يُخاطر بتقويض هذا العمل بدلاً من معالجته"، في إشارةٍ منها إلى أهمية مكافحة العنصرية والتحرّش داخل القطاع الصحي.
أمّا Nina Radulovic، المتحدّثة باسم منظمة Medact التي تضمّ عاملين في المجال الطبي ويناضلون من أجل العدالة الصحية، فقد أكّدت أنّ "التعبير السياسي داخل NHS يُمثّل بلا شكّ مسألةً حسّاسة"، تطرح "تساؤلاتٍ عسيرة حول حدود حرية التعبير وعلاقتها بتماسك بيئة العمل وتأثيرها على تقديم الخدمات". بيد أنّها أشارت إلى أنّ توصيات تقرير Mann "بدلاً من أن تفتح حواراً… تُصدر حكماً نهائياً". وأضافت أنّ "بعض السياسيين وشرائح من الصحافة يبدون أكثر اهتماماً بإيجاد سبلٍ لقمع أصوات المعارضة، من اهتمامهم بإتاحة الفرصة لنقاشٍ جادّ ومثمر"، مؤكّدةً أنّ هؤلاء يُفضّلون "افتعال ذعرٍ حول الشارات بدلاً من الانخراط في الأسئلة الأخلاقية التي يطرحها العاملون في الصحة حول NHS والنفوذ المؤسسي ودور المملكة المتحدة في الاقتصاد السياسي للحرب".
استهداف العاملين في القطاع الصحي
وصف البروفيسور Nick Maynard، الجرّاح البريطاني الذي زار غزة مراتٍ عدّة وعمل في مستشفياتها إبّان الإبادة الإسرائيلية، ما يتضمّنه التغطية الإعلامية لهذه التوصية بأنّه "خلطٌ بين دعم فلسطين ومعاداة السامية"، معتبراً ذلك "أمراً غير أمين" و"نموذجاً نمطياً لما تروّجه حكومتنا في الوقت الراهن"، في امتدادٍ لهجمات Streeting على الأطباء المتضامنين مع فلسطين.
وقد شهد Maynard بنفسه حجم الدمار الذي خلّفته ما وصفها خبراء الأمم المتحدة بـ"الطبّ كسلاح للإبادة"، ولا سيّما الضربات المزدوجة التي تستهدف المسعفين والكوادر الطبية حين يهرعون لإنقاذ ضحايا الهجوم الأوّل. وأكّد Maynard أنّ "الاستهداف الممنهج للعاملين الصحيين وللبنية التحتية الطبية بأسرها يُمثّل ركيزةً محوريةً في سياسة التطهير العرقي الإسرائيلية لغزة"، وهو ما يُفسّر حجم الغضب والإدانة الذي أبدته الكوادر الطبية على المستوى الدولي. وقد أطلع Maynard وزير الصحة السابق Streeting شخصياً على ما شهده، غير أنّ هذا الأخير رغم محاولاته الأخيرة التموضع في خانة المتعاطفين مع فلسطين كان في طليعة من سعوا إلى إسكات الأصوات الطبية المدافعة عن القضية الفلسطينية.
أوضح الدكتور Omar Abdel-Mannan، الذي أمضى خمس عشرة سنةً في العمل بـ NHS وشارك في تأسيس منظمة Health Workers 4 Palestine، أنّ "هذا جزءٌ من حملة إسكات أشمل وتعتيمٍ ممنهج وقمعٍ طال قطاعاتٍ متعدّدة. ثمّة خشيةٌ من العاملين في الصحة بسبب ثقل كلمتهم… يخشون أن يقولوا الحقيقة وأن يصدّقهم الناس". وقد كشف Abdel-Mannan، عبر طلباتٍ قانونية للحصول على المعلومات، أنّ NHS تفتقر إلى أيّ آليةٍ لرصد حالات العنصرية داخل عددٍ من مؤسساتها، ممّا دفعه إلى التساؤل: "كيف يُفترض بهذه المراجعة أن تعالج ظاهرةً لا تملك عنها أيّ بيانات؟"
وأشار إلى أنّ استهداف الدكتور غسّان أبو ستّة، الطبيب الفلسطيني العامل في المملكة المتحدة الذي أُحيل إلى المجلس الطبي العام (GMC) بسبب نشاطه المتضامن مع فلسطين، قد أحدث "أثراً تثبيطياً" لدى العاملين في الصحة الراغبين في الجهر بمواقفهم أو إبداء تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.
تأديب العاملين الصحيين المحتجّين على الإبادة
أُحيل أبو ستّة إلى المجلس الطبي العام (GMC) بشكوى رفعتها منظمة UK Lawyers for Israel، وهي مجموعةٌ حقوقية تعمل لصالح إسرائيل، غير أنّ هيئتَي تحكيم متعاقبتَين خلصتا إلى انعدام الأساس القانوني لاتّهامات معاداة السامية الموجّهة إليه. وقد اتّهم أبو ستّة Streeting بأنّه مارس ضغطاً على GMC لشنّ "مطاردةٍ مكارثية" بحقّه وبحقّ أطباءٍ آخرين جاهروا بمعارضة الإبادة، واصفاً ذلك Abdel-Mannan بأنّه تدخّلٌ سياسيٌّ "لا سابق له".
