وورلد برس عربي logo

تضامن غير متوقع مع فلسطين في شوارع لندن

في مسيرة ذكرى النكبة بلندن، شهد زوجان فلسطينيان دعمًا غير متوقع من متظاهرين متنوعين، بينما واجهوا خطاب كراهية. انضم إليهم عشرات الآلاف، مما يكشف عن تضامن عالمي مع فلسطين. اكتشفوا تفاصيل هذه اللحظة التاريخية.

لافتات ملونة في مسيرة تضامن مع فلسطين، تتضمن عبارات مثل "استيقظوا واشموا الفاشية" و"حرّروا فلسطين"، مع حضور حشود كبيرة.
يحمل الناس لافتات للاحتفال بالذكرى الثامنة والسبعين للنكبة في لندن، بريطانيا، في 16 مايو 2026 (رويترز)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-في كلّ عام، يتوجّه زوجان بريطانيان فلسطينيان أعرفهما إلى مسيرة ذكرى النكبة، إحياءً لذكرى التهجير الجماعي الذي طال أكثر من 700,000 فلسطيني إبّان تأسيس دولة إسرائيل عام 1948.

غير أنّ ما جرى لهما في طريقهما إلى المسيرة هذا العام كان لافتاً. ففي المترو، جلس أمامهما زوجان آخران بدا عليهما الاستياء الصريح ممّا رأياه.

كانت زوجة صديقي تحمل حقيبة مطرّزة بالطراز الفلسطيني، تزيّنها دبابيس كُتب عليها: "حرّروا فلسطين"، و"أوقفوا تسليح إسرائيل"، و"إسرائيل خارج غزة".

حدّق الزوجان الجالسان أمامهما في صمت، وحاول أحدهما التقاط صورة للدبابيس لكنّه فشل.

وحين وصل القطار إلى المحطة الثانية ونهضا للنزول، التفت أحدهما وقال: "أنتم لا تنتمون إلى هنا. عودوا إلى بلدكم!"

خيّم الذهول على ركّاب العربة بعد رحيلهما.

انطلق نقاشٌ سرعان ما كشف أنّ الجميع كانوا في صفّ أصدقائي الفلسطينيين. هؤلاء أطبّاء في الخدمة الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، قدموا من الأردن منذ ثلاثة عقود، وتعود أصول عائلتيهما إلى يافا وجنين.

قالت امرأة جلست على يمينهما: "أنا إيرلندية. أعرف ما تشعران به. عشنا هذا ثمانمئة عام، وعدّنا البريطانيون دون البشر. لا يزالون ينظرون إلينا كأجانب."

وضحك رجلان بريطانيان من أصول أفريقية جلسا أمامهما، فقال أحدهما: "احتلّوا العالم مئتَي عام ونحن لن نرحل. نحن هنا لنبقى."

مسيرة تكسر التوقّعات

حين خرج أصدقائي إلى الشارع، وجدوا الطرق ممتدّةً من South Kensington حتى Waterloo Place غاصّةً بالمتضامنين مع فلسطين. لم يشهدا في كلّ سنوات إقامتهما في بريطانيا أعداداً كهذه.

كان عدد المشاركين في مسيرة التضامن مع فلسطين أكبر بكثير ممّا أقرّت به الشرطة. وقد جرى تقديم مسيرتَين متنافستَين في شوارع لندن ذلك السبت على أنّهما يمثّلان طرفَين متطرّفَين.

وقد اخترعت افتراءات مفادها أنّ المتظاهرين المؤيّدين للفلسطينيين كانوا يعتزمون المرور أمام كنيسٍ يهودي، في حين لم يكن ذلك في خططهم ولا في مسارهم أصلاً.

لكنّ الأرقام روت الحقيقة بنفسها.

عشرات الآلاف ساروا دعماً لفلسطين، بينما لم يتمكّن أنصار المحرّض اليميني المتطرّف Tommy Robinson، الذي يحمل اسمه الحقيقي Stephen Yaxley-Lennon، من ملء ميدان البرلمان.

خطاب الإسلاموفوبيا

ما لفت النظر بشكل خاص في مسيرة ذكرى النكبة هذا العام كان الحضور اللافت والصريح لليهود البريطانيين، علمانيّين ومتديّنين على حدٍّ سواء.

في المقابل، كان الوجود في ميدان الفاشيين البريطانيين المشحون بالكراهية أمراً أشدّ إشكالاً لأيّ يهودي، وهذا ما بات واضحاً فور أن فتح أحدهم فمه.

صاح Yaxley-Lennon: "أيّها الرجال، هل أنتم مستعدّون لتصبحوا أفضل نسخة من أنفسكم؟ نحن كرجال، كرجال بريطانيين، علينا أن نكون مستعدّين للقتال، لأنّ معركة قادمة إلى هذا البلد."

وفي مقابلة أجرتها معه العارضة البولندية الأمريكية Weronika Karagowska، سألته عمّا سيفعله لو أصبح رئيساً للوزراء، فأجاب: "سأوقف الإسلام. سأنهي التمويل الأجنبي لهذا البلد."

ولعلّ المقصود بـ"إنهاء التمويل الأجنبي" هو إعادة الأموال التي تلقّاها هو نفسه من Middle East Forum ومقرّه فيلادلفيا، أو من الملياردير الأمريكي Robert Shillman، أو من Australian Liberty Alliance، أو من Jewish Defence League.

وتابع Yaxley-Lennon: "سيُخرَج جميع المهاجرون من الفنادق ويُعادون غداً بواسطة الجيش. سأُطبّق سياسة إعادة الهجرة. حان وقت مغادرة كثير من المسلمين لهذا البلد. حان وقت الرحيل. لديكم بيوتكم لتذهبوا إليها. هذا بيتنا ولا مكان آخر لنا. لن نسمح بالتغيير بعد الآن؛ الناس سئموا، الناس سئموا."

وضخّمت Kellie Jay Keen، التي تُقدّم نفسها "ناشطة في حقوق المرأة"، هذا الخطاب المعادي للإسلام قائلةً: "لم يفت الأوان بعد لإخراج الإسلام من فصولنا الدراسية. لم يفت الأوان لإخراجه من ذلك المبنى. لم يفت الأوان لإخراجه من كلّ مكتب رسمي في هذا البلد. بل إنّ الأمر لا يقتصر على أنّه لم يفت الأوان بل هو أمرٌ حيوي لإنقاذ هذا البلد؛ يجب إزالة الإسلام من كلّ موقع سلطة."

شكّل Yaxley-Lennon وKeen معاً شراكةً محرجة للشخصيات الداعمة لإسرائيل التي موّلت هذا التجمّع.

وقد تجلّى التوتّر مع اللوبي الإسرائيلي بوضوح حين أجرى Piers Morgan مقابلةً مع المتحدّث السابق باسم الجيش الإسرائيلي Jonathan Conricus.

Conricus، الذي قال إنّه استمتع بوجوده في ميدان البرلمان، دافع عن Keen في دعوتها إلى إقصاء الإسلام من مؤسسات الدولة البريطانية كافّة. وحاول التمييز بين الإسلام بوصفه ديناً وبين المسلمين بوصفهم معتنقيه. بيد أنّ هذا التمييز نقضه Yaxley-Lennon نفسه حين طالب صراحةً المسلمين بـ"العودة إلى بلدانهم".

وسأل Morgan بحقٍّ: هل سيقول Conricus الشيء ذاته لو أنّ اليمين المتطرّف انقلب على اليهودية؟ ولم يجد Conricus جواباً.

استعراض الفاشية

إذا جرّدنا ميدان البرلمان من نجوم داود المرفوعة، فإنّنا أمام تجمّع للتفوّق الأبيض لا يُعنى إلّا بالمسيحيين البيض.

قالت لافتة حركة White Vanguard بصراحة تامّة: "أنهوا الاحتلال الصهيوني لبريطانيا. أوقفوا الاستبدال الأبيض."

الحضارة التي جاء هؤلاء الفاشيون لحمايتها لم تعد "يهودية-مسيحية" بأيّ معنى. فالمسيحيون عبر التاريخ كانوا من أشدّ مضطهدي اليهود.

وقُرأ على لافتة أخرى في المسيرة: "الجحيم للإسلام، المسيح ملك." وهو بالتأكيد ليس الشعار الذي دفع ثمنه وزير الشتات الإسرائيلي Amichai Chikli، الذي كان قد دعا Yaxley-Lennon إلى إسرائيل في أكتوبر الماضي.

لن يُعتقل أيٌّ من المتحدّثين في مسيرة "Unite the Kingdom" ولن يُستجوَب بتهمة خطاب الكراهية. وقد كشف هذا المشهد عن تفاوتٍ صارخ في القانون الذي يُعرّف معاداة السامية وخطاب الإسلاموفوبيا، وبالتالي التفاوت في تعامل الشرطة مع هذه المسيرات.

التعريف القانوني لخطاب الكراهية لا يُطبَّق على جميع المواطنين البريطانيين بالتساوي.

فأيّ شخص يرفع لافتة تحمل الكلام ذاته عن اليهودية كان سيُعتقل فوراً بتهمة معاداة السامية. لكنّ هذا ليس الخطر الأكبر من السماح لمثل هذه الاستعراضات الفاشية بالانعقاد، لا سيّما أمام مبنى البرلمان.

هذا الخطر يتجاوز الصراع الفلسطيني. إنّه خطرٌ يتهدّد جميع المواطنين البريطانيين بصرف النظر عن أعراقهم وأصولهم. وقد بات من الطبيعي الاعتداء على المسلمين في بريطانيا أيّاً كان مصدرهم وأيّاً كان تاريخ قدومهم.

Michael Gove، الوزير المحافظ السابق؛ وWes Streeting، المرشّح لزعامة حزب العمال؛ وYvette Cooper، وزيرة الداخلية السابقة ووزيرة الخارجية الحالية؛ وKemi Badenoch، زعيمة حزب المحافظين جميعهم وظّفوا الخطاب الإسلاموفوبي القائل بأنّ المجتمعات المسلمة ناخبون مشبوهون وحاضنة للمتطرّفين وبيئة خصبة لتفريخ الإرهاب. قء فخ4 وقد أشار رئيس الوزراء البريطاني Keir Starmer إلى "الأثر التراكمي" لمسيرات التضامن مع فلسطين في تغذية معاداة السامية.

المساهمة المنسيّة للمسلمين

جيلٌ من السياسيين هؤلاء يُضخّم ذكرى المجد البريطاني في هزيمة الفاشية خلال أربعينيات القرن الماضي، بينما يتجاهل بشكل مريب دور المسلمين في الدفاع عن بريطانيا في أشدّ ساعاتها حلكةً.

قاتل ما لا يقلّ عن 2.5 مليون مسلم في صفوف قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، و5.5 مليون في الثانية. وسقط ما يقارب 1.5 مليون مسلم في ميادين القتال.

جاء معظمهم من الهند وأفريقيا، وقاتلوا في الصومال والحبشة ومدغشقر. وشارك ما بين 9,000 و12,000 فلسطيني في القتال إلى جانب بريطانيا في مصر وبلاد ما بين النهرين.

لكنّ أعظم مساهمة إسلامية كانت في الجيش الهندي البريطاني الذي خاض حملة الشرق الأقصى ضدّ اليابان، إذ قاتل في صفوفه مليون مسلم.

وأحفاد هؤلاء هم من يُقال لهم اليوم، على لسان سياسيين من أطياف واسعة من التيار السائد، إنّهم لم يعودوا "بريطانيّين بما يكفي" للبقاء في هذا البلد.

إن نجح Starmer في معركته الأخيرة للبقاء رئيساً للوزراء، فسيظلّ حزب العمال يُبقي اليسار مشتّتاً، وستُمهّد الطريق لـNigel Farage، زعيم حزب Reform UK، ليصبح رئيساً للوزراء.

ومع وصول Farage إلى السلطة، سيكون لكلّ مسلم في هذا البلد ما يخشاه.

وخلافاً للتشهير بأنّ قيادة Jeremy Corbyn لحزب العمال جعلت بريطانيا غير آمنة لليهود، فإنّ وصول Farage إلى الحكم سيجعل بريطانيا حقّاً غير آمنة للمسلمين للعيش فيها.

وحين يبدأ المسلمون بالرحيل، لن يتأخّر اليهود كثيراً. لأنّهم سيكونون بلا شكّ الهدف التالي للموجة العنصرية التي يمثّلها Farage في وجه "الغرباء".

خطرٌ وجودي

بدعمها لليمين المتطرّف في بريطانيا، تضع إسرائيل الجالية اليهودية البريطانية بأسرها في خطرٍ بالغ.

عاد أصدقائي الفلسطينيون إلى بيتهم وقد تجدّدت طاقتهم من الدعم الذي حظيت به عائلتهم من بيض وسود وآسيويين ويهود ومسلمين على حدٍّ سواء، في إحياء ذكرى اليوم الذي طُرد فيه أهلهم من أرضهم.

وفي الليلة السابقة، اتّصلت زوجة صديقي بعمّتها في جنين، التي كانت قد عاشت عمليةً عسكرية إسرائيلية ضخمة استهدفت مخيّم جنين وهجّرت ما يصل إلى 45,000 فلسطيني.

هذه المرّة كانت العمّة في حالة يأسٍ تامّ. فقد ظهرت خيام المستوطنين البيضاء على أراضيهم الزراعية شمال غرب جنين. وهذا لا يعني إلّا شيئاً واحداً: ستتحوّل الخيام إلى بؤرة استيطانية، وسرعان ما ستختفي أرضهم الزراعية ومصدر رزقهم الوحيد.

وكما بات الجميع يعلم، يُسيطر المستوطنون على الضفة الغربية.

"يقولون لنا: عودوا إلى بيتكم. ولا شيء أتمنّاه أكثر من العودة إلى بيت عائلتي في جنين. لكنّنا هنا في بريطانيا لأنّنا طُردنا من هذه الأرض، وبريطانيا مسؤولة عمّا جرى عام 1948 وعمّا يجري كلّ يوم منذ خمسة وثمانين عاماً. فأين تريد بريطانيا منّا أن نذهب الآن؟".

أخبار ذات صلة

Loading...
ديناو منغستو يتحدث في مؤتمر Pen America، مع خلفية شعار المنظمة، بعد استقالته احتجاجًا على موقف المنظمة من حرية التعبير والمقاطعة الثقافية الفلسطينية.

رئيس "بن أمريكا" يستقيل ويتهم المؤسسة الأدبية بمحو الفلسطينيين

استقالة Dinaw Mengestu من رئاسة Pen America تكشف عن خلافات عميقة حول حرية التعبير والمقاطعة الثقافية ضد الاحتلال الإسرائيلي. اكتشف التفاصيل الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
نساء فلسطينيات يحملن لافتات احتجاجية ضد منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

إسرائيل تمنع وصول الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين رغم حكم قضائي

فرضت إسرائيل قيوداً مشددة تمنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة المعتقلين الفلسطينيين رغم حكم المحكمة العليا، مما يثير تساؤلات حول حقوق الإنسان. اكتشف المزيد عن التطورات وتأثيرها.
حقوق الإنسان
Loading...
مارياانو راخوي، رئيس وزراء إسبانيا الأسبق، أمام أعلام إسبانيا والاتحاد الأوروبي، وسط جدل حول تصريحاته العنصرية ضد منتخب فرنسا لكرة القدم.

قيادي إسباني سابق يواجه انتقادات لتصريحاته حول فريق فرنسا بكأس العالم

تصريحات مارينو راخوي عن منتخب فرنسا أثارت جدلاً واسعاً واتهامات بالعنصرية بين فرنسا وإسبانيا. اكتشف التفاصيل المثيرة وردود الفعل الرسمية في هذا الصراع الكروي السياسي. تابع القراءة الآن!
حقوق الإنسان
Loading...
رجل يبكي وسط تجمع صحفي في هيوستن أثناء تنديد بمقتل لورنزو سالغادو أراوخو على يد عناصر الهجرة الأمريكية.

إطلاق النار على رجل من هيوستن: ما تحتاج معرفته عن الحادثة

مقتل لورنزو سالغادو أراوخو في هيوستن يثير غضباً واسعاً ويكشف عن أزمة تطبيق قوانين الهجرة الأمريكية. تعرف على تفاصيل الحادثة وتأثيرها على المجتمع اللاتيني. تابع القصة كاملة الآن!
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية