منى خليل رمز الحياة والمقاومة في الجنوب اللبناني
منى خليل عالمة البيئة والناشطة التي كرست حياتها لحماية السلاحف البحرية في جنوب لبنان استُهدفت في بيتها البرتقالي خلال قصف إسرائيلي وفارقت الحياة. قصة نضالها وصمودها رمز للحياة والمقاومة في وورلد برس عربي.

في اليوم الذي سبق الاحتفال بيوم البيئة العالمي، استهدف الجيش الإسرائيلي «البيت البرتقالي»، منزل عالمة البيئة البحرية والناشطة البيئية منى خليل في جنوب لبنان، فأصابتها بجروح بالغة. وبعد أسبوعين، في 19 يونيو، فارقت خليل الحياة متأثّرةً بجراحها في بيروت.
وُلدت منى خليل في لاغوس بنيجيريا عام 1949، وأمضت سنواتٍ طويلة في هولندا خلال الحرب الأهلية اللبنانية، قبل أن تعود إلى لبنان عام 1999، لتأخذ حياتها منعطفاً غير متوقّع إثر لقاءٍ مصادفٍ مع سلحفاة بحرية.
روى رامي خشّاب، المستشار البيئي وعالم الزواحف والبرمائيات، تلك اللحظة التي شعرت فيها خليل، صديقته المقرّبة، برمالٍ تتطاير في الهواء من سلحفاة بحرية خضراء كانت تحفر بيتها بالقرب منها.
بعد تلك الليلة، انطلقت خليل في مهمّتها لحماية السلاحف البحرية التي تتعشّش على شواطئ المنصوري، بلدتها الواقعة جنوب صور.
قال خشّاب (32 عاماً) : «كان البيت البرتقالي مقصوداً بكلّ معنى الكلمة، لأنّه المكان الذي اكتشفت فيه السلحفاة التي غيّرت مسار حياتها».
التقى خشّاب بخليل مصادفةً على شاطئ المنصوري وهو طفل، واصفاً تلك المصادفة بأنّها أجمل ما حدث في حياته. وكانت خليل حينها قد عملت مع السلاحف لأكثر من عقدٍ من الزمن. أدركت خليل شغف خشّاب بالحيوانات والزواحف والبرمائيات، فأعطته وظيفته الأولى وهو لا يزال في المرحلة الثانوية.
الحياة والمقاومة في الجنوب
درّبت خليل أجيالاً من المتطوّعين على صون البيئة، وعلّمتهم كيفية حماية عشرات البيض من الثعالب وغيرها من الحيوانات، ومن السيارات التي تجتاح الشاطئ، بل وحتى من قوّات الأمم المتحدة التي حاولت استئجار صيّادين محلّيين للصيد عليها. وكانت أوّل من يجوب الشاطئ دوريةً في موسم التعشيش.
كانت خليل ومتطوّعوها يُعينون صغار السلاحف المفقوسة حديثاً التي لا تتجاوز فرصة نجاتها حتى البلوغ واحداً من كلّ ألف على شقّ طريقها نحو البحر المتوسّط. كما أسّست «نادي السلاحف للأطفال» في البيت البرتقالي.
وكان نضالها المديد ضدّ خصخصة الشريط الساحلي، ومشاريع البناء الجديدة، واستخدام الديناميت في الصيد، سبباً رئيسياً في ارتفاع أعداد السلاحف في المنصوري.
في الشتاء، حين يخلو المنصوري من السيّاح وتتلاطم العواصف، كانت تستنفر أصدقاءها لتنظيف الشاطئ، أو حين تتراكم النفايات التي يُرجَّح أنّها تنجرف من إسرائيل على شواطئ جنوب لبنان. كانوا يبدأون من بلدة الناقورة الحدودية ويشتغلون شمالاً.
احتفى الزوّار وأبناء المنطقة بالبيت البرتقالي منذ أمدٍ بعيد بوصفه فضاءً مفتوحاً يرحّب بالجميع على اختلاف خلفيّاتهم وهويّاتهم.
وأجمع كثيرون ممّن تحدّثوا على فكرةٍ واحدة: إنّ إسرائيل استهدفت منى خليل لما كانت تمثّله، قائدةً مكرّسة لصون الحياة وصون الحرية.
لا يوجد سوى بيتٍ برتقالي واحد في المنصوري، وقد بنت خليل، التي أصرّت على البقاء رغم القصف الإسرائيلي، مجتمعاً وروح تضامن وهدفاً مشتركاً حول ذلك البيت.
قال خشّاب: «ظلّت تقاوم وعلّمت الجميع أن يحبّوا لبنان بقدر ما أحبّته هي. ربّما لأنّها أصرّت على البقاء، ولأنّها كانت ترمز للحياة والمقاومة هناك في الجنوب، قتلوها».
إرثٌ خالد
في اليوم التالي لرحيلها، تجمّع المئات في بيروت لتوديعها. كان المعزّون من شتّى الأوساط: أقارب وناشطون وبيئيّون وأصدقاء وممثّلون عن وزارتَي الثقافة والبيئة.
ارتدى معظم الحاضرين السواد حداداً، غير أنّ لمساتٍ من الألوان كانت تتخلّل الحشد، إذ لم يتمكّن بعض أصدقاء خليل النازحين من الوصول إلى ملابسهم السوداء.
ولعلّ أكثر الحضور لفتاً للنظر كانت مساعدتها هاوي، التي كانت إلى جانبها في لحظاتها الأخيرة قبيل الضربة الإسرائيلية. في ذلك اليوم، ورغم الحروق من الدرجة الثانية التي أصابتها في الهجوم، ركضت المرأة الإثيوبية إلى أقرب نقطة للجيش اللبناني تستنجد بهم لإنقاذ خليل. وبفضل فعلتها تلك، لم تمُت خليل مدفونةً تحت الأنقاض.
وعلى طاولةٍ خشبية في مجلس العزاء، استقرّت صورةٌ كبيرة لخليل وهي تحمل سلحفاة صغيرة وتنظر في عدسة الكاميرا. وبجانبها، وعاءان كبيران من الزجاج يحملان تمراً وتمائم صغيرة على شكل سلاحف خضراء وبنّية، تكريماً للآلاف من سلاحف منقار الصقر والسلاحف الخضراء المهدّدة بالانقراض التي أنقذتها خليل وضيوفها في البيت البرتقالي.
اختارت أمل إفرام، أستاذة جامعية وناشطة بيئية مؤسِّسة لتحالف إدارة النفايات، تميمة السلحفاة الخضراء لتضعها في سوارها.
وقالت إفرام إنّها طالما أرادت لقاء خليل، وإنّها جاءت لا لتكريم الناشطة فحسب، بل لتحزن أيضاً على آلاف الأشخاص الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب.
فقد لقي أكثر من 4,000 شخص حتفهم في الغارات الإسرائيلية، بينهم نساء وأطفال، فيما جُرح أكثر من 12,000 آخرين منذ 2 مارس.
قالت إفرام: «جئت لأنّ بإمكاني المجيء»، في إشارةٍ إلى المناطق الواسعة من جنوب لبنان التي باتت يتعذّر الوصول إليها أو تشكّل خطراً بسبب القصف الإسرائيلي.
«إنّها في بيروت، كيف لا أحضر؟ وليس الأمر من أجل منى وحدها، بل من أجل كلّ من مات. ومن أجل أن أرى أصدقائي من الجنوب الذين يمرّون بالكثير، وأقف معهم في هذه اللحظة».
وفي منشورٍ على Instagram عبر صفحتها «Lebanese Composters»، كتبت إفرام: «سنواصل المشي على الرمال البيضاء في المنصوري، نُعجَب بأصدافها البنفسجية ونغطس في مياهها الفيروزية، شاكرين كلّ ما فعلتِه لحماية هذا المكان المميّز. سنواصل المشي بإعجابٍ لا ينتهي».
بدأت خليل مشروعها في البيت البرتقالي عام 2000. وفي عام 2026، أخذت إسرائيل حياتها، لكنّها لم تأخذ عملها.
قال خشّاب: «شغفها ومثابرتها وعنادها حتى، هي ما يجعلها بهذا الإبداع. ما تعلّمناه منها نستخدمه يوميّاً، ليس فيما يتعلّق بالسلاحف البحرية والبيئة فحسب، بل في حياتنا اليومية».
واصلت أعمال الحفاظ على البيئة والتوعية بشأن السلاحف البحرية وسائر المشاريع البيئية خلال الحرب، رغم القصف الإسرائيلي المكثّف على جنوب لبنان.
وغدا عمل خليل نموذجاً يُحتذى به في جهود الحفاظ على البيئة على شواطئ أخرى في جنوب لبنان تتجاوز المنصوري، وسيظلّ تأثيره ممتدّاً إلى المستقبل.
قال خشّاب: «إرث منى خالدٌ لا يموت. جزءٌ من منى موجودٌ في كلّ شخص، لا في نفسي وحدي».
أخبار ذات صلة

رئيس "بن أمريكا" يستقيل ويتهم المؤسسة الأدبية بمحو الفلسطينيين

إسرائيل تمنع وصول الصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين رغم حكم قضائي

قيادي إسباني سابق يواجه انتقادات لتصريحاته حول فريق فرنسا بكأس العالم