وتعرّض Ahmad Baker، الممرّض البريطاني الفلسطيني العامل في مستشفى Whipps Cross، لضغوطٍ من مديريه لإزالة لوحةٍ تشكيلية تضمّ صورة بطّيخ من خلفية شاشته خلال مكالمات العمل المرئية، بحجّة أنّها "قد تُعدّ معاداةً للسامية". وقد رفع Baker دعوى قانونية ضدّ مؤسسة Barts Health NHS Trust بالاشتراك مع موظّفَين آخرَين من NHS.
وقال Baker في حديثه إنّه بوصفه فلسطينياً، "باتوا يُخبرونني بأنّ هويّتي لا ينبغي أن تكون ظاهرةً للعيان"، في وقتٍ تشنّ فيه إسرائيل إبادةً جماعية بحقّ الشعب الفلسطيني بسبب هذه الهوية بعينها. وأشار إلى التناقض الصارخ في التعامل مع الرموز: فحين ارتدى موظّفو NHS شارات أوكرانيا إثر الغزو الروسي عام 2022، لم يتعرّضوا لشيءٍ يُقارب ما يواجهه حاملو الرمز الفلسطيني. وأكّد أنّ "دلالة الشارات أمرٌ بالغ الأهمية، لأنّها تُعبّر عن التضامن"، وتُثبت أنّك لستَ "صوتاً منعزلاً" بل جزءٌ من حركةٍ أوسع وهو بالضبط ما يُراد إسكاته.
وأضاف Baker أنّ "مفهوم الحياد في الرعاية الصحية يُفهم على نحوٍ خاطئ": فبينما تظلّ الرعاية المقدَّمة للمرضى محايدةً بطبيعتها، لا مجال لمثل هذا الحياد حين يتعلّق الأمر بالمواقف السياسية، بل إنّ العاملين في الصحة كثيراً ما يجدون أنفسهم مُلزَمين باتّخاذ "موقفٍ فاعل" في مواجهة الإبادة، بدلاً من التزام الصمت.
وأعلنت مجموعة Health Workers for a Free Palestine أنّ تبنّي توصيات Mann "سيُفضي إلى واقعٍ مضحكٍ مبكٍ، تُستنزف فيه طاقة المديرين في التحكيم بين ما إذا كانت قطعة فاكهة أو شكلٌ هندسي مبرّراً للإجراءات التأديبية، في حين يجري تدمير المنظومة الصحية الفلسطينية بصورةٍ ممنهجة في سياق إبادةٍ جماعية مستمرّة".
حظر ملابس العمل الطبية في الاحتجاجات
أفاد الدكتور Aarash Saleh، الذي انضمّ إلى Baker والدكتورة Sara Ali في الدعوى القضائية ضدّ مؤسسة Barts، بأنّ إحدى زميلاته خضعت لإجراءاتٍ تأديبية بسبب ارتدائها أقراطاً على شكل بطّيخ. وأشار إلى أنّه رغم حرص اللورد Mann على التأكيد بأنّ المراجعة لا ينبغي توظيفها سلاحاً ضدّ الأصوات المتضامنة مع فلسطين، فإنّ حظر الرموز السياسية لم يُطبَّق في الواقع "إلّا في حالاتٍ تكاد تكون حصراً" ضدّ المتضامنين مع فلسطين.
بيد أنّ ما هو أقلّ قابليةً للتبرير في نظر Saleh هو القرار الرامي إلى منع العاملين الصحيين من ارتداء ملابس العمل الطبية في الاحتجاجات. وقال: "إنّه لأمرٌ مثيرٌ للاستنكار أن تُقال لعاملٍ في الرعاية الصحية وهو ينتمي إلى مهنةٍ لها تاريخٌ عريق في الدفاع عن المهمَّشين إنّ عليه أن يتوقّف عن ذلك، لأنّ أحدهم يدّعي أنّه يشعر بالإساءة من مشاركتك في مسيراتٍ تطالب بالسلام في الشرق الأوسط." و وصف Saleh هذا القرار بأنّه "تجاوزٌ للصلاحيات" من جانب الحكومة، يستهدف تضييق قدرة الأطباء على المشاركة في الاحتجاجات بصفتهم أطبّاء لا بصفتهم أفراداً عاديين، في مواجهة الإبادة وتضامناً مع زملائهم الذين يستهدفهم الجيش الإسرائيلي في غزة.
وقالت الدكتورة Sara Ali : "يُقلقني بعمقٍ أن تعتبر مؤسسةٌ جوهر وجودها تقديم الرعاية الإنسانية أنّ التعبير عن التعاطف الإنساني والتضامن مع شعبٍ يتعرّض للإبادة أمرٌ غير لائق أو مثيرٌ للاعتراض. إنّ الدفاع عن حقّ التعبير عن هذا التضامن أمرٌ بالغ الأهمية، لأنّ المهنيين في مجال الرعاية الصحية لا ينبغي أن يُطلب منهم التخلّي عن إنسانيتهم حين يأتون إلى العمل. فالرحمة والتعاطف مع المعاناة الإنسانية ليسا منفصلَين عن قيمنا المهنية — بل هما في صميمها."
أخبار ذات صلة

حساب عمدة إسطنبول المسجون.. X تطعن في قرار الحجب

الكنائس الفارغة والخوف من مصلحة الهجرة في ماريلاند بعد إنهاء الحماية المؤقتة للهايتيين

مجلس لندن يسعى لقطع العلاقات مع حيفا احتجاجاً على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين
